مشاهدة النسخة كاملة : مواقف مضيئة وتجارب دعوية للتيار الإسلامي فى موريتانيا (1/2)


ابو نسيبة
03-28-2012, 08:47 PM
مواقف مضيئة وتجارب دعوية للتيار الإسلامي فى موريتانيا (1/2) ( إسماعيل بن موسى بن الشيخ سيدي)

منذ أن بزغ فجر الصحوة الإسلامية المباركة فى ربوع الجمهورية الإسلامية الموريتانية، والدعاة إلى الله عز وجل يبذلون الجهود الاستثنائية الحثيثة مضحين بالغالى والنفيس فى سبيل الله عز وجل تحدوهم الرغبة الصادقة فى أن تكون شريعة الإسلام هي الحاكمة وكلمة الله هي العليا...
لم تكن الطريق مفروشة بالورود، ولم تكن الأجواء مشجعة على مواصلة الدرب كانت النخبة السياسية تصنف قيادات وأنصار التيار الإسلامي فى الصفوف الأمامية (للقوى الرجعية)، وكان المجتمع التقليدي يعتبر هؤلاء الدعاة إما خوارج أو أصحاب بدعة جديدة أو هم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها.
لقد كان الكلام فى المساجد وتذكير المسلمين بواجبهم اتجاه دينهم ودعوتهم، من المحظورات المعروفة والخطوط الحمراء.
…الشيخ الفاضل محمد الأمين ولد سيدى وهو أحد الرموز الدعوية المعروفة فى التيار الإسلامي قال لى مرة إن أحد الفقهاء الفضلاء من قريتهم كان يحذر منه جماعة المصلين ويقول لهم لا تتركوا هذا الشيوعي يتكلم فى مسجدكم.
وقد وصف تلك الحقبة من سبعينيات القرن الماضى الكاتب والأديب والإداري الموريتاني الأستاذ محمد فال ولد عبد اللطيف فى كتابه الممتع (الوالى المساعد) فى الصفحة 20 قائلا: (وكان الشباب فى تلك الحقبة ينقسم إلى طوائف ثلاث: ثلة من الشيوعيين يسمون أنفسهم ويسميهم الناس بالكادحين تلويحا بمكانة البرولوتريا فى فلسفتهم – لهم ميول شيوعية متأثرة بالموضة العالمية إذ ذاك، ثم هم فى ذلك الاتجاه طرائق قدد فمنهم من جعل الزعيم الصيني ماوتسى تونغ إمامهم ودرسوا ما فى كتيبه الأحمر ومنهم من فضل البلشفي لينين ومشهور ما روى عنه ستالين، ومنهم من ائتم بتروتسكى وهم الأقل والكل مصفقون على مبايعة الفيلسوف الألماني اليهودي الأصل كارل ماركس مؤلف كتاب رأس المال، وكانت تقع بينهم النزاعات والمشادات من حين لآخر فى أي الفرقاء أمثل طريقة وأقوم قيلا، والكل متفقون بعد ذلك على وصف من سواهم بالرجعية وخدمة الإمبريالية العالمية ولو كانوا من الوطنيين الأحرار، أو حملة الشريعة الأخيار، أو الأولياء الأبرار.
ومنهم ثلة ذات ميول قومية عربية مختلفة الاتجاهات والتوجهات كذلك، فمنه البعثي لا يؤمن بغير البعث العفلقي، ومنهم الناصري...
وفى البعثيين بعثي سوري وبعثي عراقي، وفى الناصريين اتجاه علماني واتجاه إسلامي، وكانت الصحوة الإسلامية إذ ذاك لم تر النور...).
...وقد واجهت الدعاة الأوائل صعوبات جمة على طريق الدعوة... بل على طريق الإلتزام... وتعرض بعضهم للإيذاء الشديد حتى من أقرب الناس إليه...
وخلال مسيرة العمل الإسلامي برزت تجارب دعوية رائدة، كانت لها مساهمتها الجلى فى تشبث المجتمع الموريتاني بدينه الإسلامي العظيم وتمسكه به فى وجه رياح التغريب والمسخ الحضاري التى هبت عليه بقوة وكادت تزلزل بنيانه.
وكانت للاتجاه الإسلامي مواقف مشرفة من مختلف القضايا التى تهم الشعب والدولة والأمة.
ومن تلك المواقف التاريخية نقدم لكم النماذج التالية:
- المكانة الدستورية للإسلام:
ظل الإسلاميون ينافحون بكل ما أوتوا من قوة عن المكانة الدستورية التى ينبغى أن يتبوأها الإسلام فى دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية ويمكن أن نلحظ ذلك بوضوح من خلال الرسالة المفتوحة التى وجهوها إلى رئيس الجمهورية سنة 1980 بشأن مشروع الدستور الذى عرف بدستور (ولد ابنيجاره)، ونشرته جريدة الشعب فى عددها الصادر يوم الجمعة 19 يناير سنة 1980 وتكمن أهمية هذه الرسالة – الوثيقة – فى أنها أتت فى وقت يشهد المراحل التأسيسية الأولى للمشروع الإسلامي، وتزدحم فيه الأولويات على رجاله، وهذا نص الوثيقة:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى سيادة المقدم محمد خونه ولد هيداله، رئيس اللجنة العسكرية للخلاص الوطني، رئيس الدولة.
بواسطة السيد الوزير الأول،
بواسطة السيد وزير العدل والتوجيه الإسلامي،
نحن الموقعين أسفله نرفع إلى جنابكم ما يلي:
إيمانا بالله الذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه ترجعون، ووفاء بعهد الله وميثاق نبيه محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بالنصح والبيان والبلاغ، والقيام بالحق أينما كنا، لا نخاف في الحق لومة لائم، نلح على إجراء تعديلات على مشروع الدستور المنشور في ملحق جريدة الشعب يوم الجمعة الحادي عشر من صفر الخير سنة إحدى وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق التاسع عشر من كانون الأول، سنة ثمانين وتسعمائة وألف للميلاد، وتتضمن هذه التعديلات ما يلي:
- في الديباجة: النص على تقييد التزامنا بالمواثيق الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان بما لا ينافي ديننا الذي رضيه الله لنا، واسمنا الذي سمانا به.
- في المادة 1، الفقرة الثانية: تقيد المساواة أمام القانون بمفهومها الإسلامي الذي ليس في الإمكان اعدل منه. تحذف كلمة: أو ديني لأن المفروض أن دين الشعب كله دين واحد هو الإسلام.
في المادة: 5، الفقرة الأولى: يجب النص على أن الإسلام هو دين الشعب والدولة وشريعته هي المصدر الوحيد لجميع قوانينها، فكل قانون قائم الآن أو سيصدر فيما بعد، يجب أن يكون مطابقا لأحكام الشريعة، وكل مخالفة أو معارضة لأحكامها تجعل القانون غير دستوري، وكل مسؤول عن اقتراح قوانين "رئيس الحكومة والنواب" أو عن تشريعها "النواب" أو التصديق عليها "الرئيس" أو تطبيقها بين المواطنين "القضاة" أو تنفيذ أحكامها "الإدارة" يجب أن يكون مسلما ملتزما لأحكام الإسلام، وكذلك الحال بالنسبة لأعضاء المجلس الدستوري الذي يجب أن يوسع حتى يكون ثلث أعضائه على الأقل من العلماء.
- في الفقرة الثانية من المادة نفسها: بدل حرية المعتقد ينص على أن كل موريتاني أعلن دينا غير الإسلام أو ألحد في الدين أو طعن فيه أو نال من مقدساته يعاقب عقوبة المرتد في الإسلام، وكل مواطن أسر ذلك فظهر عليه وثبت بالحجة الصحيحة والبينة العادلة فهو زنديق يعامل معاملة الزنديق في الإسلام.
- تضاف فقرة أو مادة مستقلة تنص على أن كل أجنبي يريد الحصول على الجنسية الموريتانية، يجب أن يكون مسلما، وأن كل وظيفة يشترط في شغلها حمل الجنسية الموريتانية يشترط في المترشح لها أن يكون مسلما.
- إضافة مادة أخرى أو فقرة تنص على أن كل أجنبي مخالف في الدين مقيم على التراب الموريتاني تكفل له حرية المقام على دينه أو تغييره، وحرية ممارسة شعائر دينه، بما يسمح به الإسلام لأهل ذمته وعهده.
- في المادة 10: بخصوص مساواة الرجل والمرأة في الحقوق السياسية: يجب تقييد تلك المساواة حتى لا تشمل الحقول التي يحظرها الإسلام على المرأة، بما علم خالقها من خصائصها الجسمية والنفسية.
- في المادة 13: ينص على احترام الملكية الفردية في حدودها الشرعية من كون المال مكسوبا في حل مصروفا في معروف.
- في المواد المتعلقة بالحصانة الممنوحة للنائب أو العضو في المجلس الدستوري أو غيرهما: ينص على أن تلك الحصانة يجب أن لا تحول دون إقامة حد من حدود الله تعالى أو استيفاء حق من حقوق الخلق.
سيادة رئيس اللجنة العسكرية للخلاص الوطني، رئيس الدولة،
لا نخفي عليكم أن هذه التعديلات إذا لم تدخل على مشروع الدستور، بعبارات صريحة يشترك في صياغتها من نثق بمعرفتهم وأمانتهم، فإننا سوف نعارضه بكل ما نملك.
ونذكركم الله تعالى وميثاقه الذي واثقكم به، والعهد الذي قطعتم على أنفسكم أن لا تفرطوا في مكسب من مكاسب عاشر تموز.
التوزيع:
1-رئيس اللجنة العسكرية للخلاص الوطني رئيس الدولة.
2-رئيس الحكومة.
3-الأمانة الدائمة للجنة العسكرية.
4-وزير العدل والتوجيه الإسلامي.
5-وزير الإعلام.
وقد أشفع هذا البيان بحملة واسعة فى المساجد مناهضة لمشروع الدستور وما يتضمنه من أفكار علمانية صريحة.
2- معانقة هموم الوطن:
كان العهد استثنائيا... وكانت فرصة انعقاد المؤتمر التأسيسي للطلاب والمتدربين الموريتانيين سنة 1982 فرصة ذهبية، فقد اعتبرها الإسلاميون لحظة تاريخية للتأمل فى هموم الشريحة الطلابية، والتأمل فى الأزمات الخانقة التى يتعرض لها الوطن إذ البلاد فى ذلك الوقت فى بدايات الحكم العسكري... فكانت الوثيقة التالية وهي وثيقة مطولة وتحليل عميق للأوضاع العامة للبلد نقتطف منها ما يلى:
بسم الله الرحمن الرحيم
(الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين) له الحكم (ولا يشرك في حكمه أحدا) الملك ولا ينال عهده الظالمون، وله العزة يهبها للمؤمنين الصادقين (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله، خاتم النبيئين، وإمام المرسلين الذي أرسله الله رحمة للعالمين، ومنة للمؤمنين (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل في ضلال مبين).
فهدى إلى الصراط المستقيم وترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وأصحابه الذين ساروا في طريقه، فبلغوا رسالة الله إلى الناس وجاهدوا في الله حق جهاده لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، فنصرهم الله وأيدهم وبسط نفوذهم على الدنيا، وأورثهم دولا عتت عن أمر الله، واستكبرت على شريعته وظن حكامها (أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا). فسقطت هذه الدول الضالة في أيدي هؤلاء الأصحاب الكرام، فحكموها بالعدل ونشروا فيها قيم الخير، وكانوا مضرب المثل في الأمانة والنزاهة والشعور بالمسؤولية، والبعد عن الاستغلال والبعد عن النفاق والالتواء، لأنهم كانوا قبل ذلك مضرب المثل في تقوى الله، والتمسك بهدي الإسلام العظيم، وعدم المساومة عليه، إنهم النموذج الذي تتطلع الشعوب البائسة اليوم إلى مثله لإنقاذها من حضيض الواقع المزري الذي تعيشه رضي الله عنهم وعن الذين ساروا على طريقهم الميمون، فتمسكوا بالإسلام، وجاهدوا في سبيله وكانوا هم الجدار الذي وقف في وجه الغزو العسكري والسياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي لبلاد المسلمين، وكان صمودهم ثمرة من ثمار هذا الدين العظيم الذي لا يعرف الاستسلام، ولا يخيفه الإرهاب ولا تزعجه العواصف ولا تقلقه الدنيا لو وقفت كلها في وجهه، هذا الدين الذي يعلو ولا يعلى، ويحكم ولا يُحكم، لقد كانت دماء هؤلاء المجاهدين هي البذرة التي أنبتت شجرة الحرية والاستقلال في الوطن الإسلامي الكبير من المحيط إلى المحيط رضي الله عنهم وأرضاهم).
بعد هذه المقدمة تدخل الوثيقة فى هموم الشريحة الطلابية فتذكر منها: (عدم تكافئ الفرص في الحصول على المنح الدراسية، وهو مجرد عرض لمرض سوء الإدارة واستغلال المنصب، هذا المرض الذي ما تزال مؤسساتنا ككل تعاني منه، وإذا كنا غير قادرين على تخليص جميع مؤسساتنا منه، فلا أقل أن نخلص منه منظمتنا الطلابية الشابة، وقطاعنا العلمي الثقافي، وهذه النقطة تعني أن الحصول على منحة دراسية لا يزال حتى الآن خاضعا للأساليب اللاشرعية، وكلنا يعرف من خفايا هذا الأمر ما لا يعرفه الآخر.
- وهناك مشكلة الطلاب غير الممنوحين في الخارج، والذين يعانون أزمات مالية كان من الضروري أن لا يعانوها، ونحن نعرف أن هناك تبريرات تقدم لعدم منح هؤلاء الطلاب من طرف بعض المسؤولين قد تكون وجهة نظر شخصية وقد تكون وجهة نظر الوزارة.
وعلى كل حال فنحن لسنا مقتنعين بتلك التبريرات ولذلك نرجو من المؤتمرين ومن منظمتنا المرتقبة الاهتمام بحل هذه المشكلة.
ونذكر هنا أن العشرات من هؤلاء موجودون كمثال في المغرب وفي السعودية حيث تعيش جالية موريتانية كبيرة عريقة يجب أن نضع وجودها هناك في الحسبان.
وهناك مشكلة عدم المساواة في فرص العمل بين المتخرجين من طلابنا في الخارج، فبينما يأخذ الخريج الفرنسي وضعه الطبيعي في أسرع وقت نجد زميله الخريج العربي ينتظر لفترة قد تطول وقد تقصر حسب القواعد المقررة في (الفساد الإداري).
وهناك سوء تخطيط في ميدان (التوجيه) قد يكون ناتجا عن غياب التخطيط أصلا، فنحن في الغالب – وهذا واقع العقدين الماضيين- نعمل بلا وعي ولا هدف ولا تخطيط.
وبإمكانكم أن تدققوا في تخصصات طلابنا المختلفة، ثم تقارنوها باحتياجات شعبنا الفعلية، فستجدون أن المشرفين على التوجيه كانوا مع الأسف يعملون في (المريخ).
بعد ذلك تخلص الوثيقة إلى دعوة صريحة ومبكرة لحوار وطني شامل، فتقول:
(إن انعقاد مؤتمرنا هذا فرصة كبيرة لفتح حوار وطني نزيه، يتبادل فيه الرأي – بعيدا عن الانفعال- حول أهم الأفكار المطروحة في ساحة وطننا الحبيب، ولكي نستعد لهذا الحوار علينا أن نستشعر أن الأفكار الإصلاحية التي يتبناها البعض منا قد لا تكون بالضرورة هي الحل الأفضل لمشاكلنا، لأن قدرات الإنسان المحدودة وآفاقه التي تظل ضيقة مهما حاول توسيعها تجعله غير مؤهل للاكتفاء الذاتي في ميدان واسع متشعب كميدان الإصلاح والتغيير الاجتماعي وعمليات التنمية.
ولذلك فمن الخير لنا أن نستمع إلى آراء الآخرين وأن نستفيد من أفكارهم وأن نكون على استعداد للتنازل عن آرائنا الشخصية إذا تبين أن مصلحة وطننا الحبيب ليست فيها.
إن مجموعة الآراء والأفكار التي يتبناها كل واحد منا لا بد أن تضم الفاسد والصالح ومن الوطنية الصادقة أن نعطي وطننا الحبيب آراءنا الصالحة ونحتجز عنه آراءنا التي تبين أنها قد تضره أكثر مما تنفعه.
قد يكون في ذلك نوع من (التواضع) غير المرغوب خصوصا من طرف الشباب الذين بدأوا لتوهم يحسون بذواتهم.
ولكن لكي يرفع شعبنا الحبيب رأسه ويخرج من وهدة التخلف لا بد أن ينحني كبرياؤنا قليلا.
إن الختم على الأفكار – وخصوصا في مرحلة الشباب واعتبار خواطرنا هي البداية والنهاية تعني تقديم الثمار الفجة والأدوية قبل التجريب وهو أمر له مخاطره الصحية، في مستواه المادي وأخطاره الحضارية الكبرى في مستواه الإنساني، وهذا يعني أن يكون هذا المؤتمر فرصة لتلاقح الأفكار وتقبل الصالح والتنازل قليلا لصالح شعبنا المتخلف الكريم.
إن كونك إسلامي لا يعني أن أفكارك الشخصية تنزيل من حكيم حميد، وإذا لم تكن أفكارك كذلك، فإن عليك أن تتقبل كل فكرة صالحة تقدم إليك، وإذا بحثت فإنك ستجد في الإسلام ما يؤيد هذا الاتجاه.
وإن اقتناعك بالشيوعية لا يعني أن تتبنى تنفيذها كما تخيلها ماركس وصديقه انجلز بلا تعديل ولا تحريف، ولا "بدع" و "شوائب"، فالأحزاب الشيوعية الغربية تخلت منذ سنوات عن فكرة "دكتاتورية العمال" ولم تشعر في يوم من الأيام أنها ارتدت، وأنها سوف تحرم من الفردوس الأرضي الذي وعد به ماركس، وهذه موسكو تتخلى عن "تزمتها" في موضوع الملكية الفردية، وتسمح تدريجيا بعودتها في سبيل البحث عن حوافز جديدة للعمل بعد أن تبين لها أنه لا بد من التعديل في المبادئ الماركسية لتلائم واقع بني آدم والذي يختلف كثيرا عن واقع الحيوان.
ومع ذلك فلا تزال موسكو حامية الاشتراكية والساهرة على تبليغ تعاليمها للناس وتعميم جناتها في هذا العالم الذي يقف على أبواب الجحيم الذي تحاول هي إنقاذه بطريقتها الخاصة.
كما أن اقتناعك بالفكرة القومية لن يحول دون الاستفادة من آراء الآخرين ما دامت هذه الأفكار لا تلزمك بأن تتخلى عن قوميتك، لأن القومية نفسها في مفهومها المذهبي فكرة مستوردة –على الأقل- بالنسبة للشعب الموريتاني، وقد تبنى دعاة القومية المبادئ الاشتراكية، وهي على الأقل في طبعتها الأولى أجنبية، ولذلك فليس هناك ما يمنع القومي من الاستفادة من أفكار الآخرين.
هذا الحوار الذي ندعو إليه لا يمكن أن يتم إلا بعد أن نتخلص من وطأة المذهبية الضيقة التي تجعل على العينين عصابة سوداء هذه العصابة التي تحول دون الرؤية النزيهة لمصالح الشعوب، وتتقوقع بصاحبها في محيط ضيق فتضر العقل والرؤية والتفكير.
إن علينا أن نقترب من الاستقلالية قليلا على الأقل عندما نجتمع في مؤتمر كهذا المؤتمر الذي يضم نخبة مثقفة من أبناء الشعب الموريتاني الذين لو بحثوا الأمور باستقلالية تامة لكان من المحتمل جدا أن يصلوا إلى آراء موحدة صائبة بدل الآراء المختلفة الخاطئة التي هي نتاج التشرذم والتمزق المذهبي).
ثم تعطى الوثيقة تصورها للحل على النحو التالى: (إن شعبنا شعب متخلف حاولت شتى الاتجاهات أن تستثمر تخلفه لصالحها هي، فكانت عملياتها تجذيرا للتخلف على طريقة الاستعمار، وكان الأولى بهذه الاتجاهات ما دامت تعمل –كما تزعم- لصالح الشعب أن تحارب أعراض التخلف، فتسعى للقضاء على الجهل والفقر والمرض والظلم الاجتماعي والاسترقاق اللا شرعي والمحسوبية والرشوة والاختلاس، والترف على حساب المستضعفين والتبذير في جانب والتقتير في جانب وعمليات التغريب وعمليات التشريق، والتحلل وضياع الشخصية إلى آخر القائمة السوداء التي يزيدها سوادا عمليات النهب لثرواتنا الوطنية المستمرة حتى الآن، ومن العقوق في هذه الظروف أن نظل في هذا الطريق العقيم نبني الأمجاد المذهبية على أطلال شعبنا البائس الفقير.
ونحن بقليل من الاستقلالية وقليل من الحوار وقليل من النزاهة وقليل من التواضع، نستطيع أن نصل إلى تحقيق أهدافنا العظيمة وآمالنا الكبار وإلا فستكون منظمتنا رقما يضاف إلى أرقام وحليفا جديدا يعقد صلحا مع الجهل والفقر والمرض وهو صلح –كالصلح مع إسرائيل- لا يرضى عنه الله ولا رسوله ولا المؤمنون).
- الوحدة الوطنية:
ظلت الوحدة الوطنية والانسجام بين مكونات الشعب الموريتاني المسلم من الهموم الكبرى للدعاة إلى الله عزوجل، وعندما يحدث أي مساس بهذه الوحدة يشعر الإسلاميون بالخطر ويتحركون بسرعة، وهذا البيان الصادر سنة 1987 يؤكد ذالك.
فإلى النص الكامل له:
بسم الله الرحمن الرحيم
دعوها فإنها...
(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا...)
إخوة الإيمان...
يا أبناء شعبنا المؤمن..
لقد أراد الله لأمة الإسلام العزة والمنعة عندما تتمسك بحبله المتين الذي لا تنفصم عراه... وقد تحققت إرادة الله عمليا حين تحكم الإيمان في واقع حياة المسلمين، غير أن شياطين الإنس والجن من أعداء هذه الأمة وأذيالهم من المبتورين حضاريا واصلوا إصرارهم على تفكيك وحدة المسلمين، وكان بعث النعرات القومية الكريهة وإحياء الجاهليات المقبورة أخطر وسيلة استخدموها وروجوا لها.
وقد عانى عالمنا الإسلامي من نكبات قاتلة كانت الدعوة القومية باعثها ومسببها، فمن إسقاط الخلافة الإسلامية في اسطنبول إلى تسليم القدس لليهود، إلى زرع واقع التجزئة في جسم عالمنا الإسلامي الكبير، وهذه الدعوة تكتب تاريخها بأحداث الذل والتبعية والهوان
ونظرا لتلك النجاحات الباهرة التي حققتها القومية للاستعمار بحيث جعل منها الرصاصة التي اخترق بها الجسم الحضاري لهذه الأمة، فإن الاستعمار تبناها ورعاها في كل الأقطار الواقعة تحت سيطرته ونفوذه قنبلة موقوتة يتحكم في من بعيد ويفجرها عندما تصل المفاوضات إلى باب مسدود أمام مصالحه.
وقد نال بلدنا المسلم الذي تعايشت فيه مختلف العناصر بحقب متتالية تعايشا اخويا صادقا حظه من هذا المخطط الجهنمي الذي أخذ أشكالا متعددة وصورا متباينة وكانت أحداث 1966 الدامية وتطورات 1979 المنذرة ابتلاءات أنذر الله بها ربان السفينة ليعود إلى شاطئ النجاة.
غير أن من يمسكون زمام الأمور لم يفقهوا لغة الإنذار فقرأوه قراءة معكوسة نتج عنها فشل ملحوظ ففي فنيات الإدارة وتقنيات القيادة، هذا الفشل الذي يعود إلى:
1- غياب الإسلام منهجا وحيدا موحدا لكل هذا الشعب على كل المستويات، وفي شتى مجالات الحياة.
2- الفشل المتكرر للأنظمة المتعاقبة على هذا البلد في إيجاد إطار جامع غير الإسلام الذي يرغبون عنه.
3- أن أيا من هؤلاء الحكام لم يكلف نفسه عناء الإجابة على السؤال المطروح الرئيسي: من نحن؟
والذي تعتبر الإجابة عليه الخطوة الأولى في سبيل الانطلاقة الحضارية الشاملة مما يجعل الأهداف واضحة والوسائل محددة.
وفي ظل ضبابية الرؤية هذه واضطراب الخطوات وتأرجح الوسائل تخرجت أجيال هجينة مبتورة عن الأصول الحضارية لهذه الأمة مقلدة للغرب مفتونة بتجاربه ورغم ذلك كانت أصواتها المشبوهة الأصوات الوحيدة التي على ضوئها يقرر الحكام مصير هذا الشعب في غيبة وتهميش مقصود له إرضاء لجماعات الضغط هذه.
4- إطلاق العنان للمنظمات اليهودية والصليبية والإباحية لتعيث في الأرض فسادا تحت ستار الإغاثة والخدمات الإنسانية، وهذه الأسباب متضافرة جعلت مجتمعنا في حالة قطيعة ومواجهة انتظارا للوقت المحدد للتفجير.
وكان التحرك العنصري الأخير الإنذار الذي يضغط من أجل أن يصغي الحاكمون إصغاء جديا يرقى إلى مستوى المسؤوليات التاريخية الملقاة على عواتقهم.
وانطلاقا من هذه الوضعية المنذرة بالتأزم والانفجار فإننا نحن الإسلاميين، وعيا منا لمسؤولياتنا أمام الله وأمام شعبنا المؤمن، وإدراكا منا لطبيعة المرحلة ندين كل تحرك يتخذ من العنصرية والقومية منطلقا لما يفضي له من صراع وشقاق بين الأشقاء من أبناء الوطن الواحد يستحيل التحكم فيه بفعل حضور الأصابع الأجنبية التي تقوم بهندسة الصراع وتوجيهه بصور مختلفة.
كما نعتبر كل الدعوات القومية زنجية كانت أم عربية دعوات مدمرة وخارجة على أخلاقيات بلدنا المسلم الذي لا يعرف وحدة إلا في الإسلام ولا اطمئنانا إلا إليه مهما حاول الموتورون من محاولات لإيجاد بديل جامع غير الإسلام، تلك المحاولات التي باءت بالفشل والانتكاس في وجه تمسك هذا المجتمع بإسلامه.
ولا يفوتنا أن ندين بشدة موجة الشائعات الأخيرة التي استهدفت استغلال أحداث 22 أكتوبر الماضية ذات الطابع العنصري المقيت بغية التفرقة بين مكونات شعبنا وهكذا التقت أطراف العنصرية تحريكا واستجابة لتجعل بلدنا أمام مصير مجهول قاتم.
ومن هنا فإننا نذكر شعبنا المعتصم بحبل الله المتين بالمنافاة المطلقة بين الإسلام عقيدة ربانية ومنهجا إلهيا وبين القومية دعوة عنصرية ونزغة شيطانية.
وعليه فإننا نحن الإسلاميين لن نقبل بحال من الأحوال أي مساس بوحدة وأمن هذا البلد، ولن نقبل خداع مجتمعنا وتضليله عن المسلك الصحيح.
كما ندعو كافة المخلصين لهذا البلد من ذوي النوايا الحسنة إلى أخذ مسؤولياتهم تجاه بلدهم الذي ينوء بمشكلات فوق طاقته من أزمة اقتصادية يشكل صندوق النقد الدولي فيها القشة التي قصمت ظهر البعير، إلى فساد إداري مستحكم وتخبط تربوي فاضح، وميوعة حضارية ناجمة عن إقصاء الإسلام إقصاء متعمدا من ميدان التوجيه والتعليم إلى درجة جعلت التربية الإسلامية في وضعية مزرية تعتبر طعنة قاصمة لسيادة (جمهورية إسلامية)، وتحديا استفزازيا لشعب مسلم يمثل الإسلام العامل الوحيد الحاسم في تحديد هويته.
وفي الأخير ندعو دعوة صادقة إلى حوار وطني جاد، تشارك فيه جميع الحساسيات السياسية والنخب الثقافية يهدف إلى توعية شعبنا حول هذه القضية الخطيرة التي تهدد وحدته وتماسكه.
- نعم لمواجهة المشكلات بالتفكير الرشيد والحوار الهادئ الصريح والنظرة الجدية الثاقبة.
- نعم للإسلام عاملا موحدا وأساسا حضاريا.
- لا للعنف والدموية.
- لا للعنصرية والعلمانية والتغريب.
وختاما لنصغ جميعا للنداء الإلهي (يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا).
فليتق مشعلو نار العنصرية رقابة الله، وليتق الغافلون والمتغافلون عن عبث السفهاء بمصير بلدهم رقابة الله وليتق المروجون والمتلقفون للشائعات رقابة الله، وليتق العابثون بمصير هذا الشعب رقابة الله، وليتق المندفعون وراء العواطف الساذجة والمشاعر الهوجاء رقابة الله (إن الله كان عليكم رقيبا).
الإسلاميون 25 نوفمبر 1987
تلك بعض المواقف المضيئة وهي قليل من كثير... أما التجارب الدعوية فهي موضوع الحلقة الثانية بإذن الله تعالى.

نقلا عن الأخبار