مشاهدة النسخة كاملة : نحو مرحلة انتقالية آمنة (سيد أحمد ولد باب )


ابو نسيبة
03-28-2012, 08:30 PM
نحو مرحلة انتقالية آمنة (سيد أحمد ولد باب )

بات من شبه المؤكد أن الرئيس الموريتانى الحالى محمد ولد عبد العزيز قاب قوسين أو أدنى من الرحيل أو السجن، وأن ملامح مرحلة جديدة بدأت فى التشكل رغم عتمة الليل المفروض حاليا بقوة السلاح والمال.
ورغم أن المخاض الحالى منذر بمزيد من الخسائر المعنوية والمادية لمجمل الأطراف المتصارعة فى المشهد إلا أن حجم الخسائر المتوقعة خلال عملية التغيير والتحديات الماثلة قبله يجب أن لا يشغل القوة الحية فى المجتمع عن التخطيط للمرحلة القادمة و التفكير جديا فى استحقاقات الفترة الانتقالية ما بعد عزيز.
ورغم أن مجمل القوى المعارضة معنية بالتخطيط الدقيق ،والتفكير الجاد والتحضير المتميز لما لها من دور فى الساحة السياسية ، وتأثير فى المشهد الحزبى ، وحضور قوى فى الحراك القائم أو المتوقع، والرغبة فى الإصلاح ، إلا أن المتصدرين للشأن العام ، المتحملين لثقل المسؤولية، المستعدين لدفع الضريبة الثورية ، الممسكين بخيوط اللعبة ، المتصدرين للمواجهة، مطالبون الآن أكثر من غيرهم برسم ملامح تلك المرحلة من خلال تشاور موسع مع مجمل الفاعلين ، وتنسيق آمن مع المشاركين فى الحراك الثورى الذى بدأت ملامحه تتضح للمترددين قبل الفاعلين فيه.
وتبدو الحاجة ملحة للإجابة على العديد من الأسئلة نظريا قبل أن تملى الظروف على المشاركين فى الحراك أجوبة ظرفية ، قد لا تكون بالضرورة كما يريد الحالمون من أبناء الشعب ، أو المندفعين نحو التغيير ، وفرض سلطة الشعب وسيادة الجماهير...
ولعل أبرز النقاط المطروحة حاليا للنقاش ، والتى يجب أن تكون الصورة فيها واضحة ، والقرار بشأنها ملزم ، والاتفاق حولها قائم قبل أى عملية تغييرية فى البلد هى ما يلي :
1- ماذا نريد ؟
إن تغيير النظام يجب أن يكون من أجل هدف واضح ، وهو اتاحة الفرصة للشعب من أجل التعبير عن رأيه ، واختيار من يريد أن يحكمه ، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية الضيقة ، والحزبية المقيتة ، والمصالح التى تظهر بمجرد الوصول للسلطة ، ولنا فى تجارب الآخرين عبرة.
وهو ما يعنى بصورة أكثر وضوحا أن تكون المرحلة الانتقالية القادمة – بعد رحيل الرئيس – محددة الفترة الزمانية قبل الذهاب إليها، حتى لا تتيه سفينة البلد ، ويصادر رأى الشعب بحجج التضحية ، أو المصلحة الوطنية ، أو مقتضيات التغيير، أو التحديات الأمنية القائمة أو المتوقعة ، أو حل الإشكالات العالقة.
فوضوح المراحل الانتقالية ، وتحديد أهدافها ، وظرفها الزمانى ، مهم للساعين نحو التغيير ، وللمضحين من أجله ، والذهاب إلى التغيير دون تحديد أجندة واضحة مربك ومثير للخلاف ، ومن شأنه أن يسلب الجماهير أغلى ما تحركت من أجله وهو الحق فى اختيار من تريد ، وحسم الأمور بالشكل الذى تريد ..
2- مع من نتحالف؟
إن تحديد الأهداف أمر مهم ، لكن تحقيقها على أرض الواقع هو الأهم ، وإن الأطراف المعارضة للفساد وأهله ، وهى تتحرك بثقة نحو التغيير معنية بإنقاذ المجتمع بكل أطيافه وألوانه ، وجمع الأنصار للثورة والتغيير، وتشتيت جهود الخصم ، وإرباك العدو، والاستعانة بكل معارض صادق ، أو عاقل استطاع قراءة اللحظة بدقة، أو طيب أملت عليه ظروفه الوقوف إلى جانب الحاكم الفاسد ، أو متردد يخاف عواقبه الأمور فألهم الرشد والأوبة، أو فاسد يخاف غضبة الجماهير ويريد لنفسه مكانا يحميه ، وموقفا يشفع له أمام الله و التاريخ.
ولكن سمو الهدف (التغيير) ، وصعوبة المهمة (إنفاذه) ، وسعة الصدور (استيعاب الجميع) ، أمور يجب أن لا تحجب الرؤية عن دعاة الإصلاح ، وأن يظل الهدف الأسمى هو تحقيق التغيير الجذري ، ونشر العدالة الحقة ، وإعادة التوزان المفقود ، ورسم ملامح مستقبل مشرق للأجيال القادمة ، مهما كانت الظروف صعبة ، والتحديات جسيمة ، وأن يظل التحالف مع الوافدين الجدد مضبوط رغم الحاجة إليه ، محدد الأهداف والأدوار الممنوحة لأصحابه ، فسفينة النجاة أبحرت ، والباب مفتوح للراغبين فى النجاة أو الساعين لتعزيز حملة التغيير، لكن دون فوضى مفسدة أو استسلام مذل أو فراغ يملأه من لا يحسن الكلام بلغة الشعب أو لا يحمل أحاسيسه..
3- أى دور للجيش ؟
لعل أهم الإشكاليات المطروحة حاليا علاقة النخبة السياسية بالجيش والدور الذى يجب أن تلعبه المؤسسة العسكرية فى عملية التغيير المتوقعة ، والمكانة المحتملة لها فى المشهد السياسى القادم بعد رحيل عزيز.
وتبدو المخاوف قائمة لدي أطراف عدة من هيمنة الجيش على الحياة السياسية ، وإعادة السيناريوهات السابقة من خلال تغيير الوجوه والإبقاء على السياسات المرفوضة.
ورغم أن للثورة منطقها، وللتغيير متطلباته ، فإن المراحل القادمة تتطلب فتح المجال أمام ضباط الجيش والأمن من أجل المساهمة فى فرض التغيير ، لا من خلال الانقلابات العسكرية المرفوضة من قبل النخبة السياسية أو أغلبها حتى نكون صادقين ، ولكن من أجل حياد يخدم الثورة ، وتوازن داخل المؤسسة العسكرية يحمى الساعين نحو التغيير ، ويجنبها الانزلاق فى مهاوى القمع والاستخدام غير المبرر من قبل النظام وأزلامه وهم يتدافعون قبل السقوط.
إن الجيش جزء من الشعب ، والثورة تسع الجميع ، والتغيير هدف ينشده كل الأحرار ، وظلم النظام عانت منه المؤسسة العسكرية تماما كما عانى منه بقية أفراد الشعب..
والضحايا اليوم من أبنائها كثر ، فمن نجا من رصاص القاعدة لم ينج من فساد الرئيس ومحيطه ، والضباط الكبار عانوا من أخلاق الرجل وتصرفاته مالم يعانيه المعارضون علنا فى الشارع أو داخل الساحات ، وقصص المؤسسة العسكرية والظلم الممارس عليها من قبل الرئيس معلوم ومشهود,وليس وقت استعراضه .
إن استيعاب الضباط والجنود أمر مهم للثورة وخطابها ، وإن المهمشين اليوم من أبناء المؤسسة العسكرية كثر ، والمستبعدين لأسباب قبلية أو جهوية أو فئوية كثر، وإن التلاعب الذى يحصل بمقدرات البلد وثروته محزن للعسكريين تماما كما هو الحال بالنسبة للمدنيين.
وإن انتساب الرئيس ولد عبد العزيز للجيش هو أجمل صفة يحمل ، فلا شهادة جامعية بها يفتخر ، ولا موقف رجولة به يعتز ، ولا معارضة فساد تذكر، رغم تمترسه داخل القصر لعدة عقود حاميا للفساد وأهله ، منخرطا فى كل الدسائس والمؤامرات التى حيكت ضد الشعب المغلوب على أمره .
لكن من دون شك يجب أن نكون واضحين بشأن رفض أى حكم للجيش بعد الآن ، وأن تكون المواقف بهذا الشأن معلنة ومكتوبة ، وأن تظل العلاقة بالمؤسسة العسكرية والأمنية متوازنة ، ورسالتنا لهم واضحة .. أنتم جزء من الشعب المظلوم ، وقدرنا أن نضحى من أجل رفع الظلم عنكم ، وعن باقى المظلومين والمحرومين فى بلادنا الطاهرة..
إن الدماء التى سالت جراء سياط القمع أمام بوابات الجامعة والمعهد ، وداخل مخافر الشرطة ، أو فى سوح النضال فى بوقى أو كنكوصه أو أزويرات ، ليست أغلى أو أطهر أو أزكى من الدماء التى سالت فى "حاسى سيدي " أو غابة "وقادو " ، فالضحايا هم أبناء الشعب الذى نحب ، والفاعل هو ذاته الحاكم الذى يتلاعب بالجميع من أجل أن يعيش فوق كرسيه الملطخ بدماء الشباب الأبرياء المنتفضين من أجل الحرية أو المنضبطين داخل وحدات الجيش..

نقلا عن الأخبار