مشاهدة النسخة كاملة : الطفولة الضائعة ..


hamees
03-21-2012, 09:02 AM
الطفولة الضائعة ..


http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=200w___________192. jpg
أباي ولد الطلبة
أستاذ التربية بمركز التكوين للطفولة الصغرى


في الوقت الذي يتزايد فيه الاهتمام العالمي بمرحلة الطفولة عموما ، والطفولة المبكرة خصوصا باعتبارها مرحلة النمو الشامل ، نجد واقع الطفولة في بلادنا يعيش حالة من التهميش، وغياب الرؤية والإستراتيجية الرسمية الواضحة التي تسعى إلي تحقيق الطموحات وتتجاوز التحديات وفق آلية للمتابعة والتقييم ، مما يهدد بمستقبل مظلم يؤثر علي طبيعة وتكوين المصادر البشرية التي تعتبر محورا أساسيا في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، فقد أجمع علماء التربية وعلم النفس علي أن السنوات الخمسة الأولي من العمر هي المحدد لشخصية الإنسان واستعداده للتعلم ،ويرجعون كل المشاكل النفسية والاجتماعية والتعليمية التي تعتريه في مراحل مختلفة من حياته إلي أخطاء تربوية ، أو ظروف سيئة عاشها، أو ممارسات تعرض لها خلال مرحلة الطفولة المبكرة (0 إلي 6 سنوات ) .

إن انتشار الجهل والأمية وعدم الوعي بأهمية مرحلة الطفولة ، جعل الممارسات التي يتعرض لها غالبية الأطفال في المجتمع الموريتاني لا تستند إلي أي أساس تربوي ، وإنما تخضع لمزاجية الأبوين وأفراد الأسرة ، فالأطفال يحرمون من حياتهم الطبيعية كاللعب واكتشاف البيئة والمحيط من خلال الحركية والنشاط ، وتكسير الروتين ، كما يتعرضون للإيذاء والعنف البدني واللفظي والمعنوي بشكل مستمر ، لأن ثقافة المجتمع لا تمنح الطفل خصوصيته ، وتتعامل معه كراشد وتحاسبه من هذا المنطلق ، هذا إضافة إلي الزج بهم في أتون المشاكل اليومية والخلافات ، والغيبيات من خلال الأحاديث أمامهم ، إنهم يشاهدون أحبتهم وآبائهم يتشاجرون أمامهم ويتلفظون بعبارات تخدش أحاسيسهم ومشاعرهم، إننا لا ندرك ونحن نتصرف أمامهم بهذا الشكل أننا نجعلهم يرسمون بدموعهم التي يذرفونها صورة سيئة لا تنمحي من ذاكرتهم رغم مرور الزمن .، أما الطلاق وما يخلفه من فراغ روحي وعاطفي وما يسببه من آثار نفسية وتربوية للأطفال فهو جناية يشرعها المجتمع ، بل ويحميها حين يحولها إلي حدث عابر وقرار عفوي كقرار الزواج أصلا، ولا يخفي علينا جميعا أن الأسرة تساهم أحيانا في نقل المسلكيات السيئة والخاطئة، وتعمل على ترسيخ ثقافات غربية غريبة علي طبيعة مجتمعنا الإسلامي العربي المحافظ، فحين يجلس الآباء أمام التلفزيون مع أطفالهم الصغار يشاهدون مشاهد العنف والعقوق والإباحية الوافدة عبر الأثير ، فإنهم يشرعون ويساهمون- ربما من حيث لا يدرون- في أن تنمو هذه الأخلاقيات كسلوك يقلده أبنائهم ، ويتحول مع مرور الوقت إلي سلوك اعتيادي في حياتهم . إن هذا الواقع الاجتماعي والتربوي يجعل الأطفال بحاجة إلي فضاء الروضة ، وإلي المربية القادرة علي مواكبتهم في مرحلة حساسة من حياتهم ،

إلا أن واقع رياض الأطفال كمؤسسات لتنمية الطفولة المبكرة من خلال الإعداد لمرحلة التعليم المدرسي ، وكشريك أساسي للأسرة في عملية توجيه سلوك الطفل ، ومواكبة نموه العقلي والجسمي والإدراكي ، تعيش وضعية مزرية فنيا وتربويا ، نظرا لاعتبارات موضوعية وذاتية ، فالمجتمع لما يرتبط بعد بمفهوم الروضة كمؤسسة تربوية مهمة تؤسس للمراحل اللاحقة من التعليم ،مما ساهم في نقص انتشار رياض الأطفال ، هذا إضافة إلي غياب المعايير الفنية والتربوية للموجود من رياض الأطفال بسبب ضعف الاستثمارات ، ومحدودية التدخل الرسمي ، سواء علي مستوي التجهيزات والوسائط التربوية والمناهج التعليمية ، أو علي مستوي الرقابة والتقييم المتابعة من طرف الجهات الوصية ، ولعله من المفارقات في هذا المجال أن الدولة صرفت علي مدي السنوات الماضية مئات الملايين من أجل تكوين مربيات ومرشدات قادرات علي ولوج سوق العمل من خلال مركز التكوين للطفولة الصغرى ، في حين ظلت عاجزة عن إلزام القطاع الخاص بتشغيلهن ، وحتى علي صعيد رياض الأطفال ومراكز مصادر الطفولة الصغرى التابعة لإدارة الطفولة فإن نسبة ولوج خريجات مركز التكوين للطفولة الصغرى تكاد تكون معدومة (الروضة النموذجية بلكصر 11 "مربية "لا توجد من بينهن مربية مكونة في مجال الطفولة ، غياب الوسائط التربوية والبيداغوجية ) وهذا الوضع ينسحب علي أغلب رياض الأطفال الحكومية ، وليست الرياض الخصوصية بأحسن حال، إن صناعة المستقبل إذا كانت بهذا الشكل فإننا بلا شك ننتظر مستقبلا قاتما .، وإذا كان الواقع الاجتماعي لا يساعد علي تنمية الطفولة بشكل ايجابي وآمن ،و مؤسسات التكفل بالأطفال رهينة الإهمال والتردي ، والكادر البشري المؤهل لايجد فرصته في إثبات قدراته وممارسة واجبه في التأطير والتكوين ، والجهات الوصية تعيش قطيعة مع واجبها ومسؤولياتها ، فإننا أمام أزمة استفحلت وباتت بحاجة إلي الحل العملي والموضوعي ، بتفعيل القوانين والتشريعات وتحيين الاستراتيجيات ، وتوفير الوسائط التربوية الضرورية من المناهج والألعاب لتعليمية والتركيبية والترفيهية والفضاء المناسب، وآليات التقييم والمتابعة ، والموائمة بين التكوين وحاجة السوق ، ولعل المصادقة مؤخرا علي برنامج تكوين حديث يعتمد علي المقاربة بالكفايات ، ودليل المكون لمركز التكوين للطفولة الصغرى ، تشكل إضافة نوعية ، وقفزة مهمة في مجال التكوين المهني لمربيات رياض الأطفال ، لكنه لن يحقق النتائج المطلوبة مالم يتم الاهتمام بمخرجات المركز ودمج الخريجات في الحياة المهنية ، واعتبار المركز مرجعية للتكوين المستمر وتحسين الخبرة .، بهذه التدخلات يمكننا أن ننقذ الطفولة ونحولها من طفولة ضائعة إلي طفولة آمنة ، لأن من يكسب الطفولة يكسب المستقبل .