مشاهدة النسخة كاملة : سيناريوهات الانفراج الموريتاني (محمد ولد الراجل)


أبوسمية
03-20-2012, 07:10 AM
سيناريوهات الانفراج الموريتاني (محمد ولد الراجل)

تمر موريتانيا في هذه الأيام بأعصب فتراتها من جميع النواحي، وتشهد كل القطاعات العمالية والتعليمية أزمات مستشرية تجذرت منذو الوعود التي أطلقت من طرف حاكمي موريتانيا أواخر العام الدراسي الماضي التي لا تزال مؤجلة التنفيذ لحد الساعة، كما أن قضية العمال اشتدت تعقيدا في ظل ارتفاع جنوني للأسعار وتدن في الرواتب وسياسة تجاهلية متبعة من لدن الحكومة.
ولم تقتصر الأوضاع على هذا الحد، بل إن القطاعات العسكرية وشبه العسكرية باتت هي الأخرى تعيش ما لم تعشه خلال عمر الدولة الموريتانية كله، فبالإضافة لتعرض الجنود لمخاطر الاختطاف في أي لحظة وانشغال قادة المؤسسات العسكرية الموريتانية بالقضايا السياسية، تحدثنا بعض الأوساط الاعلامية عن غضب في قطاع الدرك لتدني الرواتب.
ويشاهد الموريتانيون خلال الأسابيع الأخيرة تدن غير مسبوق في الحريات الفردية والجماعية، فلا التظاهر السلمي مسموحا به، ووسائل الاعلام المستقلة تمنح تراخيصها حصريا للمقربين من النظام أو العاملين له في الظلام.
وتؤكد هذه الوضعية قولة لأحد السياسيين الموريتانيين البارزين إن الحاكم لا يحتاج خمس سنوات ليؤكد لشعبه أنه مفسد ودكتاتوري، بل يمكنه أن يؤكد ذلك في سنة واحد أو أشهر حتى..
وتقول الساحة الوطنية أن الأمور لا بد أن تتغير، بل إن الجنرال محمد ولد عبد العزيز بات يدرك ذلك حينما صرح به في مهرجان نواذيبو، رغم أنه أراد بذلك التغيير الشبابي دخولا سياسيا يكون من بينهم المنخبون والأطر.
وسيناريوهات انتهاء الأزمة في موريتانيا يمكن أن تكون بثلاثة أمور:
الاصلاح الهرمي
الأول والأحسن لكل الموريتانيين أن يفكر القادة العسكريون الحاكمون في موريتانيا بطريقة جدية لإنقاذ البلد والدفع به نحو تأسيس دولة القانون.
وهذا الطرح إذا تبناه ولد عبد العزيز لن يكون مقبولا من أكثر الموريتانيين حتى يروه مجسدا على أرض الواقع، لأن الشباب يرى في مستقبل الحكم الآن تهديدا حقيقيا ومباشرا للتقدم، كما أن المعارضة السياسية أصابها الاحباط من الحوارات التي يجعلها الجنرال ملاذا له يفر خلالها عن الاستحقاقات التي طالما عجلت نهايته.
وهذا الاصلاح الهرمي يأتي بتخل رسمي للجنرال عن أغلبيته الحاكم بها، فلا هي بالتي يعول عليها في الأزمات، فقد أثبتت لنا الأيام أنها مناصرة للغالب.
كما أنها ليست قادرة على إدارة وطن يعاني من أزمات كبيرة تنخر مفاصل الدولة كما هو واقع بموريتانيا.
وتوبيخات الحاكم لوزرائه بأنهم لا يقدمون مشاريع يمكن أن تنجز شيئا لعمل الحكومة أصرح دليل على أن وزراءنا ببغاوات يطيعون القائد فقط.
ومن هنا تكون الركيزة الأساسية التي يقوم عليها هذا الاصلاح تجديد الطبقة السياسية تجديدا واقعيا، وتعيين حكومة من الكفاءات مشتملة على جميع الأطياف تدير انتخابات تشريعية ورئاسية، يبعد عنها العسكر، ويعود القادة العسكريون لثكناتهم.
الخيار العسكري
قد يظن البعض أن التدخل العسكري في القضايا السياسية لا يخدم بحال المستقبل الموريتاني وهذا رأي صائب، لكن ما نريده بهذا الصدد تدخلا يعيد الأمور إلى نصابها، يقوم على إرجاع الرئيس المدني المنتخب حتى ينظم الانتخابات التي حان وقتها، فنحن الآن في دولة معلقة الدستور كل ما فيها انتهت صلاحيته على حد تعبير أحد الكتاب البارزين.
ويشهد القادة العسكريون تذمرا متزايدا من تصرفات عزيز الانفرادية التي تطبعها رعاية المصالح الفردية والأسرية لشخصية الرئيس الجنرال.
ونتيجة القبضة "الكبتية" المتأصلة التي يتسجى بها حاكمنا يتخوف قادتنا العسكريون بالميدان من الاعتراض حتى على القرارات العسكرية، فطائراتنا تذهب لتقصف المدنيين شمال مالي، والجيش يختطف أفراده في عمق الأراضي الموريتانية في سياسة عسكرية أقل ما يمكن أن توصف به الغموض في الرؤية والارتجالية في التنفيذ.
وهذه نتيجة حتمية للتفكير الديماغوجي للمترئس علينا، وقادة المؤسسات العسكرية لا ينتظرون إلا هبة حقيقية ستتمخض عن إجماع حقيقي "يحمي الجمهورية" من الاختطاف الذي تعاني، ويحررها، شرط أن يكون القادة الذي تولوا تنفيذ حماية الجمهورية يريدون أن يكونوا تابعين فعليا لمن انتخبه الشعب الموريتاني.
ومما ما لا يمكن التغافل عنه بعض الرموز الداعمة للجنرال في كل تصرفاته، وتتخوش من مستقبل موريتانيا حرة خوف الملاحقة القضائية، لكن الشعب الموريتاني جرب المسامحة وأحبها، أحرى أن تكون لمن يعول عليهم كثيرا في حماية الحوزة الترابية والخضوع للقرارات الجمهورية.
الثورة
أخطر الاحتمالات، هو ما تصب الأحداث الواقعة الآن في اتجاهه، وهو إحداث ثورة شعبية تسقط رأس النظام، وكل أسبابها قد توفرت، فالشعب ما بين سياسي ضيق عليه، بل هددت جنسيته.. وطالب سلب حقه، وعامل قطع راتبه المتواضع وارتفعت أسعار مواده الاستهلاكية، أو شاب ذي شهادة عالية تهجم عليه الرئيس بصريح العبارة (ذوي التخصصات غير العلمية) فصار مستقبله قاتما..
طبيعة المجتمع الموريتاني وتركيبته الاجتماعية تجعل المقربين من النظام يعتبرون أن الحديث عن الثورة ضرب من المستحيل، لكن الواقع أن المظالم إذا كثرت، والكبت إذا عم توحدت كل الآراء لهدف لها أسمى.. وغاية أولية.
لا أنكر أن من بين المعارضين من تعوزه الحنكة السياسية الضرورية، والبعض ذو طبيعة تجعل مصالحه متناقضة مع الشعب الموريتاني بكله، لكن الثورة إذا وقعت كفيلة بأن تسقط أولئك مع النظام.
والخطاب الأخير للجنرال في مدينة نواذيبو ينم عن خوف داخلي وتأثير قوي وقع في كوامنه، حتى الحديث عن "المفسدين" خطاب لا يصدقه أي فرد من شعبنا لأن الطبقة السياسية التي كانت تحكم بها الأنظمة السابقة نفسها المحكوم بها اليوم، ومن اتهمهم هو بالفساد برأهم القضاء وتحرروا يوم الخطاب المشهود.
ليس ذلك فحسب، بل إن إسهابه في مشاكل الشعب الموريتاني والأفكار التي سرقتها عليه المعارضة من البرنامج التعليمي الطموح لفخامته، كل هذا يقول إنه يبحث عن ما يطلي به على هذا الشعب المطحون والمعجون من طرف العصبة المتحكمة.
هذه هي ابرز الاحتمالات.. لا نريد أن يقع لوطننا إلا الخير، لكن لا نريد أن يستمر الظلم وتبقى الدولة لشخص معين يعطي منها ويمنع، في خيراتها أيام الجفاف ينعم، يمول المشاريع العملاقة ويعطي مقاولتها لفلان الذي تعهد له بأن يستغني حتى ولو كان على حساب موضوع حساس مثل بطاقة التعريف.
ويبقى مستقبل موريتانيا كله بيد شخص واحد هو الجنرال محمد ولد عبد العزيز الحارس المنقلب على سيده، للأسف.. لا نحب أن يكون مستقبلنا على كف عفريت؛ فعلى الله المعول.

نقلا عن الأخبار