مشاهدة النسخة كاملة : نحو رؤية موحدة لمقاومة جنرالات الفساد (محمد الحافظ ولد الغابد)


ابو نسيبة
03-16-2012, 10:17 PM
نحو رؤية موحدة لمقاومة جنرالات الفساد (محمد الحافظ ولد الغابد)

يخضع التاريخ الاجتماعي لسنن لا تتبدل ولا تتغير ومن أهم القوانين المؤثرة في حركة التاريخ قانون التحدي والاستجابة وعبر التاريخ تفاوتت قدرات الجماعات والتيارات في مستوى الاستجابة الفاعلة والتكيف الناجح مع ما تمليه التحديات التي تواجه الإنسان فثمة جماعات استسلمت لقدرها تجاه التحديات التي بدت قاهرة لا قبل للبشر بمواجهتها وفي بعض الأحيان جابه الإنسان التحديات القاهرة واستطاع أن يكسب الرهان من خلال انتصار إرادته حتى وصفت التحديات التي جابهها بأنها تحديات خلاقة لأنها فرضت على الإنسان الاستجابة الفاعلة لتسخير ما في الكون بمشيئة الله وقدره لصالح البشر جميعا سواء كانوا مؤمنين أو كفارا أو ملحدين.
وقد رفع الخليفة الثاني عمر بن الخطاب عن الأمة الحرج عندما أفتى المسلمين بمدافعة الأقدار فالفرار من قدر السوء إلى قدر الخير من الشرع الذي تعبد الله به المؤمنين إذ لا تعارض بين الإرادة الكونية والإرادة التشريعية.
وفي تاريخ المجتمعات عبر العصور تنتصب اللحظات الفارقة والمفصلية شامخة ويكون الخيار بين شر الشرين هو المتعين على عقلاء الأمة وقادة الرأي فيها.
تشخيص مرحلة
إن المتأمل لواقع البلاد والعباد في هذا الظرف العسير يجد أن بلادنا حاولت منذ مطلع التسعينيات التخلص من الحكم العسكري التسلطي الاستبدادي وبذلت جهود وتضحيات سياسية وحقوقية ضخمة نجحت في إبقاء فتحة البركان مشتعلة تقذف بحممها الحارقة دنيا الدجل الخضراء التي ادعى نظام الحزب الجمهوري إقامتها.
وفي السنوات الثلاث الأخيرة من حكم العقيد ولد الطائع نجحت حملات التيارات الوطنية والإصلاحية في حمل أصدقاء ولد الطائع وحرسه على التضحية به طريدا شريدا في قطر وبدأت مرحلة جديدة قديمة هدفها الجوهري - اتضح فيما بعد- أنه كان هدفا نفعيا شخصيا وعشائريا يحركه شخص واحد هو العقيد حينها محمد ولد عبد العزيز ويقول العارفون بشخصية القائم على هذا المشروع المتدحرج إنه العسكري الوحيد الذي اختاره ولد الطائع بعناية فائقة لكون ولائه في جميع الأحوال يبقى مضمونا لكونه لا يتوفر على أي مؤهلات تدفع به ليتوق إلى القيادة.
ورغم أن البلاد بحاجة لنفس جديد فقد انخدع أغلب السياسيين للأحابيل "اللعينية" التي وضعها المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية لتسيير البلاد ونصب العقيد النافذ ابن عمه مدير أمن ولد الطائع الضالع في الفساد وما إن انتهت فترة الانتقال حتى اتضح أن العسكر نهبوا أموالا طائلة واتضح أن ما قاموا به من نهب منظم فاق كل العهود السابقة وفي ظرف وجيز ولكن مسرحية التحول الديمقراطي وبريق الرئيس المدني المنتخب بشفافية تقنية رغم ما تلقاه من دعم العسكر كلها عوامل مررت جرائم نهب الثروة والفساد السياسي غير المسبوق.
ونظرا لوجود رغبة جامحة لدى جميع الأطراف السياسية فقد حاول كل من موقعه أن يتجاوز وأن يأمل خيرا منتظرا ما يحمله الزمن القادم من تطورات وما هي إلا لحظات حتى انفجر الصراع على السلطة بين الجنرالات والرئيس المنتخب الذي أراد أن يكون حقيقة فعلية بعدما أرادوه ألعوبة بأيديهم واستيقظ التنافس والحميات الإيديولوجية والسياسية وحتى العشائرية ولم يستنكف رجل الانقلابات العسكرية و"المدنية" عن هدم كامل البناء الديمقراطي وقام بانقلابه الوقح ودخلت البلاد في أزمة مدمرة لم تبق من أثر لمصداقية دولة مزق دستورها وخيار ناخبيها في لحظة غضب الجنرال العاشق للتسلط.
وفي الأخير انتصرت إرادة العقيد الجنرال وأصبح رئيسا لـركام "الجمهورية" الممزقة .. وبعد ما تجاوز الجميع اتفاق داكار 2009 وما ترتب عليه من انتخابات استعيدت فيها كل آليات الفساد السياسي الممارسة من قبل الأنظمة السابقة .. وخلال الأسابيع والشهور اللاحقة فتحت جميع القوى السياسية وبدرجات متفاوتة صفحات جديدة واستعارت من "مخزون الأمل" لديها لتبعث في الرئيس الجديد ما يشجعه على " تبني نهج الإصلاح" ولكن مخزون الحماقة والافتقار للخبرة السياسية لدى الجنرال "الأرعن" كان كفيلا بتبديد كل الفرص التي تخدم البلاد والعباد.
وطفق الجنرال كالثور الهائج يجهز على الاقتصاد المحلي عبر ما يسميه محاربة الفساد وبدأ تحت هذا الشعار يصفي خصوماته الشخصية بشكل لم تعرف له البلاد مثيلا من قبل فكل من حال في لحظة ما من ماضي الزمان بين الجنرال ونزوة من نزواته أو صفقة من صفقاته كان لابد أن ينال حظه من حكم رئيس الفقراء .. ولعل الفقر المذكور فقر الضمير لا فقر الجيوب الملآنة بالمال الحرام كما اثبتت التجربة اليوم.
وخلال السنوات الماضية من حكم الجنرالات هربت رؤس الأموال المحلية وتراجع المستثمرون خوفا من تداعيات الأزمة السياسية ولم يعد بإمكان أي مستثمر أن يدخل البلاد إذا لم يكن يعتمد على شريك من أقارب الجنرال أو وكلائه وباتت قصة "الكومسيوه" على كل لسان.
جنرالات العمولة
خلال لقائه التلفزيوني في رمضان2011 أظهر الجنرال عجزا فاضحا في الدفاع عن نفسه وعن حجم الثروة الذي جمعه في وقت وجيز وتلعثم وظهر مرتبكا ومن الواضح الآن أن ثلة قليلة من المتنفذين المحيطين بالرجل نهبوا أموالا طائلة ودخلوا على خط التجارة والتهريب المنظم وباتوا شركاء لمجموعات دولية خطيرة فحجم ما يخرج من المطار والمنافذ من العملة الصعبة يشكل حوالي 80% بالمائة من العملة الصعبة التي تتداول في السوق المحلي حسب تقديرات العديد من المتتبعين.. وتسهم ثقافة الموردين وترد الخدمات البنكية في هذا الرقم المرتفع.
كما أن فلسفة الجنرال التجارية لا الاقتصادية ستجعل الحكومة الموريتانية فقيرة ومستأجرة لكثير من مقاراتها في العاصمة نواكشوط إذا ما استمرت سياسة بيع أملاك الدولة من المقرات والأراضي والتي طالت لحد الساعة العديد من المقرات وفي طريقها لالتهام أخرى.
ويتحدث عارفون بخفايا الأمور أن السبب في نشاط حركة بيع العقارات المملوكة للدولة ترجع بالأساس لكون الشركاء السلطويين فيها يأخذون عمولات جراء عملية البيع وبالتالي فمن المؤكد أن حركة البيع هذه ستتسع وتزداد خصوصا المقرات العسكرية والتعليمية والوزرات.
ضياع وطن
إن استمرار نظام الجنرالات الحالي يعتبر خسارة كبيرة للبلاد والعباد فحجم الفساد والنهب المنظم للثروات وممارسة دور الوكيل الإقليمي الوقح -للقوى الأجنبية- والذي لايملك رؤية للأسلوب الأنسب في التعامل مع دول الجوار والعالم إضافة لسياسة التخريب المستمر لكل ما تمت مراكمته من خبرات وتجارب لتأسيس ما ينفع الناس ويمكث في الأرض - كل هذه العوامل تجعل من الضروري اليوم - لأبناء الشعب الموريتاني وتياراته الإصلاحية التكاتف ووضع اليد في اليد من أجل الإصلاح والتغيير السياسي حتى تكون بداية فعلية لوضع حد لحكم الجنرالات الفاسد وبناء أسس نظام مؤسيسي حقيفي يضع حدا للنظام الرئاسي الاستبدادي الذي يكرسه الدستور الحالي... ويبعد العسكر عن ممارسة العمل السياسي حتى تتمكن البلاد من التقاط أنفاسها ووضع أسس جديدة للتعايش والوحدة الوطنية بين مكونات شعبنا.
إن موريتانيا اليوم بحاجة لوقفة صارمة من كل قواها الحية في وجه نظام التسلط والفساد لأن كل يوم يمضي من عمر نظام يدمن الفساد يشكل خسارة كبيرة للشعب والدولة والمجتمع فالأنظمة الفاسدة توقف عجلة التقدم وتحاصر مشاريع النهوض الوطني الجادة وتضيع عقودا من عمر الشعوب وتكفينا خسارة الثلاثين الأخيرة من الحكم العسكري.
فقد جربنا أن الصبر على الأنظمة القبلية المتدثرة زورا بالديمقراطية والمعتمدة على الأسلوب العشائري القبلي في الحكم لن تقود إلا إلى مزيد من التردي والانهيار والوقوف في وجه الجنرالات الجهلة الذين زيفوا كل المعايير القانونية والأخلاقية لوطننا يبقى واجبا مندرجا في إطار مقاومة الطغيان والفساد. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

نقلا عن الأخبار