مشاهدة النسخة كاملة : الجنرال وخطاب السقوط (زينب بنت التقي)


ابو نسيبة
03-16-2012, 07:38 AM
الجنرال وخطاب السقوط (زينب بنت التقي)

قامة مهزوزة تبدو وكأن صاحبها يقف في مهب ريح عاتية ونظرات شاردة مشتًة وحركات أيْد مترنحة تنبئ عن نفس مذعورة وكلمات فارغة لا تشبه في معناها ولا مبناها كلمات الرؤساء والقادة ،بل كان الأجدر بصاحبها وهو يشيد بمعجزاته وإنجازاته وصروحه الخيالية التي بناها أن يبني في أي ركن من قصره الرمادي مدرسة ابتدائية يدْرُس في صفها الأول كيف يَتًهَجًي الأحرف ويميز الألوان وكيف يتعرًف علي طبيعة الأشياء وخصوصية العناصر.
يبدوا أن نقع غبار "مسيرة نواكشوط" أزكمت أنفه وهتافات الرحيل أصمًت آذانه فلم يجد ما يقوله لساكنة "نواذيبو"الذين بعثوا له برسالة مفادها أن لا مقام لكم فارجعوا ولأن مستشاريه وحاشيته يسيئون التدبير ويخطئون التقدير أصروا علي إحراجه وإحراج أنفسهم ، فوجد نفسه مضطرا أن يستجلب من يملأ بهم ساحة نواذيبو ليبثهم مهاتراته وأكاذيبه المكشوفة يكيل التهم للمعارضة وللإسلاميين ،والمستمع للخطاب بكل حيثياته كأنما يسمع خطابا من خطابات علي عبد الله صالح والقذافي ومبارك فقد كان معارضوهم خونة ومفسدين كمعارضيه وإسلاميوهم طامعون في السلطة ومتاجرون بالدين كإسلامييه وشعوبهم تنعم برغد العيش كشعبه إلا أنه قسًم الديمقراطية ولم يُبق منها لنفسه شيئا فلم يجد مقاسه ضمن أثوابها .
بدأ خطاب نواذيبو مرتجلا ومرتبكا بكل المقاييس فكأنه أراد الحديث عن الفساد والاقتصاد والتنمية والأمن والعلاقات ولم يفلح في أي منها .
وكان واضحا أن قِناعه الكثيف الملصق بإحكام والذي تقنًع به طيلة فترته السابقة وهو يخطب في موريتانيا الأعماق قد سقط في الصحراء أو كشفته المعارضة أو اختطفه الإسلاميون ليبقي بلا رتوش وسط جماهيره الذين لم يعرفوا المكان ولم يألفوا المدينة .
رغم ذلك تناثرت أمام ناظريه وهو يخطب لافتات ترفض الإقصاء.. والتهميش وأخري تدين القمع ..والاستبداد...إلخ، نغًصت علي الزعيم وحاشيته مهرجانهم الكرنفالي.
وكانت كالغصة في حلقه ونشازا في سياقه ونطاقه وسابقة في الاستقبالات الرئاسية في هذا البلد تنبئ عن نضج شعبي حتما سيلتقي مع وعي سياسي نخبوي يرسمان واقعا تلتحم فيه موريتانيا بكل أطيافها وفئاتها وأعراقها مجمعة علي إحداث تغيير وإصلاح يريح موريتانيا من أيادي عبث غير مؤهلة ولا مخولة لحمل الأمانة .
تنتزع موريتانيا من سماسرة باعوا قوت الشعب قبل مؤسساته وتخلص البلد ممن يصطادون في المياه العكرة مستخفين بوحدتنا الوطنية والسبيل الوحيد لذلك هو إرغام هذا النظام علي الرحيل كي يتنسم هذا الشعب نسائم ربيع طال انتظاره ويُطل فجر بعد ليل طال ظلامه .
رحيل طالبت به الجماهير في مسيرتها وهي مؤمنة أنها ليست أقل شأنا ممن نادوا بالحرية ونالوها وليست أنظمتهم بأكثر فساد من نظامه وإذا ما ربطنا بين المشهدين مشهد الجماهير الغاضبة والمطالبة بالرحيل في مسيرة نواكشوط ومشهد الجنرال وهو يرد عليهم شتما وسبا وتسفيها يدرك أننا أمام شعب يريد التغيير سئم الوعود الكاذبة ومل الزيف وأمام حاكم عسكري مستبد يري بعين واحدة ويسمع بأذن واحدة ومع ذلك يرتعش من الداخل لأنه يدرك أن كلمة ارحل ارحل ارحل .....إلخ
وهذه الكلمة هي إكسير الشعوب الحرة ولعنة علي المستبدين لم تجلجل في سماء بلد إلا انتصرت فيه الشعوب بل وثارت علي ظالميها واقتادت جلاديها وأمام المشهدين ندرك أن موريتانيا علي موعد مع صراع بين رهان خاسر لحاكم جائر ورهان شعب يهتف بالرحيل ويصر علي الحياة وليس من المستحيل أ ن يسقط المستبد ولم ترق لأي موريتاني قطرة ماء

نقلا عن الأخبار