مشاهدة النسخة كاملة : حان وقت الرحيل فلا بقاء إلا للأصيل (محمد الحسن ولد اعبيدي)


أبوسمية
03-14-2012, 07:36 AM
حان وقت الرحيل فلا بقاء إلا للأصيل (محمد الحسن ولد اعبيدي)

أزفت الآزفة وهي بلا شك لزيف وعودك كاشفة فارحل قبل أن تعصف بكرسيك العاصفة وأرح هذا الشعب المنهك من وعودك الكاذبة فقد مسه الضر وجف الضرع وانعدم الزرع واستبيح الشرع وضاق الصبر بذى الورع وهو يرى المحظرة تنتحب من ضياع تركتها على أيدى حفدتها الذين رضوا بأن تذل كرامنها عند أبواب السلاطين ويداس شرفها بأقدام أصحاب النياشين ويختزل عطاؤها الممتد عبر آلاف السنين فى منجز حاكم لا يعرف غير اسمها ولا يستبين وسمها و لا رسمها فأنى له شرف حفظ عهدها والاشتياق لماضيها المشرق مثل أبنائها الأوفياء الذين أرعفوا المداد فى المهارق فامتاحوا علوم المغارب والمشارق واستروحوا من علوم التنزيل ما ضن به الذهن عن سحنون فى مسائله وابن أبى زيد فى نوادره وزياداته ولم يذكره الشيخ برهام ولا خليل فى مختصره. فمثل هؤلاء إن تحدثوا عن المحضرة لا يتهمون ولما أرادوا لا يسفهون فقد أصابهم حرها وقرها وشاقهم دارس رسمها فحنوا إليها كلما ظعنوا عنها مرددين قول اليشكري وقد تراءت له ديار حبيبته سطرت فيها الرياح ذكريات الظاعنين كتدوين ملوك الفرس فى مهارقهم: "لمن الديار عفون بالحبس آياتها كمهارق الفرس".
فهذا حرمه بن عبد الجليل يسجل ذكرياته مع محظرة شيخه المختار وقد مر بأحد منازلها فيتذكر أعلام الفنون التى درس فيها والتى جمعت بين المنقول والمعقول ليقول:
"دمن دعتك إلى القريض فإن تجب *** فلمثلها يهدى القريض وينسب
كنا مع البوني فى عرصاتها *** هالات بدر لم يشبها غيهب
فيها تجمع سيبويه ويوسف *** والكاتبي والأشعري وأشهب
شاقتك أطلال بلين لهم وما *** شاقتك سلمى إذ نأتك وزينب"
أليس من الوفاء لهؤلاء الرواد ترك حفدتهم يواصلون عطاءهم بتنوع وإثراء فى نصاعة وجه وعلو همة وقدرة على المنافسة حسب المعايير العلمية التى رسم ابن الشيخ سيدي لمخرجات المحاضر الذين يتناسب تكوينهم مع سوق العمل العالمي حيث يقول:
وكمْ سامرتُ سُــمَّارًا فُـتُـوًا *** إلى المجْد انْـتَمَـوْا منْ مَحْـتِدَيْـنِ
حَـوَوْا أدَبًا عَـلَى حَـسَبٍ فَدَاسُوا *** أدِيـمَ الـفَرْقَــدَيْـنِ بـِـأَخْــمَـصَـيْــنِ
أُذَاكِرُ جَمْعَـــهُــمْ وَيُذَاكِـرُونِي *** بكُـلِّ تَـخَـالُفٍ في مَذهَـبـَيْـنِ
كَخُلْفِ اللَّيْثِ والنُّعْمَانِ طَوْرًا *** وخُلْفِ الأشْعَرِيِّ مَعَ الْجُـوَيْـنِي
وأورادِ الجُــنـيْـدِ وفِــرْقــتَـيْـهِ *** إذا وَرَدُوا شَـرَابَ الـْــمَـشْــرَبَـيْـنِ
وأقوالِ الْخـلــيـلِ وسِـيبَوَيْـهِ *** وَأهْـلـي كُـوفَــةٍ وَالأَخْـفـَـشَــيْــنِ
نُوَضِّـحُ حيث تـَـلـتـبـسُ المَـعَـانِــي *** دَقِــيقَ الـفـَرْقِ بيْن المَــعْــنـَــيَــيْنِ
وأطـْــوَارًا نـَــميلُ لـذكْــرِ دَارَا *** وَكِـسْرَى الفارسِيِّ وَذِي رُعَيْـنِ
ونحوَ السِّـتَّـةِ الشُّـعـراءِ نَــنْـحـُو *** ونـَـحْـوَ مُـهَــلـْـهـِــلٍ وَمُرَقـِّـشَـيْـــنِ
وشِـعْـرَ الأَعْـمَـيَـيْـنِ إذا أرَدْنَـــا *** وإن شِــئْـنـَا فَشِـعْـرَ الأَعْـشَـيَـيْـنِ"
لكن المؤسف أن يأتي خراب المحظرة وضياع تركتها من حفدة لا يرقبون فيها إلا ولا ذمة باعوها بثمن بخس من فتات حاكم مستبد همه الوحيد القضاء على ثوابت البلد وقيمه الحضارية بعد أن باع فى المزاد العلني ثرواته الطبيعية والمعدنية ثم جلس يتلذذ بآلامه ليحقق أمنيته التى حلم بها وهو حارس للرؤساء وهي أن يكون رئيسا بشعار لم يسبق إليه فابتكرت له عبقريته شعار الفقراء فبرهن بأن أن هدفه إفقار الشعب المنهك ماديا ومعنويا والجانب المعنوي وهو الأهم يكون بالقضاء على المؤسسات الحاضنة للإشعاع العلمي وتجديفها ثم اجتثاثها من جذورها لأنه لم يساهم فى التأسيس لها وهذه عقدة كل مستبد باحث عن مآثر له لم تكن موجودة وهي أن يهدم ما قبله ليعيد صياغته من جديد ببصماته وعلى مقاسه.
وكأن القدر كتب على ساكنة هذه البلد أنهم أمة بلا تاريخ يبدأ تاريخها مع كل حاكم جديد وينتهى برحيله.
هذه هي محنتك أيها الصرخ الشامخ - المعهد العالى للدراسات والبحوث الإسلامية - فأنت نبتة مباركة طبيعة لا شرقية ولا غربية تمثل استمرار العطاء المحظري لفوتا و"جول" والركيبة و"أفل" ووشمامه وآفطوط الجنوبي والغربي وولاته وتشيت ووادان وشنقيط وكومبى صالح وانشيري. فى مدارجك يقف الشيخ محمد اليدالي منافحا عن العقائد السنية "بفرائده" والشيخ المامي فى دعوتة لضبط "فقه البادية" والشيخ سيد المختار الكنتي فى فقه وقواعده السلوكية والشيخ سيد محمد ين الشيخ سيديا فى سعة معارفه المحظرية مطالبا بالوفاء لماضيك العلمي المشرق
"أليس من الوفاء لساكنيها *** إذالة ما يصان بكل عين"
داعيا أهل محمد سالم بالنداء على الوزير أن يسير فى ركبهم حتى لا يغرق [ يا بني اركب معنا] مذكرين إياه بالرجوع إلى مؤلف والده فى التفسير "الريان" والوقوف عند قوله تعالى [الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان" ثم استنتاج مفهوم المخالفة وكذلك تفسير قوله تعالى [ذلك ومن يعظم حرمات الله] أليس منها إهانة دور العلم وطلبته الذين هم عدول فى المذهب المالكي كما فى النظم الذى روي عن الوالد "طلبة العلم على العدالة محمولة ابن هلال قاله"؟ وأكبر من ذلك انتهاك الحرمات وإصدار الأوامر للأمن بأن يعتدوا على النساء بجرهن أمام الملإ فى مؤسسة شرعية بأوامر من وزير فقيه ابن فقيه؟ وأغلب الظن أن الوزير درس نواقض الإيمان فى الواضح المبين لعمه عبد القادر "قاري".
وما درى الوزير أن هذه الأفعال تسيء لأرواح أجداده وهم فى عالمهم البرزخي ولو كتبت لهم العودة لتبرؤوا منها.
وأنه سيندم على ما كلف به من تحييد الدور العلمي لهذه المؤسسة التى آوته طريدا باحثا عن وسيلة عيش فتحت له أبوابها وهيأت له السبل للترقى الوظيفي والجلوس فى المنابر والمحافل ليكون جزاؤها التطاول عليها ووصف شهادتها بعدم الأكاديمية ولو كان لها مجلس علمي مخلص لسحب منه الشهادة التى أسندت إليه فى ظروف هو أعلم بها وأرشيف المعهد حافظ لها ولا غرابة أن يتنكر بعض الأفراد لمحاضنهم العلمية والطبيعية وقد حفظت دواوين العرب الكثير من النماذج: "فواعجبا لمن ربيت طفلا ألقمه بأطراف البنان".
أعلمه الرماية كل يوم *** فلما اشتد ساعده هجانى
وكم علمته نظم القوافى *** فلما قال قافية هجانى
ولعل الوزير الفقيه لا يذكر أن الوظائف مهما طالت مدتها لن تدوم لأنها "لو دامت لغيرك لما وصلت إليك" والذى يدوم هو شرف الإنسان وسمعته الطيبة وذكره الحسن كما فى مقصورة ابن دريد - ولعلها لم تكن مقررة فى محظرة الوزير -
"وإنما المرء حديث بعده *** فكن حديثا حسنا لمن وعى"
فتذكر جيدا حديث الناس عن أحد أسلافك فى الوزارة وتندرهم بقولته المشؤومة "المساجد المخابز" ولا نستغرب أن تخرج أنت فى خرجتك الإعلامية الثالثة متوعدا بتحويل بناية المعهد لمخازن لحاجة ولي الأمر لذلك لكنك سترحل ويرحل ولي أمرك فسنة الله قضت بأن "...الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الآرض".
حينها ستتردد على المعهد مطالبا بمنحك ساعات تدريس فى الفقه فى إطار دمجك الوظيفي فى سلك شيوخ المعهد الذى لم تنته إجراءاته لبعض الثغرات القانونية التى جعلتك تكره المعهد وأهل المعهد.
وإلى أن نلتقى قريبا فى المؤسسة تحت سلطة حاكم مدني منتخب تقبل نصيحتى وارفع يديك عن المعهد وعد إلى مسجدك ومحظرتك.

نقلا عن الأخبار