مشاهدة النسخة كاملة : رسالة من موريتانيا المتميزة (محمد ولد حمدو)


أبو فاطمة
03-04-2012, 07:36 AM
رسالة من موريتانيا المتميزة (محمد ولد حمدو)

مع ساعات الفجر الأولى، كنت أنهي إجراءات الدخول عبر مطار دبي.. واحد من أكبر مطارات العالم، وأكثرها حيوية ونشاطا، وإزدحاما بالناس من مختلف الجنسيات والسحنات، موظفين وعابرين....
لم يؤثر ذلك الإزدحام في سير الإجراءات وانسيابيتها!!
تقدمت نحو بوابات الخروج.. كانت الشمس في الخارج، قد بدأت تجتاح المكان كما يحدث في بلادي، فرغم أن الفصل شتاء، فقد كانت أشعتها قوية، وكأن الوقت أقرب للضحى منه للصباح!!
كان ذلك الملمح الوحيد، الذي يذكر ببلادي في ذلك الصباح .... وفي تلك المدينة الكبيرة التي رأيتها، تستعد للإستيقاظ ليوم نشاط جديد.
طرق واسعة نظيفة ... جسور تتلوى كالأفعى، ومعها تنساب حركة مرور دائبة، مشهد يتوسط عمارات شاهقة، تتالى أمام عيني، والسيارة تتقدم بي نحو المزيد من أحياء دبي، التي أصبحت خلال العقد الأخير، أحد عناوين النجاح القليلة الصامدة، في خضم الأزمة المالية والإقتصادية العالمية!
أفواج العمال من كل السحنات والجنسيات، تملأ محطات القطار والحافلات، استعدادا للمغادرة نحو مواقع العمل المتناثرة في أرجاء المدينة... محلات تجارية تفتح على إستحياء بعد ليلة ساهرة إنتهت متأخرة... إنها دبي تستعد ليوم جديد في سفر النجاح، الذي تكتبه أنامل كثيرة، في مواقع عدة من الإمارات!!
وراء ذلك سركبير، هو الإصرار على تبوء المركز الأول ... لأن صاحب المركز الثاني هو أول الفاشلين، ... وهذا الكلام ليس من عندي، ولكنه جاء على لسان محدثي، وهو صديق موريتاني، أتاحت له الإقدار، مشفوعة بقدر كبير من التصميم والإرادة، أن يكون في موقع علمي وأكاديمي مرموق في دبي، وأن يسمع هذه العبارة، وهي تخرج من فم أحد صناع القرار في هذه الإمارة!!
الدكتور المختار ولد حندة، يقترب الآن من إكمال العقد الأول تحت سماء الإمارات، التي أظلته ووفرت له أسباب الإفادة من معارفه.. اجتهد وطور نفسه، ووصل إلى هذا المركز الذي يجعله يلتقي صناع القرار في هذا البلد ... وهذه ثاني علامات التميز في قصة النجاح التي تساوي بين الجميع .. لا فرق إلا بالمعرفة والتصميم والتمكن!!
هو ليس سوى نموذج للكثيرين هنا، من أبناء الوطن، الذين طوحت بهم الحاجة، أوقادهم الطموح والسعي للأفضل.... وهم اليوم أسماء كبيرة، بينهم مهندسون وأكاديميون وجامعيون، قضاة ومربون، ووعاظ وإعلاميون، ومستثمرون وتجار... موظفون وعمال بسطاء في مجالات مختلفة.
أسماء لامعة تمثل من مواقع مختلفة، جزء من قصة النجاح التي تعيشها، الإمارات العربية المتحدة في مجالات عديدة!
في عجمان التقيت نموذجا آخر من هؤلاء، هو الدكتور الشيخ ولد حمود، رياضي متمكن وكتوم، بملاحظة ثاقبة، وعلى طريقة المعادلات الرياضية ذات المجهول الواحد، يلخص سر قصة النجاح في هذا البلد، بإحترام الكفاءات أيا كانت!!
الملاحظة ذاتها، رافقتني إلى الطرف الآخر من الإمارات.... في مدينة أبو ظبي كررها أمامي أكثر من متحدث... ومعها تتعدد مواقع الموريتانيين ومواطن تميزهم.... لوحة متعددة العناصر من الخبرات الكبيرة في دوائر الدولة، ومراكز البحث والجامعات والمؤسسات الإعلامية، وورش الإنتاج... وفي حقل الإستثمارات الصغيرة!!!
طاقات يحتاجها الوطن وتحتاج هي إليه .... ما زال قرار الإستفادة منها معلقا، إلى أجل غير مسمى، لحسابات مشبوهة يعلمها الله، يقول لي متأسفا، الزميل أحمد ولد إسلمو، الذي هو نفسه، نموذج آخر من نجاحات الموريتانيين هنا.
ضاقت دروب الحياة هناك في وجه البعض، وانفتحت هنا فرص ومجالات أرحب، أمام البعض الآخر، فطفقوا جميعا، في تجارب تختلف تفاصيلها، وتتحد كلها في النهايات... حياة جديدة في بلد جديد.
اختلفوا في كيفية الوصول إلى هذا المكان ... وتشعبت بهم البدايات، لكنهم جميعا، حملوا معهم الوطن وهمومه، والحرص على مستقبله، والإشفاق عليه من عاديات الزمن الإقتصادي المأزوم، وتقلبات السياسة الحائرة، وخبطات التغيرات الإجتماعية الماحقة.
هم الشناقطة الجدد كما وصفهم السفير الموريتاني في أبو ظبي، السيد أحميدة ولد أحمد طالب، في إشارة إلى السمعة الباقية منذ قرون في عدد من البلاد، التي مرت بها أفواج الحجاج والعلماء والدعاة الموريتانيين الأول، في طريقهم إلى الديار المقدسة.
فأفراد هذا الرعيل الجديد - والكلام للسفير - يمثلون مفخرة البلاد... وفي أي بلد يعيشون، هم دائما خير معين، لبعثاتنا الدبلوماسية، يخدمون البلاد أكثر من غيرهم، بحضورهم في المحافل والمنابر المختلفة.
لايريدون جزاء ولا شكورا... لقاء ما يقدمون للوطن، كما يقول الدبلوماسي الشاب محمد ولد عمار، وقد أجتاحه الأسف، وهو يستعرض ما يضيع على البلاد، من فرص الإستفادة من هذه الطاقات الكامنة في جاليات نوعية، مثل جاليتنا في الإمارات ... تعطي ولا تأخذ... ويرى أن بإمكانها، أن تعطي أكثر وأكثر – هي وغيرها من الجاليات المشابهة - لو أحسن التواصل معها... وأشعرت بأهمية دورها.
على شاطئ أبو ظبي، وفي ضيافة الدكتور محمدسالم ولد الطلبة، ومع نسمات منعشة، استعدت مع أمير الشعراء سيدي محمد ولد بمبة والشاعر والكاتب أحمد أبو المعالي، للحظات أجواء الوطن في طقوس عابرة .. كاسات شاي أترعت... مع "مشوي" بنكهة أعادتنا بعيدا ..ولساعات بقينا هناك ... مع هموم الوطن ومشاغله وإخفاقاته ...
والمؤسف أننا بحثنا كثيرا... عن نقطة ضوء في عتمة هذه الإخفاقات دون أن نوفق... اختلفنا كثيرا في تعداد الإخفاقات وحجمها... ولكننا لم نجد صعوبة في الإتفاق – خلافا لما يحدث في لقاءات أبناء العالم الثالث، سواء على مستوى القمة، أو ما دون ذلك - على تأجيل تعداد النجاحات إلى لقاء قادم، عل الله يحدث بعد ذلك أمرا....
في أحد منازل أبو ظبي، وجدتني وجها لوجه مع نموذج آخر من نماذج الإخفاق التي تطارد بلدنا .... طاقة علمية ووعظية بارزة، كان لي الشرف أن إلتقيتها في سنوات الطفولة، في " مذرذرتي" البعيدة، تركناها تهاجر ليستفيد منها الآخرون، ونحن في أمس الحاجة إليها... الشيخ أحمدو ولد اخليل الذي عرفته مربيا فاضلا، يترك فريسة للهجرة، وهو في خريف العمر ... وغيره كثيرون، يمثلون أنصع مثال على التخبط والإهمال واللامبلاة... التي تطبع سلوكنا العام، إزاء كل شيئ!!
أسماء كثيرة التقيت بعضها، يضيق المقام عن ذكرها جميعا، وآخرون حال سوء الحظ ... وتعدد المشاغل، دون أن ألتقيهم، مع أن ذكرهم، وصلني حتى قبل المجيئ إلى الإمارات...
كلهم هنا متميزون وموريتانيون، بدأوا حياتهم العملية في الأغلب هناك في الوطن، أو على الأقل حاولوا ذلك .. قبل أن يكشر لهم الواقع المر عن أنيابه... فيضطرهم إلى الغربة... والغربة مهما تكن مريحة – ظاهريا – على الأقل فهي مرة وقاسية... همهم اليوم، وقد قضى الله أمرا كان مفعولا... أن يروا بلدهم قد دخل العصر.... ويدركون أن تلك مسؤولية الجميع ... لهم فيها نصيب بدون شك، ولكن على عاتق صناع القرار، وأهل الحل والعقد، النصيب الأوفر....
إنها رسالة مخلصة من موريتانيا المتميزة إلى ......!!

نقلا عن الأخبار