مشاهدة النسخة كاملة : الأَسْرُ الممتع في ضيافة الكتائب (أبو إسحاق الدويري)


أبو فاطمة
03-04-2012, 07:23 AM
الأَسْرُ الممتع في ضيافة الكتائب (أبو إسحاق الدويري)

ما كان صاحب الكناش يظن أن باكورة أعماله ستكون عن تجربة إنسانية مفعمة بقلق من عانق الموت مرارا في سجون الطغاة الذين قارعهم بقلمه ولسانه، لكن صدق تنبأ أبي ليلى بشأن العرب صناع التاريخ حسب تعبيره، ومراهنته في التغيير على العامة من قديم الزمان في نظرية له طريفة تُفَضِّلُنَا معاشر العامة و الدهماء على الخاصة أصحاب المناصب والمناقب، عجّل بخروج رائعة من الأدب والصدق والتجرد والبذل والإنسانية، اتفق قارئوها على أسرها لهم حتى لا إشكال.
الكاتب لمن لا يعرف
في غرة الشهر السابع من 2008 رأت سيدة تسكن في دار النعيم أن أخاها يُطِلُّ على الناس من منزل عال؛ فكان التعبير إطلالة موربتاني جديد -اسمه أحمد فال ولد الدين- على القناة الأكثر مشاهدة عربيا من بلاد "زوما"، وكان ذلك الصحافي يختزن عوالم من الثقافة والأحاسيس تبدو متناقضة لو لم تكن في عالم ابن الدين الموكل بفضاء الله يذرعه؛ ففي جبال تكانت، حيث يحلو السمر على آغبابيد (تلاوة القرآن)، ويطيب الأصيل بالتثلاث (اختبارات رسم القرآن)، وفي مدينة العلماء "قرو " حيث التكييف الفقهي الرصين للنوازل المستعصية في مجالس العلامة النظَّار عبد الله بن الإمام وبني عمه الأفاضل، وفي كثبان المدينة الفاضلة محظرة التيسير شرقي تقنت حيث استقامة اللسان ومشتقات علوم الخليل وسيبويه والسكاكي، ومنتخب ما اختار الأعلم من قريض الجاهليين، ومختار ما انتخب حبيب بن أوس من روائع العرب في حماسته، وفي جامعة انواكشوط حيث الاطلاع على مدارس الأدب الحديث واتجاهاته، مع تلمذة لأمراء النثر الفني في عصور ازدهاره من أمثال جدنا الجاحظ وعمنا المعري، وملازمة للتوحيدي في إمتاعه وصداقته ومقابساته وذخائره، واعتناء خاص بمعارك أبي فهر، ونزوات وجدان زكي مبارك، وإقامة في ربوع بني الأصفر في عقر دارهم حيث تعرف الفتى الألمعي على حضارة الخواجات، ورضع أفاويق الرطانة كما "ينطقها" أهلها، مع رؤية نقدية لتلك الحضارة تتلمذ فيها على صاحب "البذور والجذور" نثرا، وعلى صاحب "جناح جبريل" شعرا، ثم تخصصٍ في شؤون القارة السمراء وتجاذباتها في بلاد مانديلا، وعناية بتراث بدو العجم " التُرْك " واطلاع واسع على الأفكار المعاصرة، سيما ذات النزعة الشرقية الإسلامية، ورصيد نضالي حقوقي وطلابي معتبر، تتكون من كل هذا ثقافة ابن الدين ورؤيته للكون والحياة، وأسلوبه في الكتابة مع موهبة في الحفظ والضبط، ورهافة في الحس، وسرعة في البديهة، واحترام فائق للبشر وحقوقهم.
الباكورة خليط من الإمتاع والمؤانسة
متعة باكورة ابن الدين تكمن في انيسابيتها الإمتاعية، ومن حَصَرها في فن من الفنون ظلمها وظلم باقي الفنون؛ والحق أنها ضرب من الأدب المؤنس المحبوك، أخذت من الرواية تشويقها وأشخاصها، ومن أدب السجون التردد الصادق بين اليأس والأمل، والحنين إلى الحرية، ومراجعة المسيرة، وما وَصْفُ الشيخ الجالس في الدوحة بين الشاي وخزانة الأدب بالحكمة –وأوصافه المحمودة أكثر من هواجس المسجونين- إلا تعبيرا مبطنا عن تلك المراجعة الصامتة، ولا تعني الندم بل هي حالة إنسانية عادية أبدع كاتبنا في وصفها في أكثر من موضع، كما يلامس القارئ للباكورة أدب السيرة الذاتية من خلال عرض ذكي لأخبار الكاتب ورفاقه، وذكرياتهم الحلوة والمرة، من غير إزعاج للقارئ بالتفاصيل المملة، كما أخذت من أدب الرحلة دقة وصف الأماكن وجغرافيتها، والناس وطبائعها...
الأسر الممتع
منذ زمن طويل لم أسمع الكتبيين يتحدثون عن الكتب الآسرة، التي تأخذ بمجامع لب قارئها حتى النهاية، وقد عاد الحديث عن ذلك الأسر الممتع مع ظهور باكورة ابن الدين، ولئن كان الكاتب يقُصُّ معاناة أَسْرٍ ظالم أَقْلَقَ أحبة وأهلا وأصدقاء وأقارب وزملاء، فإن باكورته أسرت قرَّاءها ساعات ممتعات لم يستطيعوا التخلص من سحرها الحلال، وكلماتها الفاتنات، وعرضها الشيق.
أعذب المشاعر أصدقها
لئن كان من الشائع في تراثنا النقدي أن أعذب الشعر أكذبه، فإن المشاعر ليست كذلك، وأعظم فائدة للسجن أنها ترد السجين طفلا غريرا، ألم يقل العقاد وهو من هو في العظمة والتعملق: فهاأنا اليوم في ساحة الخلد أولد، وقد جعلت تلك الولادة ابن الدين يكتب بروح شفافة صادقة، تصف خلجات النفس كما هي، نفس إنسانية تهاب الموت، وتخشى صولة الظالمين، وتقلق على زغب الحواصل، وترحم أنات الوالدين، وبكاء الأخوات، مع رباطة جأش حين يجد الجد.
الكلمات الحبلى
كثيرا ما شكى محبو أسلوب الجاحظ من طغيان الأسلوب الخلدوني على الصحافة، وكان ابن الدين كثير الشكوى من مقص الرقيب الذي يأتي على كل كلمة جاحظية أو توحيدية في تقاريره، لكنه في الباكورة انتصر للجاحظ على ابن خلدون فجاءت كلماتها حبلى بالأحاسيس، والآداب والتواريخ، والمعاني الإنسانية المحلقة، وحينا بعبارات إبداعية طريفة، فمثلا كثرت الشكوى في أدب السجون من ضيق المكان واتساع الزمان، وقد حاول ابن الدين التغلب على ذلك لكنه قال بقي الزمان فاغرا فاه، ولك أن تتخيل تلك الصورة، ولابن الدين قدرة فائقة على التخيل ظهرت أيام كتابته لخواطر الساسة في بلاد السيبة، وظهرت في الباكورة أكثر، مما يجعل مستقبله في عالم الرواية وافرا.
خلود الباكورة
إن كتب الله لأمة البيان البقاء، واستقامت ألسنتها من هذه الرطانة العامية المستحكمة، فسوف تبحث عن كتاب بالعربية عن تاريخ بدايات يقظتها الحديثة، ولن تجد كتابا أفصح من باكورة ابن الدين، وأمتع، مما يجعله في مصاف الكتب الخالدة إن شاء الله.
الخاتمة
كان ابن الدين كثيرا ما ينشد:
فلما دخلت السجن كبر أهله *** وقالوا أبو ليلى الغداة حزين
وكان يدخله ناصرا للمظلومين والمستضعفين، واليوم دخله مظلوما فخرج بسفر من الأدب الماتع، فالله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا.

نقلا عن الأخبار