مشاهدة النسخة كاملة : التعليم الثانوي... "صورة من الداخل" (محمد محمود الإمام)


أبو فاطمة
02-27-2012, 08:34 AM
التعليم الثانوي... "صورة من الداخل" (محمد محمود الإمام)

يستعد الأساتذة الكرام هذه الأيام للدخول في إضراب عن العمل, رغبة في لفت الانتباه إلى معاناتهم, وسعيا إلى تحقيق مطالبهم المشروعة والمستحقة...
غير أن جوانب كثيرة من معاناة تعليمنا "الثانوي": إدارات, وأساتذة, وتلاميذ, ومقررات, ومناهج, وبنى تحتية, لم أجد من التفت إليها أو أدرجها ضمن العرائض المطلبية للنقابات, أو تبناها في الخطابات السياسية, أو حتى ذكر بها في المداخلات البرلمانية... وأعتقد - وأنا أول المضربين– أن إهمالها من قائمة المطالب النقابية سيدفع بالمجتمع إلى اتهام الأساتذة بالأنانية ما بقيت زيادة الأجور –وهي ضئيلة فعلا - ضالتهم الأولى...
ورغبة مني في تسليط الضوء على بعض هذه الجوانب, استهل هذه المقاربة المتواضعة بالتساؤلات التالية:
ما هو التعليم الثانوي؟ ما هدفه ومن المستهدف منه؟ من هو الأستاذ؟ وكيف يسير العمل في مؤسساتنا "الثانوية"؟؟
التعليم الثانوي مرحلة وسطى من مراحل التعليم النظامي, منها ينتقل التلميذ ليصبح طالبا في التعليم العالي, والهدف المتوخى منه في أغلب الدول والنظم التربوية هو تلقين التلميذ المواطن "المعرفة المشتركة" التي تؤهله لولوج التعليم العالي أو المهني إذا هو حصل على مؤهل أو شهادة الثانوية العامة/ الباكلوريا ...
والتلاميذ في هذه المرحلة هم فئة المراهقين, والمراهقة تطلق على الفئة العمرية من سن الحادية عشر إلى سن الواحدة والعشرين سنة, وهي فترة قلقة من حياة الإنسان لما يواكبها من تحولات فسيولوجية وسيكولوجية... ومن أبرز وأخطر خصائص المراهق ميله إلى العناد والتمرد والرغبة في تحقيق الذات في محيطه الذي لم يعد يداعبه كطفل بريء – ولا هو يقبل ذلك- وأمام مجتمع لما يعترف به رجلا أو امرأة بعد ... وهنا تكمن خطورة مهنة التعليم الثانوي لما لهذه الفئة من خصوصية في السلوك والحاجات...
ويتولى مهنة التعليم في المستوى الثانوي مدرسون "أساتذة" منهم المتمكن الأمكن, والمتمكن غير الأمكن, ومنهم غير المتمكن أصلا... ولكي لا تسيء –عزيزي القارئ- فهم التصنيف فلتدع جانبا الدرجة, والسلك, والعلامة القياسية, والشهادة, وما إلى ذلك.. فقد يكون المتمكن الأمكن عقدويا, أو معلما معارا من التعليم الأساسي, وغالب حاله أن يكون المتمكن الأمكن أستاذا من السلك الأول: (أستاذا مساعدا) وتسند له المواد الأساسية في المستويات النهائية, وهو بها حقيق - والأمثلة شائعة- وأكثر هؤلاء أجدر بالمهنة من بعض الزملاء الذين أجازتهم الجامعة, ومنحتهم المدرسة العليا شهادة الكفاءة, وبعثتهم الوزارة أساتذة في الميدان!!
ويذكر هنا للأساتذة أن مجموعات معتبرة منهم استطاعت في وقت قياسي أن تواكب ما يعرف بإصلاح 1999م – أو نزوات النظام الطائعي – دون عناء مع أنهم لم يحظوا بتكوين لغوي حقيقي!!
غير أن هذه الصورة الناصعة لأساتذتنا الأجلاء , كما عرفناهم ونحن تلاميذ, والتي كنت وما أزال أتمنى أن تبقى راسخة في الواقع أكثر منها في الخيال, قد أخذت تفقد ألقها وأنا حينئذ أجلس على مقاعد المدرسة العليا... حيث أدركت من خلال ما أسمع وأرى من بعض المكونين الذين لم يتلقوا تكوينا- وفاقد الشيء لا يعطيه- أن الدفعات الأخيرة ستكون أقل "تمكنا" من سابقاتها.. غير أنني لم أكن أتصور تدنيا في الكفاءة والمستوى كالذي نراه اليوم – عند بعضهم - على أرض الميدان!!!
وإن هذه الظاهرة التي أشير إليها "ظاهرة الأستاذ غير المتمكن" قد استشرت مؤخرا في صفوف الأساتذة –والبياض قليل الحمل للدنس- إلى حد أعتبر السكوت عليه خيانة وتواطؤا وأراه بلغ حدا لا يطاق فحتى التلميذ اليوم لا يجد غضاضة في وصفه أحد هؤلاء بقوله: أستاذي في المادة كذا حمار!!!!
ومن أبرز العوامل المساهمة في هذه الظاهرة - فضلا عن ظروف وملابسات الاكتتاب- ازدراء أغلب القائمين على "الإدارات" لمواد بعينها, كالتربية الإسلامية, واللغة العربية, وبقية المواد المدرسة بها, منطلقين من أن كل أستاذ – وما به ألحق- قادر على تقديمها, ولهم - مهما كان تخصصه - ترقيع فراغات جدول عمله الأسبوعي بسويعات منها.
ومن أكثر الإدارات "مثالية" تلك التي تعتبر أن "المواد الثانوية" من حيث الضارب – ومنها مواد لغة الضاد- يجب –على كل حال- أن يتوفر لها شخص يقف أمام التلاميذ حتى يدق الجرس...
وهنا أسوق قصة مأساوية كنت شخصيا شاهدا عليها, فقد اعتذر أستاذ عن تقديم مادة العربية لتلاميذ السنة السابعة الأدبية, بحجة عدم توفر مراجع المقرر الحديث في المدن النائية, وخوفا من التقصير في حق المترشحين .. فاستغربت الإدارة بكامل طاقمها حججه.. وأجمعوا له على أن استكمال محاور المقرر والتفاني في شرحه لأبناء "هذا الجيل.. وذلك المكان..." جهد ضائع لا يبذله راشد, وأنهم يلتمسون منه صراحة مساعدتهم في إيقاف أسئلة التلاميذ "المزعجة" عن أستاذ مادتهم الأساسية!!!
أما عن البنى التحتية لهذا القطاع عموما فالملاحظ أن قديمها أحسن وضعية من حديثها على امتداد التراب الوطني!! ومنظر أكثر المؤسسات الثانوية أشبه بمكب النفايات, ومرمى القمامات منه بمؤسسات التربية والتعليم! وحين تدخل إليه تستقبلك قاعات متهالكة خربة قذرة لا تسهم في خلق الجو النفسي المواتي للتعلم, وجميعها لم تعرف إليه الصيانة سبيلا منذ التدشين!!
ومن المؤسف جدا أن بعض المؤسسات تستغل أحيانا قاعات يشكل استخدامها خطرا على حياة التلاميذ والأساتذة: جدران متداعية, ونوافذ مكسرة, وأبواب صدئة, وهياكل طاولات قليلة أخنا عليها الذي أخنا على لبد...
وأبرز ما تتوفر عليه تلك القاعات من ضروريات العمل التربوي هو أطلال سبورة غدت الكتابة عليها بالفحم أكثر وضوحا وأقل خطرا من الطبشور الأبيض السام...
وأمام هذه البنى التحتية المشيدة حديثا على أنقاض بلاد المنارة والرباط, يلاحظ المرء دون عناء أن "البنى الفوقية" لهذه الأمة المسلمة المحافظة لم تسلم من عواصف تيار العولمة الجارف, فعلى مرأى ومسمع الجميع تنتشر الخلاعة والانحراف حتى غدت مشاهد مألوفة عند أكثر الناس غيرة على دينه وشرفه!!
وتبلغ المعاناة ذروتها بحلول موسم التقويم: الاختبارات وامتحانات التجاوز, حيث أن ثغرات ونواقص متراكمة منذ عقود في السياسات التربوية للوزارة الوصية بجميع "أسمائها المتغيرة" وخاصة بعد اعتمادها منهج المقاربة بالكفايات –أو النفايات كما يحلو للخبراء وصفها – مما انعكس سلبا على مستويات التلاميذ فنزلت بها إلى حد من الانحطاط تعجز كل العبارات عن وصفه, ومن أخطر مظاهره ضعف المستويات اللغوية إلى درجة انعدام القدرة على التواصل باللغة العربية مثلا بين أفراد هذا الشعب المسلم الواحد...
وعندما يحل موسم الحصاد الدراسي, وتصبح العطلة الصيفية قاب قوسين أو أدنى, تبادر المؤسسات إلى تنظيم امتحانات التجاوز, فيهرع الأساتذة إلى تصحيح الأوراق, وجمع المعدلات, وفرز النتائج, فإذا بأغلبية التلاميذ وهم راسبون, ولأنهم معيدون كذلك لأكثر من عامين فسيطردون طبقا للقانون "كما هو على الورق", وهي حقيقة مرة, لكنها تفسح المجال لأمل أفضل بعام دراسي أحسن, وأقل اكتظاظا من سابقه...
غير أن حالات استثنائية خاصة جدا, تحدث سنويا في اللحظات الأخيرة من تحرير كشوف الدرجات , وما بعده , تعصف بالجهود المضنية التي بذلها الأساتذة والتلاميذ خلال عام كامل من العمل الدؤوب فتحوله بين عشية وضحاها إلى عمل عبثي.. والمؤسف والمخجل معا, أن بعض الأساتذة يسهمون في تلك "الحالات الخاصة" فقد يمر أحدهم في عملية جمع "التبرع" بالدرجات لصالح أخ أو جار أو معرفة... بجميع الزملاء المعنيين - والكرم ديدنهم- فيتحول المفعول لأجله من كسول موبخ سابقا إلى مبتدأ مرفوع غداة تكريم المتفوقين في حفل الختام.. و"يسمع" هنا وهو مما "لا يقاس عليه" أن يلتمس أستاذ "محترم" من زميله "المربي" منح درجات عالية لمن تربطه "بها" معرفة من نوع آخر!!!
والنتيجة الحتمية لهذه المسلكيات التي أصبحت جزءا من ثقافة مجتمعنا – وخاصة في الداخل- أن تتجاوز الأغلبية التي ليس لها حق الإعادة .. أما الطرد أو الإعادة فمفاهيم لم نعد نسمع بها منذ أمد بعيد... وهكذا يزداد الاكتظاظ بقدوم جيوش جديدة بريئة تجاوزت حديثا من المرحلة الابتدائية.. لتلحق بآلاف الفاشلين اليائسين المحبطين.. فيجلسون جميعا على الطاولات ذاتها, ووسط القاعات نفسها... فينتقل عدوى الإحباط واليأس إلى الأستاذ الذي سيقدم الدروس مكرها لمجموعات يعلم أكثر من غيره أنها نجحت أو تجاوزت أو ... في ظروف غير واضحة... وكان الأجدر بها أن يتم تجاوزها...
وهكذا دواليك... ففي كل عام دراسي يتم ترحيل دفعة كاملة من مستوى إلى المستوى الموالي, ظلما وزورا ويتحمل الأستاذ بسلوكه أو صمته, والإدارة برضوخها للضغوطات وسعيها لإرضاء الأهل على حساب مصالح أبنائهم, والمجتمع أيضا بغباوته وجهله وفقره مسؤولية فشل الشباب.. تلك الفئة المظلومة التي تتحطم آمال الآلاف منها سنويا على صخرة جدار اسمها الباكلوريا.. فإلى متى يظل الحال هكذا؟؟؟

نقلا عن الأخبار