مشاهدة النسخة كاملة : إن الثورة لم تبدأ بعد!! (الحسن ولد عبد الودود )


ابو نسيبة
02-21-2012, 07:42 AM
إن الثورة لم تبدأ بعد!! (الحسن ولد عبد الودود )

قلما تمر مناسبة سياسية أو خرجة إعلامية لموالي النظام و العازفين على سنفونية المصلحة الذاتية، إلا وتجدهم يؤكدون بكل كلام العرب والعجم أن موريتانيا كانت السبّاقة إلى الثورة، والتغيير الإصلاحي النموذجي، وأن ما قام من ثورات بعد ذلك ليس إلا محاكاة لما وصلنا إليه من تغيير جاد وقطيعة لا مسبوقة مع الماضي السحيق، الذي عانى فيه هذا الشعب شتى صنوف القهر والفساد.
بل إن بعض أولاء يعيب على الثورات العربية، ما آلت إليه من سوء الحال والتدبير وكأنهم يقولون لهم لو أرسلتم إلينا تستشيرون ـ إذ نحن القدوةـ لقدمنا لكم النموذج الصحيح للثورة الهادئة والهادفة.
وليتي أستفيق من هذا الحلم الجميل لأراه حقيقة وواقعا.. ولكن هل صحيح أن الناس يعون ما يقولون؟ أم استخفت بهم الأهواء فاستخفوا بأنفسهم؟ وأرادوا أن يغوونا كما غووا !!.
أم أن القوم ما زلوا في سبات شتوي لم يستفيقوا بعد على دفء ومعنى "الربيع العربي"؟.
اسمحوا لي سادتي أن أشرح لكم معنى ربيعكم الذي تفاخرون به العرب والعجم، وأن أحيطكم علما بأبعاده الحقيقية التي غفلتم أو تغافلتم عنها..
إن معنى "الربيع العربي" أن يثور الشعب بجميع توجهاته وجهاته ومؤسساته ومقدساته، ضد نظام فاسد أتى دون رغبة الشعب، وأذل العباد وأفسد البلاد.
ويظل هذا الشعب في ساحة الوغى رغم القتل والتنكيل حتى ينتزع السلطة ويضعها في يد من يأمنه على تطلعاته..
ومعنى ربيعكم الهادئ أن ينقلب عسكري بالدبابات والمدافع على نظام دستوري وصل لسدة الحكم بأصوات المواطنين، وليس هذا هو السوء. بل الأسوأ أن يكون دافع المنقلب دافع ذاتي محض، وردة فعل، على قرار رئاسي مشروع بنص الدستور وقانون البلاد.
إن معنى ربيعكم النموذجي، أن توشح صدور بنياشين زائفة، فلا هي مستحقة في ساحة معركة، ولا في حسن سيرة وسلوك، ولا في خبرة ودراية وتعلم.. ولا حتى في أقدمية زمنية.. وأنْ تعطل رتب يُشهد لأهلها بالبسالة والشموخ والتميز.
إن كذلك من معاني هذا الربيع، أن يزج في السجن كل من قال لا للركوع لغير الله، وكل من خالف الرأي.. وإن كان كالبحر عطاء ونقاء.. على أن يسود لص الأمس، ويعلوا صوت بغاث الفساد، وفويسقة التاريخ.
ربيعكم يا سادتي هو الذي يُرمى فيه العاجز المريض أرضا، ويحترق فيه الشاب ظلما.. ويؤسر فيه الطالب قهرا ودحرا.. هو أن تعسكر الجامعة.. ويقمع احتاج سلمي ويقتل المدرس والطالب والمطلوب.
نعم إنكم تستميتون لتعمموا نموذجكم الراقي، وتأبوا رحيل أيّ طاغية.. فتتوسطوا لغباغبوا وتشمروا دون القذافي بالأمس.. وتقفوا اليوم بمحاذاة الأسد، ولم لا؟ فالطيور على أشكالها تقع.
ومن معاني ربيعكم أن تشتعل الأسعار، ويساق الفقير كما يساق الحمام إلى الشّرك، على "أمل" حبيبات لا يسمنّ ولا يغنين من جوع، إن وجدت، ليشهر بفقره ويعلن عجزه أمام الكل.. ومن معانيه أن يرمى المواطنون بوادٍ غير ذي زرع ولا ماء ولا مرعى، في أرض خصصت للبشر بعد الموت، واليوم توؤد فيها أحلامهم وهم أحياء.
إن نموذجكم العالمي يقتضى أن نخوض الحرب بالوكالة – ولم لا إن كان هذا هو ثمن بقائكم- أن يُزج بأبنائنا البررة من جنود وضباط، في حرب لا هوادة فيها، ولْيقتل منهم من قتل ويؤسر منهم من أسر، فهذا لا يهم لأنكم في غنىً عنهم، ولم يوجدوا أصلا إلا لمثل هذا..
ومن أبجديات ثورتكم الهادئة، أن يُساء الجوار، وتُحتقر الأمم، ويُعادى الأصدقاء، ويُعانق الأعداء.. وأن تُباع مقدرات هذا الوطن ببنود غير مكشوفة، فهكذا تكون الرجولة الدولية.. والله أعلم بحالنا..
إن ثورتكم تعني تعطيل الدستور، وتمييعه، وتأجيل الانتخاب وتحويرها.. وإضعاف الضعيف، وإرخاء العنان للقوي وحمايته.
وما دامت هذه ثورتكم فقد كفرنا بكم وبما تمجدون من زيف الأحلام. فهذه ثورة السلطة على الشعب، ورفس الشعب والتنكيل بالشعب، فهي ثورة من أجل "الأنا" الحاكم، من أجل تعزيز الرصيد الإقطاعي، من أجل وأد أنات شعب ضعيف، - كما تظنون- ولكن...
حذار فتحت الرماد اللهيب *** ومن يبذر الشوك يجني الجراح
ومعنى الثورة الحقيقية الهادئة عندنا معشر الشعوب – يا سادتي - هي أن تُستبق الأحدث، أن تصلحوا ولا تفسدوا، أن تكرسوا العدل، "فإنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم القوي تركوه، وإن سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد".
إن من ثوابت الثورة غير المزيفة: أن يشرك هذا الشعب في مقدراته وخيراته الوافرة. أن تشيّد مؤسساته الديمقراطية.. أن.. وأن... ولكن قبل الثورة... لأن الثورة لم تبدأ بعد.

نقلا عن الأخبار