مشاهدة النسخة كاملة : المعهد العالي... والتجفيف المستمر (الطالب أخيار ابن أعمر سيدي)


أبوسمية
02-19-2012, 07:32 AM
المعهد العالي... والتجفيف المستمر (الطالب أخيار ابن أعمر سيدي)

بدأ المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية رحلته في العطاء العلمي عام 1979, فحمل لواء التعليم فيه مفرزة من خيار العلماء مثل الشيخ محمد يحي بن الشيخ الحسين ومحمد سالم بن المحبوب وغيرهما، وكان الطالب إذا تأخر خمس دقائق يجد قاعة الدرس قد غصت بالطلاب, يزاحمون بالركب, وكانت فيه شعبتان: إحداهما للقضاة والأخرى للأساتذة, وكانت كل واحدة منهما توتي أكلها كل حين، فنشطت مادتا التربية الإسلامية واللغة العربية في التعليم الثانوي, بسبب دخول أساتذة أكفاء إليها، ـ هم خريجو المعهد ـ فرغب الطلاب في مادتي التربية الإسلامية واللغة العربية بعد أن كانوا عنهما راغبين, وفيهما من الزاهدين, وتحسن أداء القضاة في المحاكم حين أسند الأمر إلي خريجي شعبة القضاة بالمعهد، وكانت لهم سمعة طيبة لامتناعهم عن أخذ الرشوة والعدل في الحكم.
لكن هذا العطاء لم يكتب له الاستمرار طويلا, فجاء العسكري معاوية إلي الحكم، وبعد سنة جاءت التعليمات بتحويل المعهد بشعبتيه المهنيتين إلي شعبه عامه, وبذلك توقف توظيف خريجي المعهد ليجف بذلك منبع التربية الإسلامية واللغة العربية في مؤسسات التعليم, وليجف منبع القضاء الشرعي ليستمر القضاء الوضعي، قضاء الدولة الاستعمارية.
وكانت الدفعة الأولي والثانية والثالثة من خيرة حملة العلم، وكان من بينهم متفوقون أذكياء, ومع ذلك لم يمنح واحد منهم ـ حسب علمي ـ لمتابعة دراساته العليا, فكان هذا نمطا آخر من تجفيف هذا المنبع.
وفي آخر التسعينات مرت علي المعهد مرحلة صعبة, فصار معقلا للصدامات والصراعات بين الإدارة والطلاب, فتري الملاكمات هنا وهناك، وأنماطا من اتكْوَاندو هنالك, فاختلط الحابل بالنابل وكسرت هيبة المؤسسة, فظهر فيها التدخين والتبرج, وربما الغناء والرقص ببعض جيوبها، وانتشر في المعهد ما يسمي برجال الأمن الظاهر والباطن, فكان هذا شكلا آخر من أشكال التجفيف.
ثم جاء انقلاب 2005 فاستبشر الناس خيرا، وهدأت الأحوال في المعهد إلى أن جاء انقلاب 2008, فتقلبت صروف الدهر.. وبعد حين عين أحمد ابن النين وزيرا للشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي فظن الناس أن الرجل المناسب وضع في المكان المناسب: فقيه من أسرة علم, خريج في المعهد نفسه, لا يظن به إلا رعايته وحمايته من كل خطر يهدده, لكن السفن أتت بما لا يشتهي، فبدأت الرواتب تتأخر أشهرا، ومن الطريق أن أحد المديرين سأل أستاذا: كم في الشهر اليوم، فقال الأستاذ فيه ثلاث وستون يوما, فاستغرب المدير الإجابة, فأحكم الأستاذ الجواب قائلا: تأخر الراتب شهرا ثم شهرا آخر وهذا الشهر الثالث مضي منه ثلاثة أيام ولم تسدد الرواتب بعد, ولا زالت هذه الرواتب تتأخر حتى كتابة هذه السطور، فلا تسدد غالبا إلا بعد أربعين يوما, بعد ما يتقاضي جميع الموظفين رواتبهم، وأسرة المعهد علي الباب تنتظر ما فضل عن هؤلاء, ليستلمه الموظف عن يد وهو صاغر.
ولكن المفاجأة الكبرى, والفاجعة العظمي، كانت حين أتت التعليمات القاضية علي شرايين المعهد, تمنع التسجيل فيه ودخول طلاب المحاظر إليه, تعليمات تقضي علي القانون المنشئ للمعهد, إن هذا لغريب حقا..
إنه تبادل الأدوار، فحين أغلق معاوية المعهد السعودي, فها هو نظيره وخلفه, يريد إغلاق المعهد العالي، دون أن يدرك أن الظروف التي أغلق فيها ذلك المعهد غير الظروف التي يراد فيها إغلاق هذا المعهد فيه, فعليه وعلى وزيره أن يدركا أن الظرف ليس لصالحهما, وليتركوا المؤسسة تستمر في مهمتها النبيلة، الخير يبسط ولا يطوى، ولتأت العليمات بفتح التسجيل أمام طلاب المحاظر تنفيذا للقانون لا للتعليمات, وإذا أصرت الجهات العليا على أن ينفذ الوزير التعليمات، فعليه أن يقدم استقالته حفظا لماء وجهه، وعليه أن يحرص علي بقاء المعهد الذي منه تخرج، إذ لا يعقل أن يكون المعهد سببا في تكوينك وتأهيلك وتكون سببا في إعدامه بإغلاقه، وبلغني أنك قلت إن أسرة المعهد متشبثة به لا لذاته بل لحرصها على البقاء في نواكشوط وهذا غير صحيح بل لحرصها علي بقاء هذا الصرح العلمي العريق, وإن سلمنا ما قلت فإنك أنت أيضا متشبث بالوزارة حتى يتم إغلاق المعهد على يديك, فإن رضيت ورضينا بإغلاق المعهد فإن باطن الارض خير من ظاهرها: (من يعمل سوءا يجز به ولا يجدله من دون الله وليا ولا نصيرا).

نقلا عن الأخبار