مشاهدة النسخة كاملة : عنصرية "إسرائيل" وحق الفلسطينيين (غازي العريضي)


أبوسمية
02-18-2012, 09:01 AM
عنصرية "إسرائيل" وحق الفلسطينيين (غازي العريضي)

ليست "إسرائيل" بحاجة إلى سبب، أو عنصر إضافي يبرز في محيطها لتبرر لنفسها عملاً عدوانياً ضد الفلسطينيين. هي دولة بأساس تركيبها وقيامها بنيت على الإرهاب والاغتصاب والعنصرية والحقد والإجرام على أرض فلسطينية. لكنها تحاول الاستفادة من كل شيء لتكرّس هذه السياسة.
لقد خرج على مدى سنوات الاحتلال قادة ومسؤولون سياسيون وعسكريون إسرائيليون بدعوات واضحة لإبادة الشعب الفلسطيني. ومنهم من اعتبر الفلسطينيين "حشرات ينبغي التخلص منهم". وثمة كتب وروايات ومجلدات تتحدث عن معاناة الفلسطينيين والاعتداءات التي تعرضوا لها والممارسات البشعة وأساليب الإرهاب النفسي والمعنوي والجسدي التي مورست ضد النساء والرضّع والأطفال والشيوخ والعجزة والمرضى، وكل الفلسطينيين عموماً على يد الجنود الصهاينة وعصاباتهم.
اليوم، مشهد أو فصل من هذه الفصول نراه في القدس. فإلى جانب الاقتلاع من الأرض ومصادرة المباني، وطرد ساكنيها وأصحابها الفلسطينيين، ليقيم فيها إسرائيليون، ولتحقيق المزيد من التوسع وبناء المستوطنات الإضافية، وقع في القدس حادث يحصل مثله آلاف الحوادث في العالم يومياً. حادث سير هو ناتج عن اصطدام شاحنة يقودها إسرائيلي بحافلة تقل أطفالاً فلسطينيين أدى إلى وقوع 60 طفلاً بين قتيل وجريح.
لكن الذي لا يحصل إلا في "إسرائيل"، هو أن الجنود الإسرائيليين منعوا الفلسطينيين الموجودين في مكان الحادث من إخلاء الضحايا. أرغموهم على مغادرة المكان في انتظار وصول سيارات الإسعاف. تسبب الأمر في تفاقم عدد ضحايا الحادث، بحيث وصل إلى ثمانية قتلى وأصيب الباقون بجراح. الأخطر أن تعليقات ومواقف سرّبت لعدد من الإسرائيليين على المواقع الإلكترونية السريعة. دعوة الإسرائيليين إلى عدم الهلع: "تمهلوا هؤلاء أطفال فلسطينيون". "هذا جيد سينقص عدد المخربين" "المصابون فقط أطفال فلسطينيون. نتمنى أن نرى كل يوم مثل هذا الحادث". "تمهلوا الحافلة فيها أطفال فلسطينيون. صلّوا من أجل أن يكون هناك عدد كبير من القتلى أو موت سريري..." هذه نماذج من التعليقات ومواد الشماتة والتحريض التي بثها إسرائيليون تعليقاً على الحادث.
"إسرائيل" دولة عنصرية تعيق عملية إغاثة ومساعدة المصابين، وتطرد أهلهم، أو أقاربهم أو مواطنيهم وتمنعهم من الاقتراب من مكان الحادث. وأبناء الدولة ينظرون إلى هذا الحادث على الشكل المذكور.
لا مكان للإنسانية أو الأخلاق في "إسرائيل" بعنصريتها. فهل يعقل أن يدعى الناس إلى الصلاة والابتهال إلى الله ليكون ثمة مزيد من القتلى؟ أو مزيد من الأطفال الفلسطينيين ضحايا مثل هذا الحادث؟ هل يعقل أن تكون تمنيات المواطنين قتل أبرياء أو موت أبرياء مرضاً، أو سحقاً، أو سحلاً أو ضحايا حوادث منظمة أو عرضية؟
كيف يكون هناك سلام واتفاق وأمن واستقرار؟ ماذا يؤمّن حل الدولة الواحدة، أو حل الدولتين عندما تكون التربية والثقافة والتعبئة على أساسهما مبنية على الحقد والكراهية والتمني بالموت؟ فهل ثمة استمرارية واستقرار مع سياسة القتل والموت والحقد وتدمير كل شيء؟
إنه مظهر جديد من مظاهر هذه العنصرية الإسرائيلية التي لا تزال تميز بدايات القرن الواحد والعشرين والمستمرة. توقفها يعني توقف المشروع الإسرائيلي. نعم ثمة تلازم بين وجود "إسرائيل" والعنصرية. رغم بعض الملامح والمحاولات والأصوات والأفكار والنقاشات التي تدور في الوسط السياسي الاجتماعي الإسرائيلي ومواقف بعض الكتّاب والمعلقين الإسرائيليين، والتي تنتقد هذه السياسات والممارسات وتدعو إلى اتفاق تاريخي مع الفلسطينيين، فإن النزعة الإسرائيلية هي نزعة عنصرية.
و"إسرائيل" تستفيد اليوم مما يجري في العالم العربي، لتندفع في مشروعها التوسّعي الإرهابي ضد الفلسطينيين في الداخل. تخشى الوجود الديموغرافي الفلسطيني. تريد قتل الناس أو تهجيرهم، ف"إسرائيل" دولة لليهود في نظر العصابة الحاكمة اليوم.
وإذا اتفق الفلسطينيون ارتفع منسوب الحقد الإسرائيلي، وازداد الحصار والقصف والخراب والدمار. وإذا اختلف الفلسطينيون استفادت "إسرائيل"، استضعفت الأطراف المختلفة، وادعت أن ليس لديها شريك للتفاوض والبحث عن حل. وإذا اختلف العرب استفادت من ذلك وإذا اتفقوا – وهو أمر صعب – استفادت أيضاً. فكيف عندما ترى العرب منقسمين إلى هذا الحد؟ وكيف عندما ترى الجيوش العربية الأساسية القوية في دول المواجهة منشغلة في هموم أنظمتها الداخلية، وهي تتولى قمع أبناء شعبها والانتقال من مدينة إلى أخرى في الداخل في مواجهة الناس بغض النظر عن الأسباب والخلفيات والمبررات التي تُقدم؟
أليس في كل ذلك إضعاف للقضية الأم، وللانتماء الواحد الذي يربط أبناءها؟
وكيف إذا رأت "إسرائيل" أن المواقف المتباعدة تكاد تكون قد وصلت إلى نقطة اللاعودة في علاقات الدول العربية ببعضها بعضاً؟ فتأتي هي لممارسة سياسة الابتزاز على الجميع. لأنها تتصرف على أساس أن الجميع في النهاية هم بحاجة إلى كلمتها أو تأثيرها في هذا الاتجاه، أو ذاك مباشرة أو عبر القنوات الدولية وعلى مستوى مراكز القرار في العالم من واشنطن إلى موسكو والصين، وإلى الغرب عموماً.
وفي دائرة لعبة المصالح هذه تبدو "إسرائيل" عنصراً مؤثراً ومهماً. وبالتالي فهي تنظر بكل ارتياح إلى ما يجري في العالم العربي من أحداث وفوضى وقتل وحروب وانقسامات وتحذيرات من فتن مذهبية تبدأ ولا تنتهي ومن تطرف وانغلاق وجهل وفقر وعدم استقرار اجتماعي وأمني وسياسي هنا وهناك، وتنتظر الساعات، في كل الساحات. وتتفرغ لأولوية الأولويات القضية الفلسطينية. الشعب الفلسطيني. والسعي إلى السيطرة على أرضه وإسقاط حقه.
الفلسطينيون مساكين، سيدفعون أثماناً إضافية جديدة. ستكون تسويات، ومعارك على ساحتهم وخارجها، على حسابهم. ولكن ذلك لا يسقط ثابتاً أساسياً. أن حقهم لن يموت ولن تتمكن "إسرائيل" من الاستمرار في هذه السياسة تجاههم إلى ما لا نهاية.

نقلا عن المركز الفلسطيني