مشاهدة النسخة كاملة : إن قسوتُ فلي شفيع (محمد ولد محفوظ)


أبو فاطمة
02-11-2012, 08:24 PM
إن قسوتُ فلي شفيع (محمد ولد محفوظ)

سامحني أيها المجتمع العزيز، وتحمّل قسوتي عليك مرة واحدة، فإنّ لقسوتي شفيعا وهو أنّي تحمّلت قسوتك عليّ آلاف المرات.
أنا لن أتهمك بالجبن كما اتهمتني، ولن أطعن في شرفك كما طعنت في شرفي، ولن أصفك بالكذب كما وصفتني، وحاشا أن ألصق بمقامك المحترم أوصافا لا تليق كتلك التي ألصقتها بي مثل الحمق والشره واللؤم والشؤم...
ولكني على كل حال سأقول بأني أتحدّى أعرافك البالية، وأكفر بقيمك الاجتماعية المفلسة، ولا أومن بقبليتك السقيمة ولا بطبقيتك المتعفّنة، وسأقول بأنّك لا زلت تشبه المجتمع البدائي تراتبية وعصبية، وأنّك لم تستوعب بعد منطق العصر ومتغيراته، والأدهى من ذلك أنك لم تهتد بعد إلى الصيغة المثلى التي تجعلك تحكّم الدين الإسلامي السمح في واقع حياتك الاجتماعية، ما دامت لا تنسجم مع الوظيفة الاجتماعية لهذا الدين النبيل، وهي وظيفة تقوم على أسس العدالة والإخاء والمساواة والندّية بين جميع المسلمين.
فهل عرفتني الآن؟ أكاد أجزم بأنّك قد عرفتني، فهل يشاطرني في تلك الأوصاف المهينة التي تصفني بها غيري؟ أنا الصانع التقليدي، أنا من مدحه الآخرون بعبارة "امعلم" وذممتني أنت بها، أنا من شتمته فصبر، واحتقرته فغفر، وتنكّرت له ولدوره وتاريخه فما خان وما غدر.
أيّها المجتمع العزيز لطالما كنتَ أنت الجلاّد وأنا الضحية، وكنتُ في علاقتي بك كطائر الفينيق يشتعل ـ وأنت من أشعله ـ لينتفض من تحت الرماد مردّدا:
بلادي وإن جارت عليّ عزيزة وقومي وإن ضنّوا عليّ كرام
ولكنني اليوم سأنتفض انتفاضة أخرى مدافعا عن وجودي، منتصرا لكرامتي التي أهدرتها على مرّ السنين، لا لشيء إلا لأنني أحببتك وأخلصت لك وخدمتك بيدي، فما قابلت إحساني إلا بالإساءة!
فيا مجتمعي العزيز كفى، لقد تجاوزت الحد في ذمي، لقد قلت فآلمت وانتقدت فأوجعت، فهل لديك دليل مادي تثبت به صحة كل ما ادعيته في حقي فخدشت به كرامتي ورسّخت به دونيتي، هل لك دليل على خيانتي لك، أو كذبي عليك، أو شؤمي أو لؤمي أو تركي لواجبي نحوك، أو تفريطي في حقك عليّ، هل عندك من براهين حسية على أني من طينة أخرى أومن عرق أدنى؟ أم هي محض افتراءات وخرافات وطعون وظنون؟.
لكنّ لديّ ألف دليل على أني وقفت معك في السرّاء والضرّاء، فلولاي ما انتصرت في معركة على هذه الأرض، فأنا من أمدّك بالسيوف والرماح والدروع والمدافع، ووقف معك وقفة رجل واحد في حومة الوغى يذبّ عن هذه الربوع الطاهرة. لولاي ما كان لك من بقاء على هذه الأرض الطيبة وما استطعت التكيّف مع ظروفها الصعبة، فأنا من أعطاك الرحل والسرج والتابوت والفأس والمنجل... لولاي ما اتخذت ظهور العيس مدرسة، فألواحي هي التي نهلت منها معين العلم الذي لا ينضب. إن عندي ألف دليل على أنّي انبجست من طينتك العربية وشربت حتى الثمالة من عقيدتك الإسلامية، وفوق هذا وذاك فقد كان مني العلماء ككل الناس والفضلاء ككل الناس والأتقياء ككل الناس والأوفياء ككل الناس، وأنت تجاهلت كلّ ذلك فحكمت عليّ معمّما بأحكامك الجاهزة الباطلة التي لا أصل لها إلاّ في مخيّلتك الخرافية فقلت: "لا خير في الحدّاد ولو كان عالما". فانتحلت القول وأسأت التقدير.
هل تعرف يا مجتمعي العزيز، يا من لم تعرف بعد ـ للأسف ـ كيف ترد على إحساني بالمثل ـ كم مرة فكّرت في قول الشاعر:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خاف القلى متعزّل
فما ردّني عنها إلا ثرى الآباء وصلة الأرحام وعيون الأبناء، ولكن إلى متى سأظل مهانا في بلادي، بناء على الأوهام والخرافات، أما لهذه المهزلة من نهاية؟
فيا أيّها المجتمع الموريتاني المسلم أما آن لهذا الزيف أن يتوقف؟ ألم يان لهذا المجتمع الذي يدّعي الإسلام بالمطلق أن يحترم على الأقل مبادئ الإسلام، ما دامت عصبيته الجاهلية تمنعه من أن يطبّق تلك المبادئ في واقع حياته؟ إنّ مبادئ الإسلام واضحة: ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، كلكم لآدم وأدم من تراب، وقل للناس حسنا، دعها فإنّها منتنة...) أليست هذه هي مبادئ الإسلام ومنطلقاته؟ أم أن ثقافة الإسلام عندك أيّها المجتمع الموريتاني لا تعدو أن تكون مجرّد شعار لا يجد طريقه إلى واقع الحياة؟.
لعمري إن العصبية الجاهلية قد أعمت بصيرة هذا المجتمع في كثير من مناحي الحياة عن أن يخضع لتعاليم الإسلام، وجعلته يدافع عن عصبية جاهلية وثقافة خرافية أكثر مما يدافع عن مرتكزات الإسلام وتوجيهاته.
لكنّ عليك أن تعرف أيها المجتمع الموريتاني بمرجعيتك الاجتماعية (القبيلة) وما يعشّش فيها من تقاليد بالية، وسلطتك الدينية (الفقيه) الذي يتخيّر من الدين ما يناسب هواه، ومؤسستك السياسية (الدولة) التي لا تحرّك في موضوع الظلم والغبن الاجتماعي ساكنا. على الكل أن يعلم أن الصانع التقليدي في هذه البلاد قد امتهنت كرامته واستبيح شرفه في الماضي وسكت، ولم تراع معه صلة القربي ولا الرابطة الدينية أو التاريخية أو الوطنية أو حتى الإنسانية وسكت، ولكنّه اليوم لن يسكت على مزيد من الذل والهوان، وقد صدق الشاعر إذ قال:
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل
وعلى هذا فلا بد أن يعيد المجتمع الموريتاني اليوم إلى الصانع التقليدي كرامته كاملة وحقوقه كاملة واعتباره كاملا غير منقوص.
على الكلّ أن يعلم أنّ للظلم حدودا وأن للاحتقار حدودا وأن للصبر كذلك حدودا ، فالضغط الاجتماعي لا يولّد إلا الانفجار، والانفجار حين يحدث في مجتمع شديد التماسك ينهار، فماذا حين يكون المجتمع في الأصل ذا تركيبة هشّة؟.
فيا مجتمعي العزيز مهما تجبّرت وتكبّرت وتنكّرت، فأنت أنا، وأنا أنت، هواني هوانك، وشرفي شرفك، ونحن من طينة واحدة، أنا الصانع التقليدي جزء لا يتجزّأ منك، أساويك وأكافئك في كل شيء، في الدين والنسب والتاريخ والعرض والشرف، فكفى استهانة وتهكّما وتنكرا.
أما أنت أيّها الصانع التقليدي فنصيحتي لك أن تنتفض اليوم لكبريائك، فما ضاع حق وراءه طالب، فعبّر عن ذاتك وافتخر بتاريخك، عليك أن تصيح اليوم بملأ إرادتك: أنا امعلم، وقد كان أبي كذلك وجدّي، فما العيب؟ العيب ليس في هذا، بل العيب كل العيب في هذه الثقافة الاجتماعية الهزيلة التي لا أصول لها لا في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع ولا حتى عند كل الشعوب التي هي أعمق أو أضعف منا وعيا أو تلك التي هي أكثر أو أقلّ منا حضارة، العيب كل العيب في هذه الثقافة الاجتماعية البالية التي أنشأتها عقول بائسة، وتشرّبت منها قلوب مريضة.
العيب كل العيب في هذه التراتبية الاجتماعية الزائفة والتي ما أنزل الله بها من سلطان، هذه التراتبية التي بنى عليه المجتمع نظامه المترهّل. العيب كل العيب في تزييف التاريخ لإعطاء بعض الناس أكثر مما يستحق، وحرمان بعضهم الآخر أقل مما يستحق.
فلتنتفض اليوم أيها الصانع التقليدي الطيب وشعارك "لا ظلم اليوم، أريد كرامتي كاملة، ولتسقط ثقافة المجتمع الخرافية، وليتحطّم نظام القبيلة الهمجي.

نقلا عن الأخبار