مشاهدة النسخة كاملة : للإصلاح كلمة: حول موقف الهيئات المسيرة وارتفاع الأسعار (محمدو ولد البار)


أبو فاطمة
02-10-2012, 09:25 AM
للإصلاح كلمة: حول موقف الهيئات المسيرة وارتفاع الأسعار (محمدو ولد البار)

كلمة الإصلاح هذه المرة تريد أن تجتمع بالرأي العام الموريتاني لتناقش معه مسألتين يعيشهما الشعب الموريتاني الآن، وهذا الاجتماع يجب أن يكون في غياب كل من رئيس الجمهورية والوزراء والأغلبية بجناحيها والمعارضة بطرفيها كذلك، وبعض المنظمات التي وجدت نفقا مظلما في حياة بعض الموريتانيين فخطت لنفسها طريقا تعيش بها من إضاءة ذلك النفق المظلم وإن كان بشتى الطرق، وكذلك أيضا بغياب سكان أضواء الطرق لسؤال ما يعيشون به.
كل هذه الهيئات خطت لنفسها طريقا للعيش كل حسب طريقه الخاصة به في هذا العام شبه العقيم بالأرزاق.
وهذا الاجتماع مطلوب منه أن يناقش فيه الرأي العام قضيتين يعيش الشعب الموريتاني مأساتهما.
الأولى منهما: هو تحليل مواقف الهيئات التي تسير البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وبصورة ملخصة السلطات التنفيذية والتشريعية بالإضافة إلى محترفي السياسة من الأحزاب والبرلمان.
والثانية: هي قضية ارتفاع الأسعار كل الأسعار والجفاف وتهديم البيوت أمام أعين ساكنها في بعض المقاطعات، وفي هذه السنة القاحلة الجرداء الجدباء سنة الرمادة.
وأول ما يناقش هذا الرأي العام هو موقفه والحالة هذه عند الانتخابات التي هي على الأبواب إذا استطاعت الدولة إجراءها هذه السنة.
ففي المسألة الأولى التي تعنى الهيئات الأعلى في الدولة فإن موريتانيا أصبحت نشازا في جميع الدول القريبة منها والبعيدة.
فشعوب العالم أصلا إما أن تحكمها دكتاتورية مطلقة تقمع بشدة كل من أراد الخروج عليها ولكن عندها حكومة تسير بكفاءة الحياة المدنية حسب تخطيط محكم ومنظم أصلا لا يحتاج لأوامر وسلطته لا تخاف من أي إجراء تتخذه.
ودائما يكون عندها برلمان انتخب تزويرا وحزب كذلك تكون من تعيين خاص ولكن الجميع يعرف الأصلح في التسيير وينتخب من شاء ويقرب من شاء ويمتلك تفويضا لذلك من الدكتاتور المطلق ويعد ويمنى باسمه.
وإما أن تكون حكومة ديمقراطية بمعنى الكلمة والرئيس لا يعنيه فيها إلا العلاقات الخارجية ومصالح الرئاسة وأمن الدولة، وجميع دفة الحكم الأخرى تديرها حكومة مستقلة في تصرفها عن الرئيس فهي المسؤولة مباشرة عن قطاعها وكل خلل فادح وقع يستقيل فيه المسؤول من تلقاء نفسه دون أن يقال لأنه يشعر أن الخلل من عمله هو وليس من توجيهات الرئيس النيرة أو المظلمة.
إلا أن الواقع في موريتانيا لا من هؤلاء ولا من هؤلاء لا من سلطة دكتاتورية مطلقة يسيرها رجال اكفاء يعرفون تسيير الحكومات المدنية كل في اختصاصه ولا من سلطة كذلك ديمقراطية مطلقة لا تتدخل للوزراء في التسيير ولا للبرلمان في صلاحيته ولا للقضاء في تسيير شؤونه، بل الشعب الموريتاني تحكمه دكتاتورية عسكرية مهنية مقننة الأوامر أصلا ولكن لجزء واحد من الشعب وهو العسكر فهي لا تصلح إلا له لأن مهنته لا تتحمل التفاوض ولا المناقشة وتعتمد على الطاعة العمياء مادتها الأولى الأوامر تصدر من الأعلى للأسفل ومادتها الثانية نفذ أولا وأسأل بعد ذلك أو لا تسأل.
فالدكتاتورية العسكرية هذه لا يعتقد صاحبها أنه دكتاتوري والشعب لا يرى في تسييره دكتاتورية لأنه بعيد من تسيير حياته اليومية .
فإذا نقل أي رئيس هذه الدكتاتورية إلى حكومته المدنية وإلى حزبه المدني وأصبح الجميع لا ينفذ شيئا إلا بالتوجيهات النيرة لفخامة الرئيس، والرئيس لا يمكنه أن يسير كل شيء ويكون الوزير يعلن على الملأ أن كل شيء على ما يرام بناءا على توجيهات الرئيس ويقول في السر أنه ليس له من الأمر شيء فتصبح حياة الشعب إذن في مهب الدكتاتورية العسكرية.
والدكتاتورية العسكرية لا تصلح إلا للعسكر والعسكر لا يصلح إلا لها ولذا فإن المهنية الوطنية في التسيير ذهبت مع الحكومة المدنية الأولى فلو كان عسكري يصلح لتسيير المهام المدنية في العالم الثالث مهما كانت طيبوبته لكان الأولى بذلك محمد خونه ولد هيدالة فقد أنجز هذا الرجل للشعب الموريتاني بتـقنينه للحكم الجنائي الإسلامي، الذي ما زالت مواده موجودة بين يدي القضاء- ما لم ينجزه أي قائد إسلامي من الحكومة الأموية وحتى الآن فالرجل أعفي الشعب الموريتاني من المسؤولية الأخروية عن تقنين حكم الله على عباد الله وترك مسؤولية الحكم الأخروي على القاضي ومسؤولية التنفيذ على الرئيس ومع ذلك كله لم تسلم مدته من مشاكل أدتها عسكريته.
فمشاكل التعليم الآن والداخلية والخارجية والشؤون الإسلامية والإسكان والتنمية..الخ القائمة لا تناقش مع الفنيين فيها لأنه لا سلطة لهم تنفيذية في شأنها وإذا نوقشت تكون المناقشة خجولة وغير متكافئة.
وعندما نعود إلى السياسة فسنجد حزبا اسمه الحزب الحاكم وهرع إليه أولا كثير من الأشخاص ليكونوا في الأغلبية ويظنون أن الأغلبية ما زالت على فطرة معاوية التي فطر الأغلبية عليها وهي اكتساب الجماهير عن طريق الزعماء القبليين المسؤولين في الحزب الذين تحول لهم -ولهذا الغرض بالذات- المساعدات الدولية في المشاريع ومن لم يتوفر له ذلك فعلى رجال الأعمال المفتوح أمامهم أسباب الغنى التجاري أن يوفروا له ما يكسب ولاءهم للحزب الحاكم إلا أن ذلك كله طارت به في الجو عنقا مغرب فلا أعاد الله هذا الأسلوب من الحكم.
فرجال الأعمال الآن أصبحوا من فئة فقراء الأغنياء يخافون على بقية أموالهم كخيفتهم أنفسهم.
ولم يكن كل ذلك ناتجا عن عدم كفاءة رئيس الحزب ولا عدم أمانته وإخلاصه وصدق لهجته إلا أن حسن الخلق ودماثة الأخلاق وجميع الأوصاف الحميدة لا تقنع الأغلبية بملئها للجيوب وحدها ولذا فإن الأغلبية أصبحت معارضة داخل الأغلبية وخارجها وأصبح يتمثل فيها ما يقال عن الحشرات إذا رأت النار في الظلمة سارعت إليها تظنها نورا وعندما تصلها وتحرقها ترجع عنها بأسرع من إقبالها عليها.
أما المعارضة فقد حاول بعضها أن يسبر غور هذه الدكتاتورية العسكرية ليقربها من الديمقراطية التي تكون فيها الكلمة العليا للبرلمان والأحزاب السياسية والرأي العام الوطني إلا أن عدم معرفة الدكتاتورية العسكرية لهذا السلوك جعلها تمتنع عن الموافقة على ما هو جوهري في الديمقراطيات ظنا منها أن ذلك سوف يفلت قيادة الشعب من يدها، وعندئذ رضيت المعارضة المحاورة بحصيلة جهادها الذي لم يرض المعارضة الممانعة، فأصبح الوضع السياسي في البلد هكذا.
أغلبية تفضل المعارضة ومعارضة تفضل الأغلبية، وعندنا حكومة تصدر إليها أوامر في التسيير وتصدر هي نفس الأوامر الصادرة إليها إلى منفذها فلا مفاوضة ولا تحوير ولا مناقشة لتلك الأوامر لخوف الجميع من نظام الدكتاتورية العسكرية الذي لا يسبقه استفسار ولا إنذار ولا توبيخ بل ضربة قاضية لا علاج لآثارها.
وهنا على الجميع أن يدرك أن هذه الدكتاتورية هي مجرد دكتاتورية عسكرية مهنية لا تأتي إلا بالشر دائما وليست دكتاتورية سياسية تبطش بكل من وقف أمامها.
فدكتاتورية موريتانيا العسكرية المهنية لا سجين فيها سياسي إلا عن طريق القضاء ولا قمع فيها إلا بقدر إرجاع الهدوء والسكينة إلى الشارع ولكن مع ذلك لا تتـزحزح قيد شبر عن ما تعتقد هي أنه الأصلح.
والحقيقة التي لا شك فيها أنها أحدثت كثيرا من الإصلاحات ولا سيما في إدخال المال العام في الخزينة والمحافظة عليه هناك من يد خارجية وإحداث كثير من البني التحتية التي لا غنى عنها لأي دولة عصرية.
فهذا لا ينكره لهذه الدكتاتورية العسكرية إلا مكابر وفي المقابل فإن من يقول إن الوضع تحسن في أي قطاع غير قطاع المالية أو في البني التحتية أعلاه مثل الصحة والتعليم والتجارة والإسكان الخ أو بعبارة هي أقرب للاختصار والأهمية فإن الوضع المعيشي للسكان لا سيما الفقراء تدهور إلى الدرجات الأخيرة للحياة بالإضافة إلى هزال تسيير الوزراء لمسؤولياتهم لأنهم كما يصرحون للخصوصيين ليس لهم من الأمر شيء.
فمثلا الصحة لم يطرأ عليها تحسن إلا في حصولها على بعض الأجهزة المتطورة ولكن ليت هذه الأجهزة تكون تفعل بدون فاعل ولكن الفاعل ما زال دائما مرفوعا ومن يظن غير ذلك فليذهب إلى الحالات المستعجلة ليسألهم ما هي معاملتكم مع الفقير إذا جاءكم في حالة مستعجلة وليس عنده ما يعطيه عند باب المستشفي؟ فالإجابة الصريحة الوقحة ليس هنا شيء مجاني إذا رأيت من يكلمك.
أما الإدارة فإنها أصبحت أبعد بكثير من المواطنين وعند المجمع الوزاري الخبر اليقين في ذلك.
فالوزير والأمين العام هما اللذان عندهما مشاكل وزارتهما ومن يريد أن يتقابل مع أحدهما فلا بد أن يكون قد أعطياه موعدا لذلك ومن أين له هذا الموعد الذي لا بد من العلم به مسبقا وهكذا.
أما الإدارة الإقليمية فإن وضعها أصعب بكثير فما زال الانفصال التام بين السلطة الإدارية وأعوانها من الأمنيين وكل رؤساء المصالح من بيطريين وأصحاب الأسعار والممرضين إلى آخر القائمة المسيرة لمشاكل المجتمع.
وما زالت وزارة الإسكان تفتح شوارع الضعفاء والأقوياء يغلقون الشوارع حتى في الأحياء الراقية إذا كانت موجودة فالمراقبة من أي سلطة يعينها الأمر تساوى صفر.
هذه الصورة التي نحن فيها أمام الانتخابات المنتظرة ولاشك أن جميع هؤلاء المنتخبين جاءت بهم صناديق الاقتراع فعلى المواطن أن يفكر عدة مرات قبل أن يلقي بطاقته الناخبة في الصندوق هل سيجد نتيجتها في الدنيا وقد شاهدنا عمل أهل الدنيا أم سيطلب منها شيئا آخر قد يحتاج له في ساعة أخرى.
أما المسألة الثانية: التي على الرأي العام الخاص أن يناقشها لأنه المستهدف بها فهي ارتفاع الأسعار كل الأسعار والجفاف وتهديم البيوت أمام أعين ساكنها في بعض المقاطعات.
فجميع الدول قد ترتفع فيها الأسعار ولكن لا تكون مثل الكوارث الطبيعية لا يوجد أي أحد مسؤول عنها .
فالمواطن يترك السلعة المصيرية لحياته بسعر كذا فيصبح وقد زاد ثمنها بنسبة معتبرة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون مثل فاجعة الموت ولكن هذه عندها المواساة والتعزية ولكن كارثة الأسعار لا مواساة ولا تعزية فلو كان وزير التجارة في حكومة مستقلة التفكير لأعلن قبل الزيادة عنها وذكر المبرر.
وفي التعليم إذا وقع أي اختلال في التعليم أو إضراب أو ضعف مستويات يكون الوزير المعني يعرف الأسباب ويعالجها ويشرحها للمجتمع ويتحمل شخصيا المسؤوليته عنها ولو أدى ذلك إلى استقالته، هذه هي طريق التسيير العادي.
أما نحن فأكبر مثال على عمل هذه الدكتاتورية العسكرية المهنية هو ما تفعله الآن وزارة الإسكان فقد صدرت إليها الأوامر بتخطيط الأحياء العشوائية، ومن المعروف أن سكان هذه الأحياء هم فقراء لجأهم الفقر إلى السكن في هذا النوع من المساكن ويختلف بعضهم عن بعض فبعضهم يملك رخصا من الحكومة بناءا على تخطيط سابق وهؤلاء يمنع الدستور هدم بيوتهم لأن الدستور يقول إن الدولة تحمى الملكية الخاصة وهو تملك خاص معوض من طرف المواطن.
وبعضهم ليس عنده رخصة ولكنه ضعيف جدا بحيث لو هدم بيته لبقي في العراء لا رزق ولا سكن ويجب في هذه الحالة على المسلم دراسة كل حالة بعينها لأن تعويض قطعة أرض لا ماء فيها ولا مرعى فهي بمثابة الرحيل إلى القبر والشخص ما زال حيا فبما أن الله لا عبرة عنده بأوامر دكتاتورية أهل الدنيا فإنه سوف يحاسب الرئيس ويحاسب الوزير ويحاسب الرجال المشرفين على الهدم ويحاسب قائد الجرافة والحاكم والعسكريين المرافقين كل واحد منهم سيحاسب على كل بيت أو منزل هدم وعن حالة أهله الخاصة بهم (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون) وطبقا لقوله تعالى (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين والوزن يومئذ الحق).
فلو كان الشعب الموريتاني يعيش الديمقراطية المطلقة وهي التي يتيقن فيها الفاعل أنه مسؤول عنها شخصيا غدا بين يدي الله لكان كل وزير يشرف شخصيا على تنفيذ ما أسند إليه من مهام تتعلق بالشعب ولا رجوع فيها لأوامر الرئيس ولا تمسك بحرفيتها بل يفعل فيها الأصلح ولو أدى ذلك إلى إقالته في الدنيا.
ومن هنا نصل أيضا إلى السلطة التشريعية في بلادنا لمناقشة دورها في مصالح المجتمع لتشخيص ما تقوم به هذه السلطة.
فهذه السلطة في ظل الدكتاتوريات المطلقةـ ونحن ولله الحمد دونها بنوعية دكتاتوريتنا ـ امتداد فقط للسلطة التنفيذية لأن دور السلطة التشريعية هو مناقشة القوانين وهذه السلطة التشريعية داخلها من النواب ما هو امتداد للسلطة التنفيذية يضمن لها تمرير قوانينها بمعنى أن مرور القوانين بالسلطة التشريعية لا معنى له في حكم الدكتاتوريات المطلقة كذلك الدكتاتوريات العسكرية، فبرلماننا لا يختلف فيه نواب الأغلبية والمعارضة في النتيجة الأخيرة.
فنواب المعارضة يكتفون في أداء مهمتهم باستجواب الوزراء وهذا الاستجواب لا ينتج رجوع الوزير عن ما يلاحظ عليه بل ينتج عنه التنابز بالألقاب وما يتبع ذلك من المشاكسة لأن الوزير لا يمكنه التراجع عن أفعاله لأنه ليس له من الأمر شيء فلو صدقهم لقال لهم أولا وما فعلته عن أمري.
فلو كان نواب المعارضة اكتفوا بإنشاء لجان من النواب يدرسون جميع مشاكل الشعب من ارتفاع أسعار وأسبابه ويذهبون إلى مكان الترحيل ويقفون على تهديم البيوت أمام أعين صاحبها ويشاهدون كيف يعمل المشرفون على هذا الهدم من حكام وحراس إلى آخر قواد معارك هدم بيوت الشعب في تلك الساعة لكان عندهم من القول ما يسمعه الشعب منهم ويركن إليه ويعرف على الأقل أن وضعيته معلومة عند السياسيين في البلد الذي انتخبهم وكذلك يرسلون بعثات منهم لنقل حالة المنمين وما فعل بهم الجفاف وما هو التقصير الواقع من السلطة في شأنهم وهل وضعيتهم الآن أصبحت تشبه وصول الطبيب بعد الموت إلى آخر ذلك.
كل هذا يجب على الرأي العام الموريتاني ولا سيما فقراءه وما أكثرهم هذه السنة أن يناقشوه ويصدروا فيه موقفا قبل فوات الأوان عندما يصبح المواطن وجها لوجه مع ربه في شأن بطاقة انتخابه كما قال تعالى (ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين).

نقلا عن الأخبار