مشاهدة النسخة كاملة : حراك إقليم أزواد الجديد: عوامل النجاح ومزالق الفشل (أحمد ولد محمد المصطفى)


أبو فاطمة
02-10-2012, 09:03 AM
حراك إقليم أزواد الجديد: عوامل النجاح ومزالق الفشل (أحمد ولد محمد المصطفى)

دخل الصراع الدائر في منطقة أزواد قلب الساحل الملتهب مرحلة جديدة خلال الأسابيع الأخيرة، وتكاتفت أسباب عديدة لتوسيع تأثير هذا الحراك، داخل الإقليم محل النزاع وخارجه، ووصل تأثيره بشكل متفاوت إلى دول الجوار.
ويعتبر التحرك الأزوادي الحالي هو سادس تجربة تحررية في تاريخ الإقليم الطامح للانفصال عن دولة مالي، حيث سبق لخمس محاولات أخرى بارزة أن تحطمت أو ذابت أو أذيبت بعد أن قطعت مراحل في طريق التحرر وقدمت أرواحا وضحايا ومشردين بالمئات إن لم يكن بالآلاف. (اعتمدت الحركة الجديد وثيقة مفصلة عن هذه التجارب التاريخية صدرت في 13 مارس 2010 حاولت من خلال سردها اكتشاف أخطاء التجارب لتفاديها).
ويأتي الحرك الأزوادي الجديد وسط تطورات كبرى تعرفها المنطقة خصوصا، والعالم أجمع، مصحوبا بطموح لدى الحركات الساعية للانفصال خلفه حدث انفصال جنوب السودان خلال العام الماضي، مدعوما ميدانيا بسلاح وفير ومتطور، أساسه التركة الثقيلة للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، ومجموعة من المحاربين أغلبهم تدرب في الجيش الليبي وعاد بعتاده بعد أن نجحت "حملة الحركة الوطنية الأزوادية في إقناعهم – أو تذكيريهم- بالهدف الذي هاجروا من أجله إلى ليبيا، وهو "تحرير" منطقة أزواد من "الاحتلال" المالي كما تقول أدبيات الحركات الأزوادية.
التاريخ النضالي الأزوادي يقول إن أول حراك تحرري يعرفه الإقليم كان ضد الاستعمار الفرنسي في خمسينيات القرن العشرين، واعتمد في الأساس على الشخصيات القبلية والقيادات التقليدية، وقادت هذه الشخصيات عمليات جهادية نوعية في منطقة أزواد عجلت برحيل الاستعمار عن المنطقة ككل.
ويتهم الأزواديون الاستعمار الفرنسي بتعمد ضمهم إلى دولة مالي الناشئة حينها، والتي كانت تعرف حينها باسم "الجمهورية السودانية" معتبرين أن الفرنسيين أرادوا من خلال تلك الخطوة إبقاء نفوذهم في المنطقة، واستخدام كل طرف ضد الآخر ليبقى الاستعمار هو الحكم، ويضمن ذلك الحضور المؤثر في المنطقة الإستراتيجية.
حراك الإقليم تاريخيا
كان أول تشكيل سياسي أزوادي ما بعد رحيل الاستعمار الفرنسي هو الحركة الشعبية الأزوادية، والتي تشكلت في ستينيات القرن العشرين، واعتبرت هذه الحركة أن الحكومة المالية تتعمد إهمال منطقة أزواد، داعية إلى استقلال الإقليم احتراما للمعطيات التاريخية حيث كان مستقلا، وتحقيقا للمصالح الآنية حيث تم تهميشه لصالح المناطق الشمالية.
فشلت الحركة الشعبية الأزوادية في تحقيق الاستقلال، لكنها وفرت للأزواديين تجربة استفادوا منها في التجارب اللاحقة، خصوصا وأن الحركة الأولى كانت في عمقها حراكا قبليا، ولم يأخذ حقيقة النضال "الوطني"، كما لم تكن أطرافه موحدة الأهداف والغايات، حيث كان بعض قادتها يعلن مطالبه الانفصالية ودعوته الصريحة للاستقلال، في حين كان بعضهم يحافظ على سقف أقل ارتفاعا، ويعلن رضاه باتحاد كونفدرالي، أو التحضير لنوع من الحكم الذاتي يضمن استفادة منطقة أزواد من عائدات البلاد المالية، ويساهم في تنميتها. وقد انتهى هذا التحرك تحت وقع عمليات القمع الشديد التي قام بها الرئيس المالي حينها موديبو كيتا.
ثلاثة عقود بعد ذلك كانت كافية لإنضاج الظروف لإطلاق تجربة أزوادية جديدة تمثلت في ظهور أول جبهة تعلن عن نشاطها العسكري، وكان ذلك في العام 1990، وحملت اسم "الحركة الشعبية لتحرير أزواد"، وقادها إياد أغ غالي (ينتمي إلى الطوارق وخصوصا قبيلة انفوغار).
ولم تلبث الحركة الأم أن عانت من انشقاقات ولدت حركات جديدة، كان من أبرزها:
- الجبهة الشعبية لتحرير أزواد ومن أبرز قادتها عيسى أغ سيد محمد.
- الجيش الثوري لتحرير أزواد بقيادة عبد الرحمن كلا.
- الجبهة العربية الإسلامية لتحرير أزواد، ومن أبرز قادتها الذهبي ولد اميا، وأحمد ولد سيد محمد.
وكان الطابع القبلي والتنازع العرقي بين مكونات إقليم أزواد من الطوارق والعرب أبرز أسباب هذا التناسل المتصارع داخل حركات التحرر الأزوادية، حيث يتشكل الإقليم من قبائل عربية غالبيتها في الناحية الشمالية والغربية من إقليم أزواد، وقبائل طارقية في الشمال والشرق من ذات الإقليم.
وقد استطاعت هذه الحركات رغم خلافاتها وانشقاقاتها أن تكبد القوات الحكومية المالية خسائر فادحة، كما سيطرت على مناطق واسعة من الإقليم، وأحكمت قبضتها على عدة مدن فيها.
وقد دفع نشاط هذه الحركات المسلحة وإربكاها للجيش النظامي المالي إلى مواجهتهم بسلاح شبيه بسلاحهم حيث كونت ميليشيا محلية عرفت باسم "غندغوي" وتعني بلغة الصنغاي "ملاك الأرض" وكانت أغلب هذه المجموعات المسلحة من أبناء المجموعات الزنجية القاطنة في المنطقة، وخصوصا قومية الصنغاي، ويعتبر الصنغاي هذه المجموعات المسحلة وسيلة للدفاع عن النفس، في حين تتهمها الحركات الأزوادية بالقيام بتصفيات عرقية وإبادات جماعية واغتصاب وغيرها من الجرائم ضد سكان إقليم أزواد من العرب والطوارق، ويشبهون أعمالها ومهامها بحركات الجنجويد في إقليم دارفور في الغرب السوداني.
ظلت مطالب حركات تحرير إقليم أزواد تدور في مجملها حول مطلب الاستقلال مع تفاوت في طرقه، وفي الفترة الزمنية التي يحتاجها، والأسلوب الذي يجب أن يمر من خلاله، وما إذا كان يحتاج لفترة انتقالية أو تجربة حكم ذاتي، أو اتحاد كونفدرالي أو غير ذلك من الخيارات الأخرى التي ظل رد الحكومة المركزية في باماكو عليها هو الرفض جملة وتفصيلا، والإصرار على إبقاء الدولة المركزية مع وعود بتوجيه مشاريع تنموية خاصة إلى الإقليم والتعهد بالسعي للحصول على تمويلات دولية تساهم في تطوير البنى التحتية وتحيي آمال ساكنة الإقليم الملتهب.
وقد توج حراك التسعينات بتوقيع اتفاقية بين أطراف النزاع عرفت باسم المدينة الجزائرية التي وقعت فيها وهي مدينة تمنراست في الجنوب الجزائري، وتم توقيعها في يناير 1991 وتضمنت 13 مادة، نصت على منح "وضع خاص لإقليم أزواد" ولم تلبث أطراف الاتفاق أن عادت إلى الخلاف من جديد، لتوقع لاحقا اتفاقا عرف باسم "الميثاق الوطني" في إبريل 1992، بعده بشهر واحد دخل الطرفان في مواجهات مسلحة خلفت عددا من القتلى والجرحى وآلاف النازحين إلى دول الجوار، خصوصا موريتانيا والجزائر، واستمرت المواجهات بحدة متفاوتة حتى منتصف التسعينات حيث قرر الطرفان العودة إلى بنود اتفاق "الميثاق الوطني" وبموجبه تم دمج عدد من المسلحين الأزواديين في الجيش المالي، كما استفاد قادة الحركات من مناصب سياسية ودبلوماسية.
نال الإقليم حظا من الهدوء النسبي عقدا من الزمن، عاد خلالها عدد من اللاجئين الأزواديين إلى الإقليم، قدرت جهات دولية مهتمة عددهم بحوالي 130 ألف.
لكن الأعوام الأولى من القرن الجديد عرفت تطورات كبيرة في الإقليم حيث عادت إليه حركة السلاح بقوة، وتنوعت مصادره، فقد انزاحت إليه مجموعات مسحلة من الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، واتخذت منه مركزا لتجنيد أفرادها وتدريبهم وقيادة عملياتها، قبل أن تعلن عن تغيير اسمها في يناير 2007 إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بعد نجاح مساعي أميرها الرابع أبو مصعب عبد الودود في الالتحاق بالتنظيم الأم واعتراف قائده أسامة بن لادن بحركته كفرع لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
قبيل ذلك بأشهر قليلة، وفي إبريل 2006 أعلن العقيد في الجيش المالي حسن فغاغا انسحابه من الجيش واصطحب معه 100 مسلح من أفراد كتيبته واحتل بهم مدينة كيدال إحدى أهم ثلاث مدن في إقليم أزواد في شهر مايو من العام ذاته، على وقع تبادل للاتهامات بين الأزواديين والحكومة المالية، حيث تتهمهم الحكومة بعدم الاندماج والإبقاء على "خيوط" للعودة للتمرد، بينما يتهم الأزواديون حكومة مالي بالنكوص عن تطبيق بنود "الميثاق الوطني"، وتهميش المناطثق الشمالية وتعمد تجهيل أهلها وتفقيرهم، وتركها نهبا للعصابات والحركات المسلحة.
إلى السلاح من جديد
تعتبر الحركة الوطنية لتحرير أزواد المكون الأهم والقائد الأبرز للحراك العسكري الذي تعرفه منطقة أزواد منذ حوالي شهر، وتعود نشأة الحركة حسب وثائقها الرسمية إلى الأول من نوفمبر 2010، حيث عقدت أول مؤتمر تأسيسي لها في 31 أكتوبر و01 نوفمبر 2010، وقد انعقد في أكبر مدن إقليم أزواد وأشهرها مدينة تمبكتو.
حملت الحركة عند انطلاقاتها اسم "الحركة الوطنية الأزوادية" واشتغلت على جبهتين أولاهما إقناع الحركات والشخصيات الأزوادية بالانضمام لها في نضالها التحرري، والثانية إقناع المسلحين الأزواديين وخصوصا في الجيشين الليبي والمالي بالانسحاب والانضمام للحركة الجديدة واستجلاب ما أمكن من السلاح.
وقد أثمرت الجهود التي بذلتها الحركة الوطنية الأزوادية حيث انسحب عدد كبير من مسلحي الجيش المالي، كما انضم عدد من منتسبي الجيش الليبي واستجلبوا معهم الكثير من الأسلحة والعتاد. (نص البيان الختامي للمؤتمر التأسيسي للحركة الأزوادية على دعوة الشعب الأزوادي للتوحد، وإعلان دعمها للثورات الشعبية في مختلف مناطق العام، ودعا الشركات والجهات الدولية في الإقليم إلى فسخ عقودها مع حكومة مالي، وهي ثلاث مجالات تعطي تصورا عن حجم ومجال اهتمامات الحركة الجديدة).
في 11 أكتوبر 2011 وقعت الحركة الوطنية الأزوادية اتفاقا مع حركة إبراهيم باهنكا، حيث اكتملت المفاوضات بعيد رحيل المؤسس باهنكا، ليوقع خلفه في قيادة الحركة حمه أغ سيد أحمد، ولينضم لهما محمد أغ ناجم قادما من ليبيا بالرجال والسلاح.
أدت التطورات الجديدة إلى تغيير اسم الحركة القيدم، وأصبحت تحمل اسم الحركة الوطنية لتحرير أزواد وتم توزيع الحقائب القيادية بين الزعماء، وفي السابع عشر يناير رأت الحركة أن رسائلها الحوارية مع الحكومة المالية لم تلاق الصدى المطلوب ولا المأمول لتعلن فعليا العودة إلى السلاح لتحرير إقليم أزواد، من خلال هجوم سريع على مدينة "مينكا" حيث نجحوا في السيطرة عليها في ظرف وجيز، وواصلوا الزحف باتجاه مدن أخرى لتسقط "اتساليت" ثم "تيسيت" فليرة... وغيرهم من مدن المنطقة.
ومع تطور الأحداث خلال الأسابيع الأخيرة، ودخول مواجهات الطرفين مرحلة جديدة، وبدء موجات النازحين في الرحيل باتجاه دول الجوار، فضلا عن دخول هذه الدول على الخط، من خلال وساطات أو انحياز لهذا الطرف أو ذاك، يكون من اللازم محاولة قراءة الأحداث قراءة متأنية لمعرفة فرص نجاح الحراك الجديد، وأهم نقاط قوته، فضلا عن التوقف عند المخاطر المحدقة به، أو مزالق فشله.
رباعيات النجاح
للحراك الأزوادي الجديد عوامل نجاح عديدة، يمكن للأزواديين الاستفادة منها للوصول إلى أبعد مدى ممكن في طريق تحقيق مطلبهم في الاستقلال، ضمان تنمية وازدهار إقليمهم ذي الموقع الحساس.
وأهم هذه العوامل:
أولا: رياح التغيير وثورة الإعلام: لعل من أهم العوامل التي يمكن أن يستفيد منها حراك الأزواديين هي رياح التغيير والتحرر التي تهب على العالم العربي، فضلا عن ثورة الإعلام، والدور الكبير "لإعلام المواطن" خلال الحقبة الحالية، وستكون يقظة الشعوب وحراكها الحقوقي في صالح الحراك الأزوادي إن أحسن تسويقه، ووجد من "يرافع" عنه فوق المنابر الإعلامية في عالمنا الجديد.
وتشير الأساليب الأولية للحركة الوطنية لتحرير أزواد إلى استحضار هذا النموذج، حيث اعتمدت أسلوب الرسائل التحذيرية والمطلبية إلى الحكومة المالية، كما نظمت –ولا تزال تنظم- تظاهرات في كبريات القرى في منطقة أزواد، ويواكب الإعلام الأزوادي هذه التظاهرات من خلال صفحات التضامن على فيسبوك والمواقع الإلكترونية الأزوادية.
وقد يكون الدرس السوداني الجنوبي من الدروس المهمة لأطراف هذا النزاع المتجدد، خصوصا وأنه يشكل نموذجا ماثلا لصراع طويل الأمد ومرير في كثير من تفاصيله، بين دولة مركزية وإقليم راغب في التحرر، وقد يؤدي استحضار هذا النموذج إلى إقناع الحكومة المالية بالأخذ به في حال تعذرت الخيارات الأخرى، وخصوصا خيار الحسم العسكري.
ثانيا: الاقناع الدولي: فلا بد للحركة الأزوادية إن أرادت النجاح في مساعيها أن تتخذ سبلا لإقناع الأطراف الدولية –والغربية منها على وجه الخصوص- بجديتها وجدارتها بالحصول على مطالبها في إقامة حكم للمنطقة المضطربة، وإظهار علامات جدية تؤكد اختلاف الحركة عن بقية العصابات أو التنظيمات الناشطة في الإقليم، وجدارتها بإقامة "دولة وطنية أزوادية" تضمن الاستقرار في الإقليم، وتقيم علاقات "متوازنة" مع جوارها ومع الأطراف الدولية المهتمة به.
ولعل الأجدر بالإقناع بهذ الجدية وبالاختلاف عن التجارب السابقة هم في المقام دول الجوار الأزوادي، خصوصا وأن التجارب السابقة تؤكد أن عددا منها كانت نظرته إلى الحركات الأزوادية خاطئة وظالمة، وهي نظرة ساهمت بعض هذه الحركات الأزوادية خلال عقد التسعينات في نشرها وثبيتها، كما دعمتها الانقسامات المتتالية داخل هذه الحركات، وقد دفعت هذه الصورة حينها عددا من الأطراف الدولية والإقليمية لدعم مواقف الحكومة "الموحدة" سعيا لمنع "صوملة" المنطقة، ووقوفا في وجه قيام المزيد من العصابات والتنظيمات المسلحة.
تتحدث الحركة الأزوادية في وثيقة أصردتها تحت عنوان: "سنة الفوضى الأمنية والسياسية، والاقتصادية والتغيرات المناخية"، وتقصد بها سنة 2010 عن واقع المنطقة، مؤكدة أن هناك مؤامرة يتعرض لها الإقليم من خلال تجاهل الأحداث التي يعرفها، وتذكر على سبيل المثال ثلاثة أحداث، هي: اغتيال سيد محمد أغ شريف يوم 20 أغسطس 2010، على يد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وقبله اغتيال العقيد لامين ولد بو الضابط الازوادي في الأمن المالي داخل منزله بمدينة تينبكتو في يوليو 2009، مشيرة إلى التجاهل الذي طبع الحادثين من طرف الإعلام المالي وكذلك وسائل الإعلام الدولية.
كما تشير الوثيقة إلى معطى آخر من أسباب عدم استقرار المنطقة إضافة لتنظيم القاعدة في بلا دالمغرب الإسلامي هو شبكات تهريب المخدرات، وتشير الوثيقة إلى عملية إنزال عدد كبير من أطنان المخدرات من طائرة بوينغ 727 في نوفمبر 2009، وتم العثور لاحقا على هيكلها الذي أحرق في الصحراء بمنطقة تاركنت في إقليم قاو، معبترة أن كل هذه أدلة على التورط المباشر للحكومة المالية في كل هذه الفوضى، ومحاولة تشويه سمعة الإقليم وقاطنيه من الأزواديين.
ثالثا: وجود كفاءات متعددة: وقد شكل غياب الكفاءات إحدى نقاط ضعف الحركات السابقة في أزواد، حيث كانت تعاني من نقص حاد في الكوادر وفي مختلف المجالات، ويرجع عدد من قادة تلك الحركات فشل تجاربهم السابقة إلى ندرة الكفاءات حينها، وعجز الموجود منها عن إثبات مكانته.
وتوحي قراءة متأنية لعمل الحركة الوطنية لتحرير أزواد ولتجارب قادتها، ولوثائقها المرجعية، ولتدرجها في العمل، وكذا حضورها الإعلامي والإلكتروني إلى وعيها لدور الكفاءات والكوادر، وإدراكها لضرورة منحها الدور، وإتاحة الفرصة أمامها لتساهم في بناء الصرح الأزوادي الجديد، والتفكير له وفيه. كما عمل أمينها العام الحالي بلال أغ شريف أستاذا جامعيا في إحدى دول المنطقة، ويحمل مسؤول إعلامها بكاي أغ حمد أحمد درجة ماجستير في الإعلام، فضلا عن عدد من أصحاب الكفاءات في حقائب أخرى داخل مكتب ولجان الحركة الأزوادية.
رابعا: الاستفادة من القوة العسكرية: فتركة العقيد الليبي منتشرة في المنطقة بشكل مخيف، والتقارير الدولية في هذا المجال تتحدث عن تدفق هائل لكل أنواع الأسلحة، وهو ما يتيح للأزواديين أن يضمنوا لأنفسهم الحديث من موقع الندية مع الحكومة المالية، بل يمكنهم في حال تعذر استخدام القوة الناعمة أن يلجؤوا إلى السلاح لفرض "أمرهم الواقع" رغما عن الحكومة المالية.
ويعكس اختيار الحركة للعقيد محمد أغ ناجم لقيادة أركان "جيشها" إلى إدراكها لضرورة الاستفادة من علاقاته ومن تجربته في الجيش الليبي، وإيمانها بضرورة الحصول على أكبر قدر من الأسلحة من المخزون الليبي المنهوب.
رباعيات فشل
وإلى جانب عوامل النجاح، أو نقاط القوة التي يمكن للحركة الوطنية لتحرير أزواد الاعتماد عليه، توجد مزالق فشل أو نقاط ضعف، يتوجب عليها تفاديها إن أردات مواصلة السير في طريق تشير التجارب الأزوادية السابقة إلى أنها مزالقه مهلكة، وعدم تفاديها سيكون مؤذنا بالفشل.
ومن أهم هذه المزالق:
أولا: التحول إلى لعبة إقليمية أو دولية: إن أخطر ما يواجه الحراك الأزوادي اليوم هو تحوله إلى لعبة أو دمية في يد طرف ما إقليمي أو دولي يستخدمه لتحقيق بعض أهدافه في المنطقة، ويضرب به من شاء ثم يضع حدا لطموحه في اللحظة التي أراد.
ولتفادي هذه النطقة لا بد من المحافظة على علاقات احترام واضحة مع الأطراف الإقليمية والدولية، ووضع النقاط على الحروف في مجال التعاون للوصول إلى أهداف مشتركة، واختيار أقل التكاليف، وأسهل التنازلات في حال كان لا بد من تكاليف أو تنازلات، ووضع الهدف الأوحد نصب الأعين، حتى لا تنحرف البوصلة، أو يضل الربان، وتضيع تجربة أخرى توفر لها من عوامل النجاح ما لم يتوفر لغيرها.
تشير وثيقة أصدرتها الحركة الأزوادية تحت عنوان: "إستراتجية المرحلة" إلى إدراك قادتها لضرورة استقلال القرار إقليميا ودوليا، وتركز الوثيقة على ما تصفه بالمطلب الأهم، وهو "الأرض دون غيره باعتبارها المفقود الوحيد الذي ما دامت السيادة عليه وتصريف شؤونه لم ترد إلي أصحابه لا يمكن الحديث عن أي مطلب أخر" حسب نص الوثيقة.
وتعلن الوثيقة اعتماد الحركة الجديدة "على الوحدة الوطنية"، معتبرة أن ذلك "شرط وضرورة لاسترداد الحق المصادر"، مضيفة أنه كل فئات الشعب الأزوادي توصلت إلى نتيجة تقول: "كفانا تفرقا، فلا يحس بالألم الأزوادي؛ إلا الأزوادي"، مشددة على رفضها "وبشكل قاطع" لما أسمته "التواجد غير الشرعي على أرضهم الذي يعتبر التواجد العسكري المالي أوله، متبوعا بكل ما افرزه من وجود رسمي أو غير رسمي تحت أي اسم، إذ أن كل ما أنتجه وضع غير شرعي فهو بالنتيجة غير شرعي".
ثانيا: النزعة العرقية: تنص الحركة الوطنية لتحرير أزواد في وثائقها المرجعية إلى تمثيلها لكل مكونات الشعب الأزوادي بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الديني أو الإيديولوجي، ويكشف تدرجها في سبيل الوصول اندماج أكبر عدد ممكن من الحركات الأزوادية إلى وعيها بخطورة تمثيلها لعرق أزوادي دون آخر، أو حملها لمطالب عرق دون آخر.
وبشيء من الصراحة يمكن الحديث عن ضمور تمثيل المكون العربي داخل الحركة الجديدة، علما أن عرب المنطقة يشكلون غالبية سكان المناطق الشمالية والغربية من الإقليم، ويتطلب "مشروع دولة" في المنطقة تمثيلا متساويا أو على الأقل متقاربا لكل المكونات العرقية، وهو ما لا تؤكده تشكلة المكتب التنفيذي الذي يقود الحركة الوطنية في هذه المرحلة.
ثالثا: الدخول في نزاعات جانبية: تقتضي المرحلة الحالية من عمل الحركة الوطنية لتحرير أزواد التركيز على الهدف الرئيسي لها، وتوحيد عدوها وتحييد الأطراف الأخرى، أو الدخول في هدنة معها، ومن أخطر ما يمكن أن يواجه الحركة وهي تخطو خطواتها الجدية الأولى، أن يتشتت اهتمامها بين عدد من الأعداء، وهو ما قد يصيبها في مقتل، ويبدد قدراتها، خصوصا إذ استحضرنا إمكانية استغلال الحكومة المركزية في مالي لهذا العامل، وسعيها لإثارة خلافات جانبية داخل الأزواديين أو بينهم وبين بعض "ضيوف" المنطقة غير المرغوب فيهم، لكن طبيعة المعركة تجعل مواجهتهم متأخرة في سلم الاهتمامات على الأقل في المرحلة الحالية.
ومن الوارد أن تسعى أطراف دولية أو إقليمية إلى دفع الأزواديين للاصطدام بسرعة بأطراف في المنطقة، وقد يكون على رأسهم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وعصابات تهريب المخدرات، وسيكون خطأ الأزواديين قاتلا إن قبلوا شغلهم في معركة ليست معركتهم في الوقت الحالي، وهو ما سيخدم أطرافا عديدة، خصوصا إن أدت المواجهات بين الطرفين إلى القضاء عليهم جميعا أو إبقاء طرف واحد منهم منهك القوى يمكن القضاء عليه بكل سهولة.
رابعا: تفادي إطالة أمد الحرب: فمن الضروري للأزواديين أن يسعوا لإعادة الأمن إلى مناطقهم في أسرع وقت ممكن، وأن يتفادوا رفع تكاليف الحرب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، يستوي في ذلك القتلى –من الطرفين- والجرحى والمشردين، وهو ما سيعطيهم مصداقية أكثر، ويمنح شعبهم ومنطقتهم فرصا أكثر في التعاطف والتعاطي الدولي.
ومن الضروري كذلك التعاون مع المنظمات الدولية والحقوقية ومنحها الفرصة لزيارة الأماكن التي تسيطر عليها الحركة الوطنية لتحرير أزواد، وجعل بعثاتها سفراء من خلال الصورة التي سيتولون نقلها، والمعلومات التي سحصلون عليها، وهو ما يمكن أن يضمن للأزواديين مكاسب دبلوماسية مقابل جهود عادية.
وعموما سيشكل الحراك الأزوادي الحالي – نجحت في أهدافه أو أخفق- تجربة مهمة في تاريخ منطقة الساحل والصحراء، فتوقيت ظهورها، وطبيعة تحركاتها، والمواقف الدولية منها، تثبت أن المنطقة مقبلة على واقع جديد، لما تتضح معالمه بعد بما فيه الكفاية، لكن من المؤكد أن طورها النهائي –سلبا أو إيجابا- ستكون بصمته جلية على منطقة الساحل والصحراء، وربما تتجاوز ذلك إلى ما وراء المتوسط.

نقلا عن الأخبار