مشاهدة النسخة كاملة : من براح "الحراك" إلى ضيق "المنصات" ...(بقلم داليا يوسف)


أبوسمية
02-05-2012, 10:04 AM
من بـراح "الحــراك" إلى ضــيق "المنصـــات" ...(بقلم داليا يوسف)

حينما اشتد المشهد السياسى بؤسا قبيل اندلاع الثورة، كان الكثيرون منا يتابعون حوارات الأستاذ محمد حسنين هيكل على قناة «الجزيرة»
وفى إحدى المرات أشار هيكل إلى انعدام الخيال السياسى، فعارض بيت شعر ينسب للشاعر عمرو بن الأهتم التميمى:
لعمرى ما ضاقت بلاد بأهلها
ولكن أخلاق الرجال تضيق
ليقول هيكل:
لعمرى ما ضاقت بلاد بأهلها
ولكن أحلام الرجال تضيق
وبالرغم من قلة زادى من الشعر العربى، ولكنى تذكرته فى متابعتى للمشادات التى حدثت فى الميدان فى ليالى إحياء الذكرى واستكمال أهداف الثورة، فسهلت معارضته بقول:
لعمرى ما ضاقت ميادين بثوارها
ولكن أخلاق الثوار تضيق
تذكرت ذلك وأنا أشارك الكثيرين الاستياء من المعركة الغلط التى خاضها البعض ضد منصة الإخوان فى ميدان التحرير، تماما مثلما شاركت آخرين الاستياء مما تم تداوله حول ممارسات وهتافات ساهمت فى عزل منصة الإخوان عن المزاج العام لزوار ومعتصمى الميدان..
وزاد الاستياء حينما سمعت بأمر الدعاء ضد الإخوان فى الصلاة، ليس فقط لأنه من غير المقبول؛ أو لأنه يتسق مع رفضى لإذاعة آيات من القرآن الكريم من منصة الإخوان -فيما وصفه بعض من أفراد الجماعة بأنه وسيلة للتهدئة، ووصفته شهادات أخرى بأنه كان تشويشا على هتافات بعينها- ليس لهذه الأسباب فقط، ولكن لأنه حرمنى شخصيا من لحظة صفاء وتجرد نتذكر فيها أجمل من فينا.. شهداءنا.. كانت لحظة يجب ألا تحتكر -خاصة مع سقوط الشهداء من كافة التيارات والجماعات، وعلى رأسهم الإخوان المسلمون- حتى لو بدعوى الاحتجاج على مَن يعتبرهم البعض شركاء ويعتبرهم آخرون خصوما، فالخصومة أيضا يمكن أن تمارس وفقا لقواعد أخلاقية.
كنت أسرع الخطى لألحق بالمشهد الجليل، وصلت متأخرة فتنامَى إلى مسامعى دعاء حسبته ضد أعداء الثورة دون تسمية، لكنى اكتشفت أن الدعاء على مَن خانوا الثورة شمل جماعة الإخوان المسلمين، وسمعت بنفسى أحد الحضور يحاول إعلان اعتذار لشباب الإخوان المسلمين، ولكن تمت مقاطعته ما بين مؤيد ومعارض.
ويمكننى أن أصف لحضراتكم ردود الأفعال فى المحيط الذى وقفت فيه وقتها، وهى على محدوديتها قد تكون عاكسة لعدد من الأمور تتعلق بخطوط الثقة والقبول بين التيارات المختلفة، فعلى سبيل المثال: استمعت إلى حديث يجمع 3 سيدات من خلفيات اجتماعية مختلفة، لاحظت أن من كانت الأكثر بساطة وانبهارا بأداء الإخوان أثناء بواكير الثورة فى الميدان هى الأكثر إحباطا الآن، أما السيدة التى بدت أكثر حيادية فى رؤيتها للإخوان، فقد دعت الأخريات للتركيز فى الهتاف ضد المجلس العسكرى.. وهو ما قد يعنى أن الاعتراض على مسلك ما للإخوان لا يعنى بالضرورة العداء، بل ربما يعنى –أحيانا- تعاظم الآمال بشأن طبيعة الدور وطريقة الأداء.
وعموما، فقد أكملت طريقى باتجاه الميدان لأستطلع الآراء بشكل عشوائى - وكانت منصة الإخوان قد غادرت الميدان- فوجدت الرافض لما حدث ضد الإخوان، داعيا إلى التركيز على استكمال الأهداف، وبالمقابل وجدت مشاعر ثأرية سعدت بخروج الإخوان من الميدان على هذ النحو؛ ردا على غياب الإخوان فى أحداث محمد محمود، ومجلس الوزراء.
أما الخلاف فى وجهه الافتراضى –على «فيس بوك» و»تويتر»– فقد صار أكثر تشعبا، وتنوعت مستويات الاعتراض والتأييد رأسيا وأفقيا لتشمل أنماطا عدة من الوقوف على تفاصل المشهد اللحظى إلى العودة للمسببات والتحليل السياسى، وقراءة المصالح وتقاطعها، وامتدت بأسف –أحيانا– إلى البحث عن العورات.
شخصيا ورغم إحباط الكثيرين، لم أندهش مما حدث على الأرض بل ربما توقعت ما هو أسوأ؛ لأن الاستقطابات التى سبقت الذكرى وتسببت فيها اجتهادات قوى مختلفة وتصريحات بعض من ممثليها -بما فيهم أعضاء من حزب «الحرية والعدالة»- بل الخلافات التى زادت من حدتها الأذرع الإعلامية للتيارات المختلفة، كانت لتصل بنا إلى ما هو أسوأ، وربما لم يخفف من هذا الاحتقان إلا بعض من نقاط الضوء العاكس لدرجة من الإجماع، مثل ما جاء فى كلمة د. أكرم الشاعر فى البرلمان قبيل الذكرى.
وفى رأيى لا يوجد مَن مخرج لكل هذا إلا ما عايشته يوم 25 يناير 2012 من حراك ومسيرات جابت محافظات مصر تنقلنا لنقطة متقدمة عبر مبادرات تسليم السلطة وتوحد الأهداف، خاصة مع ما لُوحظ من قدر كبير من التعاطف يطل علينا من الشرفات عبر الشوارع التى مررنا بها، وزامن هذا عروض حملة «كاذبون» أمام ماسبيرو فيما يشبه اقتحاما سلميا لمعقل لتضليل الرأى العام، وكانت المفارقة أن يتزامن ظهور نشطاء ومحللين مستقلين ومعادين لحكم العسكر لأول مرة على شاشة الفضائية المصرية -فى انتصار رمزى مهم لمن يعمل على استكمال أهدافنا– مع اشتباكات وخلافات بين صانعى الثورة.
فلماذا نضيق متسعا من الميادين ولا ننطلق إلى مسارات تخرج بنا من مربع المعارك المفتعلة؟

نقلا عن الحرية والعدالة