مشاهدة النسخة كاملة : الشيخ والجنرال إرهاصات " التزبوت" (مم ولد عبد الله )


ابو نسيبة
02-02-2012, 08:17 AM
الشيخ والجنرال إرهاصات " التزبوت" (مم ولد عبد الله )

إن الصراع الخفي بين السلطتين الزمنية والروحية في هذا البلد يجد مبرره الموضوعي في تعارض مصالحهما في أغلب الأحيان، تلك هي الحقيق التي توصلنا إليها في أطروحتنا عن الولاية والصلاح في بلاد شنقيط، لكن المثير الاستغراب في الكثير من الأحيان أن أصحاب النفوذ الروحي غالبا ماكانوا سببا في إمالة الكفة لصالح بعض الأسر المتصارعة على السلطة، تماما كما حدث في كل من إمارة الترارزة ولبراكنه. فقد كان دور الكرامة واضحا في حسم الصراع، ومن هنا استطاع الولي أن يتمتع بكاريزما مكنته من أن يحتل موقعه الاستراتيجي داخل مجتمع الرحل. وبعبارة أدق فإن الأولياء استطاعت سلطتهم أن تكون سببا في اندثار بعض الإمارات الحسانية إلى الأبد.
إن الغريب في الأمر هنا أن ظاهرة التازبوت لا تزال تشكل جزءا من العلاقة بين والولي والسلطة حتى في موريتانيا الانقلابات ﴿1978....، ولسنا هنا لقراءة هذا الموضوع من وجهة نظر فقهية بقد رما سنحاول التوقف عند الدلالات السوسيو سياسية.
الكولونيل أو درس لم يفهمه الجنرال
كان نظام الكولونيل قد استطاع أن ينسج خيوطه داخل المجتمع مكونا بذلك شبكة من الو لآت الداخلية والخارجية ،و مكنته فترته الزمنية في الحكم من خلق ايديويجية فرضت نفسها على المجتمع الموريتاني ، لكن تلك الشبكة رغم رسوخها سرعان ما بدأت في التفكك عندما اصطدمت بنفوذ الولي الشيخ الذي وجد نفسه جزءا من المادة الاستهلاكية المسوقة للخارج لتبرير أهداف شخصية، كان اعلا مها التحقير بأهل العلم والمساس بمكانتهم سعيا وراء بعض الدولارات التي وفرتها الدول الغربية لحرب ماأسمته الإرهاب. كان الشيخ محمد الحسن ولد الددو أول ضحيا تلك السياسة نظرا لما يتمتع به من مكانة روحية، لم يكن الكولونيل على دراية كافية بتاريخ علاقة الأولياء بالسلطة السياسية في بلده، لقد غاب عنه تماما دور التازبوت الفعال الذي قد يكون أكثر تأثيرا من عملاء الموساد الذين كان هو نفسه يرى فيهم أمانه الأبدي.
بدأت مظاهر الأزمة أكثر وضوحا بعد سجن الشيخ، فوصل الاحتقان أعلى مؤشراته في موريتانيا الانقلابات، تدخلت النصرة الإلهية التي يفسرها مجتمعنا بالتازبوت سنة 2003 لتصيب نظام الجلاد في مقتل من مقاتله كانت تلك الحادثة مفاجئة لكل التوقعات، وحتى للجنرال الذي أدرك أن كل شيء ممكنا، رغم قربه من النظام الذي كان يشكل ذراعه الأيمن، لكنها سخرية الأقدار، كتبت أن تكون نهاية كل مستبد على يد أقرب المقربين إليه، فمنطق التاريخ بقول: إن منح الثقة يخلق مواطن للخل.
خلل في الفهم أم بشائر للنصر
إن مالم يفهمه الجنرال أن تجربة الشيخ الددو في السجن علمته معنى الصلابة والتضحية، كما ساهمت الظروف المحيطة ﴿الربيع العربي...﴾في ترسيخ تلك القناعة، يتضح ذلك من خلال محاضرته التي صبت في نفس الاتجاه " بشائر النصر" .
فسماه الشيخ بشائر للنصر كان الجنرال يريدها أن تكون بشائر لصالح حكمه، ومبررات لسياساته التفقيرية اتجاه شعبه، من هنا بدأ الخلل، الذي تمثل في اتساع الهوة بين الرجلين ، ويبدو أنه خلل في اختلاف الرؤية الذي قد يصل حد التناقض بين أهدافهما ، حينها سعى الجنرال لتضييق الخناق على الشيخ معتبرا تبريره للثورات بمثاية تحريض على حكمه، واتضحت نوايا السلطة في الإقصاء الممنهج الذي سلكته الدولة في تعاملها مع الشيخ محمد الحسن الددو، فلم يستدع
لحضور مؤتمر الوسطية الذي نظمته نواكشوط، بل ظهر فيه في غير مكانه المناسب، كما حاولت بعض الأقلام المتملقة التخفي وراء أسماء مستعارة للمساس بالشيخ، لكن عدم حرفيتها في التعامل مع النت فضح أمرها للعيان، لتتضح معالم الحملة الممنهجة للجنرال ضد الشيخ.
مالم يدركه سلطان بلاد الانقلابات أن التازبوت لا تعترف بالزمان ولا المكان فما أصاب الكولونيل يمكن أن يطيح بالجنرال، كانت الإرهاصات الأولى لتلك التازبوت في الرصاصة التي أصابت نظام الجنرال في إحدى رئتيه، فلم تكن حادثا عرضيا له دلالات الجريمة بقدر ما عكست مجموعة من الحقائق منها:
- تفنيد الشعار الذي رفعه الجنرال في حملته الانتخابية، ومثل أكثر الكلمات المكرر في خطاباته الموجه للشعب، لقد كررها مرارا" محاربة الفساد والمفسدين"، لكن كان عليه أن يبدأ بنفسه أولا ثم بمن يعول...!
- فقدان الثقة: شكلت حادثة الرصاصة منعطفا خطيرا في تراجع هيبة الجنرال سواء لدى محيطه القريب منه بالمعنى السياسي والعسكري، وحتى بالنسبة لعامة الشعب التي بدا لها وكأنه بطل فلم من أفلام الـ Action على طريقة هولوود ، وهو أمر قد لايصلح صاحبه بالضرورة لقيادة بلد مثل موريتانيا. الذي يبدو أن حكامه لم يفهموا بعد دور ومكانة الولي ضمن نسيج المجتمع بالمفهوم الاستراتجي للكلمة. اللهم إذا كانت نهايتهم يراد لها أن تكون على يد تازبوت الأولياء .

نقلا عن الأخبار