مشاهدة النسخة كاملة : السودان: قراءة في مشهد


أبوسمية
03-20-2010, 09:01 AM
السودان: قراءة في مشهد

http://www.essirage.net/sys_images_opinions/ImgOpinion_19_03_2010_18_06_32.jpg (http://www.essirage.net/sys_images_opinions/ImgOpinion_19_03_2010_18_06_32.jpg) المختار ولد القاسم

بعد مضي ما يقارب نصف العقد على اتفاقية نفاشا في الضواحي الكينية،والتي بموجبها حل السلام على الجزء الجنوبي من السودان؛وبعد أربع وعشرين عاما على آخر انتخابات جرت في البلاد عام 1986م يتجه السودانيون في الشهر القادم ـ وللمرة الخامسة ـ إلى انتخابات يأمل

الجميع أن تكون سليمة وديمقراطية ونزيهة وبما أن هذا هو الفصل ماقبل الأخير من رواية نفاشا فإننا سنحاول ـ وعبر

[B]ملاحظات بسيطة ـ أن نفهم مشهدا معقدا سيتفرج أبطاله بعد عام على

[B]المشهد الأخير من اتفاقية السلام (تقرير المصير

[B]ـ إرهاصات ماقبل الإنتخابات

[B]عاشت الساحة السودانية خلال العام الماضي أحداثا شغلت الرأي العام

[B]المحلي والدولي، تبين لاحقا أنها إرهاصات لمخاض عسير كانت الإنتخابات

[B]أحد الأسباب الرئيسية في بروزه

[B]ففي الرابع من مارس من السنة الماضية أصدرت المحكمة الجنائية مذكرة طالبت فيها باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة الإبادة في دارفور، الأمر الذي قرئ حينها من قبل جهات عديدة على أنه ضربة موجهة من دوائر غربية لنظام البشير، في وقت كان السودان بأمس الحاجة إلى دعم خارجي لاستكمال ما تبقى من صفحات اتفاقية السلام، ومع أن المعارضة السودانية عارضت المذكرة يومها، إلا أنها استخدمتها في نظر الكثيرين ـ بهذه الطريقة أوتلك ـ كورقة رابحة لابتزاز الحكومة السودانية والتأثير عليها في قضايا الإنتخابات، وكان آخر هذا الإبتزاز تصريحات مثيرة أدلى بها رئيس حزب الأمة القومي: الصادق المهدي خلا ل الأسبوع الماضي اعتبر فيها "أن وجود المحكمة الجنائية ضروري لأن بعض الحكام في العالم الثالث يقهرون شعوبهم...." إلا أن الحدث الذي أثر بصفة مباشرة على المشهد الإنتخابي هو مؤتمر جوبا ـ الذي قاطعه المؤتمر الوطني ـ وتشكل فيه ماسمي لاحقا "تجمع جوبا" ، والذي قررت فيه أحزاب المعارضة بقيادة جناح الموالاة !!! ( الحركة الشعبية لتحرير السودان) استغلال الظرفية وتضييق الخناق على المؤتمر الوطني بالنزول إلى الشارع تحت لافتات تحتج على بعض القوانيين:(الأمن الوطني، التعداد السكاني، قانون الإنتخابات......) مهددة تارة بمقاطعة الإنتخابات ؛ وتارة متوعدة باكتساحها!، وهو تذبذب لازال موقف المعارضة يعاني منه والحملة الإنتخابية تدخل أسبوعها الخامس دون أن يؤثر ذلك التذبذب على دعاية المؤتمر الوطني

[B]ـ دعاية دون المستوى

[B]ومع أن الحملة انطلقت بصورة رسمية في الثالث عشر من فبراير، ونظرا للإرهاصات التي سبقتها والتداعيات المترتبة عليها، فإن المتابع لمشهد انتخابي كهذا يتنافس على بطولته مايزيد على 14 ألف مرشح ؛ يلاحظ أن هناك فتورا في المستوى الدعائي، وإن اختلف من حزب إلى حزب ومن مرشح إلى آخر، إذا استثنينا الدعاية"التقليدية

[B]ومما ساعد على هذا الفتور ـ في رأيي ـ هو: تواتر الحديث عن تأجيل الإنتخابات ـ خاصة ـ بعد الإتفاق الإطاري الموقع في الدوحة مع حركة العدل والمساواة؛ ومع أن البشير ومساعديه صرحوا أكثر من مرة بأن الإنتخابات قائمة في موعدها وأنه : "لايعقل إيقاف المباراة قبل نهايتها بدون مبرر" حسب تعبير د. غندور الأمين السياسي بحزب المؤتمر الوطني الحاكم ، ورغم أن مرشحي المعارضة للرئاسة طالبوا علانية بتأجيل الإنتخابات؛ فإن هناك أوساطا عديدة في المعارضة تتهم"الوطني"! بالوقوف وراء شائعات التأجيل، حتى يؤثر سلبا على الحضور الشعبي لأحزاب المعارضة أثناء الحملة الإنتخابية، وأيا تكن أسباب هذا الفتور؛ فالأكيد أنه يؤثر سلبا على كل أطراف المشهد، وعلى سمعته الديمقراطية إذا كان الإقبال ضعيفا يوم الإقتراع ، ثم إنه يجعل التنبؤ ببعض النتائج أمر في غاية الصعوبة، كما أن التأجيل ـ في اعتقادي الشخصي ـ أمر مستبعد حتى ولو طالبت به المعارضة، أوأصرت عليه حركة العدل والمساواة، وذلك لكون الإنتخابات تجري بموجب اتفاقية مع شريك يرفض التأجيل لحسابات تخصه (الحركة الشعبية..) وأي حديث معه الآن عن التأجيل سيعجل بعودة شيطان التفاصيل الذي لايرغب المؤتمر الوطني في ضيافته في هذه الظروف، ضف إلى ذلك الأموال الطائلة التي أنفقت، والترتيبات الإدارية التي قطعت أشواطا بعيدة في العملية الإنتخابية

[B]ـ الوحدة: الحاضر الغائب في المشهد الإنتخابي

[B]وبما أن اتفاقية نفاشا تنص على أن يعمل كل من الطرفين حتى يكون خيار الوحدة خيارا جاذبا، فإن أغلب القوى السياسية ـ ظاهريا على الأقل ـ ظلت تدعي الدعوة إلى هذا الخيار، وهو ما ظهر بشكل أكبر في هذه الإنتخابات

[B]فالحركة الشعبية لتحرير السودان تدخل السباق الرئاسي بابنها البار! المولود في الشمال: ياسر عرمان والذي صرح في الأسبوع الماضي بأن ترشيحه "يعطي فرصة أكبرلوحدة السودان، ولتحسين العلاقة بين الشمال والجنوب

[B]كما أن المؤتمر الشعبي ـ بزعامة الترابي ـ يخوض غمار الرئاسة بالجنوبي المسلم: عبد الله دينق نيال في تأكيد منه على خيار الوحدة بين الشمال والجنوب

[B]ثم إن المؤتمر الوطني يرى أن مرشحه هو صانع السلام بين الجنوبيين والشماليين وهو الأجدر بقيادتهم لاكتمال مشروع السلام والتنمية

[B]ومع هذاكله تبقى الأوراق نوع من الدعاية السياسية لاتستند إلى ماض يدعمها، أو واقع يصدقها، أو مستقبل يبشر بها

[B]فنائب رئيس الجمهورية ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان: سلفا كير صرح قبل أسابيع مخاطبا الجنوبيين: " إذا أردتم أن تكونوا مواطنين من الدرجة الثانية فعليكم أن تصوتوا لخيار الوحدة"،وصرح قبل ذلك بيتر سولي فقال: " نحن كجنوبيين نكره الشماليين ولا نرى فيهم شيئا جميلا</SPAN>".</SPAN>

كما أن أغلب القوى السياسية الشمالية ـ في مجالسها الخاصة ـ تعتبر الجنوب سرطانا خبيثا يجب التخلص قبل أن يتمدد في جسم الدولة نحو الشمال، ولعل أشجعها في هذا المضمار: منبر السلام العادل الذي يجزم أصحاب نظرية المؤامرة أنه الوجه الحقيقي ـ الذي لم يتجمل بمساحيق البرغماتية السياسية ـ للمؤتمر الوطني عندما يتعلق الأمر بقضية الجنوب، والذي صرح رئيسه في ندوة بولاية الجزيرة قبل أيام فقال: ـ بعد أن حذر من فكرة (السودان الجديد)ـ " نحن بين خيارين: خيار السودان الشمالي بمكارم أخلاقه، بسماحته بشجاعته بإسلامه؛ وبين سودان علماني تحكمه شريعة الغاب يعادي الهوية العربية والإسلامية" ـ وأضاف ـ "ينبغي أن نجاهد ونقاتل في سبيل هويتنا ولا نسمح للمغول الجدد أن يطؤوها بأقدامهم

[B]وعلى هذا فإن أي نوع من الحديث عن الوحدة بين الشمال والجنوب في هذه الإنتخابات، ينبغي أن يفهم في سياق دعائي أملته ظروف إقليمية ودولية قبل أن تكون داخلية

[B]ـ الطريقة والقبيلة... رغم أنف الأحزاب

[B]ولعل من المسائل التي أظهرها المشهد الإنتخابي الحالي بشكل لافت، هو الحضور القوي للطرق الصوفية على الساحة السياسية، بل وحتى داخل الحركة الإسلامية ، فمشايخ الصوفية أصبحوا القبلة الرئيسية التي يشد إليها المتنافسون الرحال، عل وعسى أن تساهم بركاتهم ومريدوهم في الوصول إلى الهدف المنشود

[B]وإذا كانت الطريقة تتمتع بهذا الحضور القوي، فإن القبيلة ـ هي الأخرى ـ كانت الملاذ الآمن لكل من رفضت أحزابهم تقديمهم للمشاركة في بطولة هذا المشهد، مما ولد ظاهرة المترشحين المستقلين بشكل كبير؛ الأمر الذي سيؤثر سلبا على عمل وبرنامج أي حكومة تخرج من رحم هذه الإنتخابات

[B]وإن كان بعض المراقبين يرى أن هذه الظاهرة جاءت بشكل مدروس وكنوع من التخلص من قبل الساسيين ـ وخاصة المؤتمر الوطني ـ من استحقاقات الإستفتاء، إذ أن المجلس التشريعي القادم هو الذي سيصادق على نتيجة تقرير المصير

[B]ـ الإسلاميون: شعارات واحدة تبحث عن شعائر مختلفة

[B]ورغم أن إنقسام الحركة الإسلامية لم يكن وليد هذا التدافع الإنتخابي ، فإن الأكيد أن حمى المشهد أدت إلى تأجيج وإذكاء الصراع من جديد بين عراب الحركة د.حسن الترابي،وتلامذته السابقين في المؤتمر الوطني ، بل ـ والأخطر من ذلك ـ داخل كل من الغريمين التقليديين: (المؤتمر الشعبي، المؤتمر الوطني

[B]وسواء جاء هذا الإنقسام ـ أو التنافس ـ في إطارعادي وكنوع من الأوراق السياسية؛ أوجاء تعبيرا صادقا عن حالة من التشرذم تعيشها الحركة الإسلامية من جديد، فإن أصحابه ـ ورغما عنهم على مايبدوا ـ جمعتهم شعارات إسلامية واحدة(في سبيل الله قمنا...الله غايتنا... الإسلام هو الحل......)، الأمر الذي جعل الناخب السوداني ـ المحب لكل ما هو ديني ـ في حيرة بين متنافسين لايدري أيهم صادق في هذه الشعارات ـ والأهم من ذلك ـ قادر على تحويلها إلى شعائر

[B]وإذا كان هذا الصراع على المستوى الرئاسي بدا ضعيفا حيث جمع رئيس المؤتمر الوطني: عمر البشير ومرشح المؤتمر الشعبي: عبد الله دينق نيال، فإنه على المستوى التشريعي والولائي والمحلي، حامي الوطيس

[B]فمنصب والي ولاية الخرطوم ـ وكمثال بسيط ـ يتنافس عليه خمس من قادة الحركة الإسلامية بشقيها

[B]فحزب المؤتمرالوطني بشجرته الخضراء أعلن الوقوف وراء الوالي: عبد الرحمن الخضر، مع وجود القيادي في نفس الحزب: محي الدين ـ الذي كتب كثيرا عن الحركة الإسلامية في السودان ـ والذي لم يسعه ظل تلك الشجرة

[B]كما أن المؤتمر الشعبي الذي يرشح آدم الطاهر حمدون يجد أمامه القيادي سابقا في الحزب: بدر الدين طه وإن كان التحق بالوطني بعد ذلك لينسحب منه لاحقا، كما يوجد في نفس الحلبة أمين بناتي، وكل هؤلاء جمعتهم الحركة الإسلامية يوما ما ، فبحثوا عن شعائر علها تفرقهم، لكن لم يجدوا لها إلا شعارات واحدة،

[B]الأمر الذي يجعلنا نقرؤا الصورة على أنها سباق أشخاص وليس سباق برامج

[B]ـ حظوظ متباعدة.. لاتلغي كل الإحتمالات

[B]إن طبيعة النشاط الدعائي، والصورة الواضحة للمشهد الإنتخابي لحد الساعة، تجعل المؤتمر الوطني ومرشحه لرئاسة الجمهورية الأقرب إلى الفوز في هذا المشهد، إلا أن هناك عوامل عديدة تجعل الساحة حبلى بالمفاجآت، وتفرض عليها كل الإحتمالات

[B]فلو أخذنا في الحسبان أن الإقليم الجنوبي يضم أربعة ملايين ناخب؛ إضافة إلى مليون ناخب جنوبي يعيشون في الشمال، وهو ما يمثل 36% من مجموع الناخبين، نجد أن مرشح الحركة الشعبية ياسر عرمان يمتلك حظوظا ـ ولو كانت ضئيلة ـ في الوصول إلى الشوط الثاني على الأقل، يساعده على ذلك الحضور الملحوظ لرئيس حزب الأمة والمرشح لرئاسة الجمهورية: الصادق المهدي، وبقية مرشحي أحزاب المعارضة الأخرى الذين عملوا منذ البداية على فكرة "تشتيت الأصوات" للحيلولة دون تجاوز البشير في الشوط الأول

[B]ثم إن العامل الأبرز في هذه المسألة هو تعقيد عملية التصويت، فالناخب السوداني "الأمي" مطلوب منه يوم الإقتراع أن يصوت 8 مرات في الشمال، و12 مرة في الجنوب في موقف واحد، وذلك لاختيار رئيس الجمهورية، ورئيس حكومة الجنوب، والبرلمان القومي، والجنوبي ، والمحلي، والولاة، والحكام.........، الأمر الذي يجعل مرشح البطاقة اللاغية الأوفر حظا بين متنافسين في بلد تجاوزت البطاقة اللاغية فيه 10% في آخر انتخابات لنقابة المحامين قبل شهور

[B]ـ إرادة الغرب... وخيارات السودانيين

[B]إن الحضور الغربي الكبير في هذه الإنتخابات عبر المراقبين الدوليين، والحديث عن الأموال الغربية الطائلة التي سلمت للمعارضة، ولقاءات المسؤولين الغربيين بقادتها، وتحريك ملف الجنائية "الدولية"من جديد، والجولات الم****ة، والإجتماعات السرية التي يقوم بها مسؤولون غربيون أبرزهم: وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (مادلين أولبرايت) التي خاطبت بعض قادة المعارضة في اجتماع معهم في إحدى الدول المجاورة قائلة: "حانت الفرصة لكي تعودوا إلى بلادكم للإطاحة بنظام البشير واستلام مقاليد الأمور

[B]كلها أمور تؤكد أن هناك إرادة غربية لإسقاط ـ أو إضعاف ـ نظام الإنقاذ، مما يجعلنا نطرح بعض التساؤلات البريئة

[B]هل سيقبل الغرب بالنتائج إذا جاءت في صالح البشير وشيعته؟ أم أننا سنشاهد المشهد "الفلسطيني" مرة أخرى؟

[B]والأهم من ذلك، هل ستقبلها المعارضة؟ أم أنها ستنزل للشارع بعد أن استغلت فترة الحملة الإنتخابية لأيصال خطابها التحريضي ضد حكومة الإنقاذ ؟

[B]ثم ماهي الخيارات أمام المؤتمر الوطني في التعامل مع قضايا الإستفتاء وترسيم الحدود... في حال حصلت المعارضة والمستقلين والحركة الشعبية على غالبية المجلس التشريعي؟

[B]هذه التساؤلات ـ وغيرها ـ لن يجد السودانيون إجابات عليها قبل الإقتراع

[B]ــــ وأخيرا

[B]إن قراءتنا للساحة السودانية عموما ، والإنتخابية منها خصوصا؛ تؤكد لنا أن المشهد الإنتخابي لن يكون المحطة الأخيرة لقطار التجاذبات بين القوى السياسية السودانية، وذلك لعوامل منها ماهو: إيدلوجي، وقبلي، ومحلي، وخارجي،

[B]كما أن مسألة الإنفصال بين الجنوب والشمال، أصبحت مسألة وقت، مما يحتم على المؤتمر الوطني مراجعة حساباته، وعدم التفريط في مدن كبيرة يعيش فيها مسلمون، وذلك إما بمراجعة قانون الإستفتاء مع الحركة الشعبية، أو اللجوء ـ على الأقل ـ إلى خيار الإستفتاء في كل منطقة على حدة، وعندها: ((سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

[B] نقلا عن السراج الموريتانية

[B]