مشاهدة النسخة كاملة : التفســــير «الأشـــــعرى» للربيـــــع العـربي (ابراهيم اليومي)


ابو نسيبة
01-22-2012, 10:42 AM
التفســــير «الأشـــــعرى» للربيـــــع العـربي (ابراهيم البيومي)

بحسب نظرية «الكسب» الأشعري استجاب الله سبحانه لهذا السعي الشعبي، وتلك الإرادة الحرة؛ فتجلت ولا تزال متجلية فى موجة الربيع العربى وما يصحبها من تحولات لا تزال في سيرها نحو الاكتمال.
بالإمكان الشروع فى تقديم «تفسير أشعرى» للحالة الثورية فى بلدان الربيع العربى بعد أن أتمت عامها الأول. فاثنا عشر شهرا مدة زمنية معقولة للإقدام على مغامرة تفسيرية من هذا النوع، واستمرار «الحالة الثورية» محتفظة بروح التغيير التى ولدتها أو تولدت عنها هو أمر يدل على أصالة هذه الحالة وينفى عنها «الاصطناع» من قوة أجنبية، أو عقلية تآمرية. ويؤكد هذا كله قدرتها على «التوسع الاجتماعى والسياسى»؛ ليس فقط فى المحيط الإقليمى العربى، وإنما أيضا فيما تسرب منها إلى المحيط العالمى فى حركات احتلال الميادين والمدن فى مناطق عدة من العالم.
قد يستغرب أحدهم بداية ويسرع فيقول: ماذا عساه أن يفيدنا الأشعرى فى فهم هذه «الحالة الثورية» الراهنة، (ولد الإمام الأشعرى سنة 260 هـ ومات سنة 324هـ)، والسائد الشائع عنه أنه كان يعدُّ من دعاة المحافظة على الوضع القائم، ومن أقوى معارضى الخروج على الحكام درءا للفتن وحقنا للدماء؛ حتى تسرع أحد الكتاب المعاصرين ووصفه بأنه «عقل السلطة» ودعامة معرفية للاستبداد!.
ودون الدخول فى تعقيدات الأطروحات الكلامية التى رسم بها الأشعرى جوانب مهمة من الملامح العامة للتفكير الإسلامى/الإنسانى، والإنسانى/الإسلامى منذ القرن الرابع الهجرى إلى اليوم؛ نقول إنه لا علاقة بين بعض المستبدين من حكام عصرنا والمظالم والمفاسد التى تسببوا فيها، وبين عدم الخروج الذى دعا إليه الأشعرى والفتنة التى خشى منها فى زمنه. ونكتفى هنا فقط بقراءة أولية للربيع العربى من خلال نظريته فى «المعرفة»، ونظريته فى «الكسب».
لنقرأ أولا الحالة الثورية فى بلدان الربيع العربى من خلال نظرية المعرفة عند الأشعرى. وقبل ذلك علينا أن نؤكد أن الأشعرى لم يخرج عما ذهب إليه علماء كُثُر من قبله وبخاصة الإمام الشافعى (150 ـــــ 204هـ) فى ترتيب مصادر المعرفة وحجية كل منها، وأولها وأعلاها القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والإجماع، ثم قول الصحابى، والقياس. وأخذ موقف متوسط بين العقل والنقل دون إغفال لأى منهما على حساب الآخر؛ مع إعطاء الكلمة العليا للوحى باعتباره «سلطة مطلقة من كل وجه وبكل اعتبار». ولم يسرف الأشعرى فى التأويل؛ بل ضبطه بالقدر الذى توجبه قواعد اللغة واستعمالاتها الموثوقة، ووقف رحمه الله سدا منيعا أمام الاتجاهات التى نزعت نحو التشبيه والتجسيم الحسى لله -سبحانه وتعالى- واختار «التنزيه» بلا تعطيل وبلا تشبيه؛ محافظة على مبدأ التوحيد من أن يتخلل إليه درن الإلحاد أو الحلول.
ما يميز هذه الرؤية التوحيدية الأشعرية هو «الانفتاح» والارتكاز على العقل الموظف للنظر، والبحث فى كل مصادر المعرفة بأوامر مباشرة جاءت فى أصولها العليا (الكتاب والسنة). العقل الأشعرى ليس حبيسا لتلك النصوص المصدرية؛ وإنما هو طليق بفضلها وتحت سمائها، وكلما أنصت إليها انفتحت له آفاق جديدة، وكلما رجع إليها أمرته بمزيد من التأمل والمراجعة وإدامة النظر كونها تنطوى على معان «لا متناهية»، وكون الواقع المحدود هو الذى ينطوى على وقائع متناهية زمانا ومكانا، وهذا بخلاف الرؤى الجبرية والقدرية والاعتزالية التى نافحها الأشعرى حتى «حجز أصحابها فى أقماع السماسم»، على حد وصف الفقه الأصولى الكبير أبو بكر الصيرفى (ت 330 هـ).
فى رأينا أن أكثر ما يعطى الرؤية المعرفية الأشعرية قدرتها التغييرية هو انتظامها لقيم: العدالة، والحرية، والمساواة تحت مظلة «التوحيد». وكذلك فى إثباتها لحرية الإنسان ومسئوليته عن كسبه من جهة، والمحافظة على جوهر التوحيد وعدم تجزئته من جهة أخرى، وهذا هو السر الأكبر الذى أثار ولا يزال يثير حنق الاتجاهات الإلحادية ضد الأشعرى. تلك القيم هى نفسها التى استبطنتها جماهير الربيع العربى، وهفت إليها نفوسها، وتعلقت بها آمالها، وعبرت عنها فى شعاراتها فى ميادين التحرير والتغيير.
تلك القيم هى نفسها التى يؤدى إليها التفكير الأشعرى، والإسلامى بالمعنى المرجعى المعرفى الذى أوضحناه لديه. وهى نفسها القيم التى أشار إليها نداء «الإسلام هو الحل»؛ الذى آوت إليه جماهير أمتنا العربية وآمنت به واستقر عليه وجدانها واطمأن به قلبها، وعلى أساسه انحازت فى اختياراتها نحو الأحزاب والتيارات التى تشاركها «المرجعية الإسلامية». وهذا هو ما عبر عنه بدقة الرئيس التونسى المنتخب المنصف المرزوقى فى قوله إن فوز الإسلاميين فى الانتخابات مرده «إدراك الشعوب أن الإسلام هو الحل». وليس ثمة حاجة لكثير من المجادلة فى ذلك؛ وإلا فأى معنى «للحل الإسلامى» إن لم يكن هو إقامة العدل الذى أمر به الله، وتحرير النفس الإنسانية من قيود الجهل والأمية والخرافات والعوز والتبعية والاستبداد والظلم والقهر والفقر؛ وأى معنى لهذا الحل إن لم يأخذ بيد الناس إلى حالة المساواة التى أرساها الإسلام على أساس الوحدتين المتينتين» «وحدة الجنس البشرى»، و»وحدة الخالق» سبحانه وتعالى!.
يزداد فهمنا المعرفى/ الأشعرى للحالة الثورية فى بلدان الربيع العربى؛ إذا ألقينا على هذه الحالة أيضا أضواء نظرية عملاقة أخرى من نظريات الإمام الأشعرى وهى نظرية «الكسب». وحب حصيد هذه النظرية هو أن «الله تعالى خالق والإنسان كاسب». وقد جاء الأشعرى بهذه الفكرة ليخرج من مأزق الجبرية الذين قالوا إن الإنسان ليست له إرادة فيما يأتى أو يدع من الأفعال أو الأقوال، وليخرج أيضا من مأزق القدرية الذين ذهبوا إلى أن الإنسان هو الفاعل الحقيقى لما يأتى أو يدع مستقلا عن إرادة الله.
فى القرنين الثالث والرابع الهجريين، كانت أطراف الجدل فى مسألة الجبر والاختيار قد اتسعت، ولم يعد لبحر الجدل فيها ساحل ولا قرار بين المتكلمين من الجبرية والقدرية والمعتزلة وغيرهم من المتكلمين والفلاسفة، وزادته تدخلات الحكام وأصحاب السلطة السياسية احتداما.
ورغم قوة المنطق الذى استخدمه المعتزلة آنذاك؛ إلا أن آراءهم لم تتمتع بقدرة على التوسع الاجتماعى. وبحسب العلامة الدكتور حسن الشافعى فإن خطأ المعتزلة القاتل قد تمثل فى استخدامهم للسلطة السياسية العباسية وتحالفهم معها لإلزام خصومهم بآرائهم فى حلقات السياط والتعذيب؛ بدلاً من حلقات الحوار والجدل. وهى الآفة التى ما فتئت تصيب -بصور مختلفة- أصحاب الاتجاه العقلى البحت من التابعين للعقل الحداثى الغربى؛ فهم سلطويون أكثر من غيرهم فيما يظهر من تحالفاتهم المتكررة مع سلطات الاستبداد العربية ضد السواد الأعظم من المواطنين. وهم اليوم أكثر الذين يتشككون فى أصالة الحالة الثورية والفعل التغييرى الشعبى، ويصورون هذا الفعل على أنه حاصل حالة «عدمية» يشيرون إليها تارة بانتشار الأمية والفقر وغياب الوعى لدى السواد الأعظم، وتارة بأنها «فعل تآمرى» خارجى، أو كما قال أحدهم هو «سايكس بيكو جديدة»، أى لا حول ولا قوة لشعوبنا العربية فى الأخذ بزمام الولاية على نفسها وتقرير مصيرها باختيارها. وهم فى جميع الحالات يهينون هذا السواد الأعظم ويزدرون قدرته على الفعل والكسب بمحض إرادته الحرة.
لم يخترع الأشعرى مفهوم «الكسب»؛ فمنطوق الكسب ورد كما نعرف فى عديد من آيات القرآن المجيد، ولم يكن هو أول القائلين به فقد سبقه علماء آخرون، ناهيك عن الذين تناسلوا على دربه عبر القرون وإلى اليوم، ولعل آخر طبعة أشعرية منهم وأبرزهم فى عالمنا المعاصر هو الشيخ محمد فتح الله كولن الحنفى الأشعرى (من علماء الأناضول التركى) فى كتابه الدرة المعنون فى ترجمته العربية باسم «القدر فى ضوء الكتاب والسنة». وإنما الإسهام الأهم للأشعرى فى مفهوم الكسب ليس فقط فى جعله مناط التكليف، وإنما فى أنه ربطه بإرادة الله: فــعندما يريد الإنسان الفعل يخلق الله هذا الفعل، مع سابق علمه به. وهنا بيت القصيد فى تفسيرنا للربيع العربى بنظرية الكسب الأشعرى. وفى ضوئها نفهم الآن اجتماع بإرادة الإنسان/ الشعب وإرادة الله سبحانه.
أراد الشعب التغيير، وغير ما بنفسه وبادر بالسعى والقصد والميل والانبعاث (وكلها من معانى الكسب حسب القاموس الأشعرى) نحو الفعل التغييرى الثورى. خرج للميادين، ولم يكن يخرج.. كسر حاجز الخوف، وكان يموت من خوف الخوف. نطق السواد الأعظم وهتف بعد صمت طويل: «الشعب يريد إسقاط النظام»، «يريد تطهير البلاد...»» «يريد...، ويريد....إلخ». ألا يمكننا أيضا قراءة أبى القاسم الشابى قراءة أشعرية فى أيقونته: «إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر»؟. ألم يكن أشعريا فيما قال؟.
بحسب نظرية «الكسب» الأشعرى استجاب الله سبحانه لهذا السعى الشعبى، وتلك الإرادة الحرة؛ فتجلت ولا تزال متجلية فى موجة الربيع العربى وما يصحبها من تحولات لا تزال فى سيرها نحو الاكتمال. وظهرت وتجلت أيضا معالم «الكسب» الأشعرى الحر فى اختيارات الناخبين فى الانتخابات الحرة النزيهة حيثما جرت فى بلدان الربيع العربى.

نقلا عن موقع الحرية والعدالة