مشاهدة النسخة كاملة : ربيع موريتانيا الساخن سياسيا


ابن تيارت
03-19-2010, 09:47 PM
نواكشوط ـ سعيد ولد حبيب

... ربيع موريتانيا الساخن سياسيا
موسيقى "النيفارة".. صدى " المعارضة في مواجهة حماسة "فاغو" الموالاة

نفخ عازف "الناي" البدوي، في "نايه" مترنما ترنيمة حزينة على طريقة موسيقى"لبلوز" الأمريكية القادمة من ريف الاضطهاد والتمييز، لم يدرك "بلارو" الثلاثيني المنحدر من ولاية زراعية ورعوية، والعازف على وتر الامتعاض والثورة، عبر "نيفارته" المطرزة بألوان زاهية، انه يمس بنوتاته الحزينة تلك، مكمن الوجع في لفيف القادة الذين جمعتهم وحدة المصير أشهرا، بعد أن فرقتهم الكعكة أفرادا وأحزابا، عبر تاريخ النضال.


انتظر مسعود ولد بالخير وضيوفه برهة وهم يتابعون مقطوعة عازف "الجاز" الموريتاني، الذي ما كاد ينهيها حتى انطبع المكان بهالة من السكينة والوقار.
تموجت الخيمة فوق رؤوس الحاضرين، قادة وقواعد، متهادية وهي تعلو وتهبط كسفينة عائمة في بحر مضطرب، تماما مثلما تصعد وتهبط أسهم ومواقف السياسة ورجالها في بلد لم يعرف استقرار سياسيا أبديا.

من اليمين إلى اليسار تجسدت ملامح المشهد المعارض حاليا على الأقل، جلس عبد القدوس ولد اعبيدنا في بوابة اليمين متأملا الرياح وهي تجري بسفينتهم ومحافظا على ذات النسق الذي تبناه منذ أن وقعت عيناه على الرئيس السابق سيدي ولد الشيخ عبد الله رغم التطورات والأحداث، فيما حمل محمد ولد مولود لواء "اليسار" في إحدى جولات الحروب الكلامية الساخنة، حروب قال ولد عبد العزيز إن المعارضة بدأتها، وقالت المعارضة انه على الرئيس تحمل تبعات هجمات حادة كان البادئ فيها، وبين هذا وذاك تلونت الطاولة بقزحيات المشهد السياسي.

كان يحي ولد أحمد الوقف على "العهد" مع زملائه محتلا مساحته ضمن جوقة فريق المعارضين، وقد كانت كلمات رئيس البرلمان مدعاة لسرور ظل باديا على ملامحه، شأنه شان الآخرين.
هي إذن، بحسب المراقبين، نذر توتر سياسي بين فريقين بالكاد يوجد لهما خيط وسط يمكن أن ينسج علاقة هادئة بينما في المدى المتوسط، فمن مختلف مكونات المشهد السياسي يتجسد بناء المعارضة الموريتانية في طبعتها الجديدة، ثوريون، وليبراليون، اشتراكيون يساريون وبراغماتيون، لا إيديولوجيون، كلهم ركائز خيمة المعارضة التي تبقى مفتوحة باستقطاب المزيد من المتذمرين القادمين من الخيمة الأخرى ، خيمة قال رئيس البلاد في عرفات إنها لن تكون مفتوحة دائما حفاظا على امن البلاد .. لكنها أيضا لن تكون مفتوحة لإشراك المعارضين في الحكومة.

لوحة موحدة بألوانها وتجلياتها، عكست جو مقر حزب التحالف الشعبي التقدمي، الذي يرأسه رئيس البرلمان، وربما قد تعكسه خلال المراحل القادمة، حيث يتولى التحالف الشعبي الرئاسة الدورية لمنسقية أحزاب المعارضة، وبين ولد اعبيدنا وولد مولود تجسد المشهد الرافض، الصامت، إلا من تصريحات رئيسه مسعود ولد بلخير حيث امسك الكلام نيابة عن رفاقه.
تبتل محمد يحظيه ولد المختار الحسن، في محراب الاستماع وقراءة العيون من حوله، في وقت لا "بديل" عن التريث و لا احد يمكنه قراءة الطالع السياسي في هذه المرحلة، التي يطرح فيها السياسيون أسئلة كثيرة حول الوضع وحول الافق.

وفيما آثر زعيم المعارضة أحمد ولد داداه الحضور قلبا وقالبا، لا بل واصطحب وجوها بارزة من حزبه، كان ولد مولود إلى جانب ولد بلخير يذكره تارة ويخبره تارة أخرى بأشياء ربما تكون غائبة عنه، أسر ولد مولود لمسعود ولد بلخير وهو يخطب أمام جمهور الصحفيين بان باخرة موريتانية محملة بالأسماك والمخدرات ضبطت في مياه اتشيلي على ناصية امريكا الجنوبية، حكاية التقطها ولد بالخير الغاضب متسائلا عن مصير شحنة مخدرات ضبطها الأمن الموريتاني، قبل أسابيع في صحراء موريتانيا الواسعة، بمحاذاة الحدود المالية والجزائرية، شحنة لم تحرق ولم يعرف مصيرها، رسائل مشفرة على طريقة السياسيين.

ليس هذا إلا جزءا يسيرا من معارك قد تستمر، وقد تتحول إلى فعل وليس لكلام، مثلما قال ولد بلخير "حيث يمكن للمعارضة أن تنزل للشارع لكنها تفضل حاليا طريق النصح عبر الحوار"، حوار يرفضه الرئيس لان مفهومهم في الأغلبية له يختلف عن مفهومه لدى المعارضة، ومن هنا جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير.
ربيع موريتانيا الساخن هذه الأيام لا يشي بجو معتدل، يسود مناخ العلاقة بين النظام والمعارضة، خصوصا وان الحزب الحاكم عازم على عرض عضلاته الشعبية وقد بدأ لإعداد حملة انتساب، في وقت ترى المعارضة انه حزب "الدولة" و"الكعكة"، وترى "الدولة" انه صدى "الجماهير المحرومة" طوال عقود من ثروات بلادها.

الحزب الجديد ينوي تنظيم مهرجانات "حاشدة"، كما يقول المنخرطون فيه، لتأكيد شعبية الرئيس الحقيقية وغير المصطنعة، وربما يشنف "الاتحاد" مؤيديه بموسيقى حماسية على طريقة "فاغو" الصاخبة، فيما المعارضة تعد العدة للنفير، بعد مهرجان الرئيس، وقد يحضره "بلارو" مرة أخرى، عازفا نايه المسائي الحزين.. فماذا بعد..؟

"""عن الصحراء مديا"""