مشاهدة النسخة كاملة : التصور الإسلامي للإنسان


أبوسمية
03-19-2010, 01:33 PM
التصور الإسلامي للإنسان


ماهر سقا أميني

في مقابل النزعة الانسانية كما ظهرت في الفكر الأوروبي والتي يراها الحداثيون منجزاً بشرياً يتفاخرون به والتي تركز على الحرية المطلقة للإنسان وتمرده على الدين والسلطات واعتبار الفرد مقياس نفسه من دون ثوابت يلتقي عليها الجميع نجد أن التصور الإسلامي للإنسان المستوحى من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة يمثل تصوراً أرقى وأنبل وأكثر أخلاقية من ذلك الانسان الذي يريدونه ثائراً على كل شيء ولا يأبه بشيء ولا بأحد أن (الخير) مكون رئيس في الانسان كما في الاسلام وهذا من فضل الله وكرمه، أما (الشر) فهو طارئ وغريب على الفطرة البشرية وهو المقصود بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، في حين ان النزعة الانسانية الحداثية لا تهتم كثيراً بالشأن الأخلاقي قدر اهتمامها بحرية الانسان المطلقة فضلاً عن أن بعض فلاسفتهم يرى أن الانسان شرير في الأصل أو حيادي بالنسبة للأخلاق ثم إن الانسان خليفة الله في الأرض خلقه بأحسن تقويم وميزه بالعلم مما جعله مستحقاً لسجود الملائكة له وسخّر له الكون ومكنه من تسخيره بما أعطاه من قدرات وإمكانات ثم بين له أنه إنما خلقه من أجل عبادته وحده سبحانه وتعالى وتمام العبودية لله يعني تمام الحرية من عبودية من سواه . من هنا كان الإنسان المسلم هو الانسان الحر بحق ويشهد بذلك التاريخ لذلك لم يكن الوحي غريباً على نفس الانسان يقول ابن القيم في تفسير (الله نور السموات والأرض) متحدثاً عن الانسان: قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله ولكن لا مادة له من نفسه فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه وخالطت بشاشته فازداد نوراً بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة . . نور على نور، فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثراً ثم يسمع الأثر مطابقاً لما شهدت به فطرته فيكون نوراً على نور (التفسير القيم) . وفي صحيح مسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام: (يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم) .



ان في الكلمات الدالة على الخير في الانسان كما في القرآن والسنة المطهرة معاني الثبوت والاستقرار والاصالة والايجابية، أما الكلمات الدالة على الشر ففيها معاني النفي والتغيير والسلبية - كما يقول الدكتور جعفر إدريس - من هنا كان النفاق مرضاً في القلب وكانت القلوب غير المستجيبة لأنوار الوحي غلفاً أو في أكنة فالأصل دائماً هو الخير والشر طارئ وغريب . ولكن ما هو هذا الخير الذي فطر الانسان عليه؟ السلامة الجسمانية (أحسن تقويم)، التوحيد وفيه معنى العبودية لله وحده والتحرر من عبودية ما سواه، الخير الأخلاقي قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن والسنة)، الأحكام العقلية الرئيسة التي تبنى عليها كل المعارف والقدرات والامكانات، القدرة على الاختيار مقابل العدمية والفوضى والعبثية عند بعض انسانيي الغرب .



إن الانسان في الاسلام انطلاقاً من توحيده وعبوديته وخيريته هو في منتهى القوة والحرية وفي الوقت نفسه في منتهى الرحمة والمحبة والعطاء والالتزام بما لا يؤذي الناس ولا يؤذي نفسه . من هنا كان جوهر الإنسانية في الاسلام هو العبودية التامة لله، ومن هنا كان الإنسان الكامل الرسول المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم هو المستحق الاول لوصف العبودية .



لقد شرف الانسان “ونفخت فيه من روحي” على ألا تفهم الياء هنا على انها تعني التبعيض مما لا يتفق مع التوحيد،كما شرف بأنه خليفة الله في الأرض على ألا يفهم ذلك بمعنى الخلافة عن غائب، فالحق سبحانه وتعالى هو القيوم وبه يقوم كل شيء ولا بد أن يربأ من كانت هذه صفاته عن ظلم نفسه وظلم الآخرين .


نقلا عن الخليج الإماراتية