مشاهدة النسخة كاملة : عهد الفساد الزاهر { مولاي عبد الله ولد مولاي عثمان }


Dah_2010
12-20-2011, 07:57 PM
عهد الفساد الزاهر { مولاي عبد الله ولد مولاي عثمان }

http://img40.imageshack.us/img40/4766/67493311.jpg
مولاي عبد الله ولد مولاي عثمان

في موريتانيا أكثر الشعب مطحون مظلوم ، لا يصل إلى حقوقه ولا تصل حقوقه إليه، كلاهما "رهين محبسين" ؛ القهر والجهل والنهب والبيروقراطية.

في موريتانيا رئيس لا يقول الحقيقة كاملة لشعبه ووزير لا يؤتمن على مثقال حبة من خردل من مال الشعب وإدارة لا تستبين سبيل الرشد ولا تتخذه سبيلا.

في موريتانيا أباطرة فساد أولوا قوة وأولوا بأس شديد ..الأمر إليهم ينهون ويأمرون ويعطون ويحرمون.

في موريتانيا استطاعت مؤسسة الفساد إعادة إنتاج ذاتها خلال سنوات قليلة من عهدها الزاهر، وأعادت النظر سريعا في طبيعة وسائل إنتاجها التي سُجل أغلبها كـ"براءة اختراع" جديدة لأشخاص ومؤسسات خصوصية معينة تهيمن على القطاعات التجارية والاقتصادية الحيوية للبلد.

لقد تبنت مؤسسة الفساد مفاهيم جديدة أكثر تضليلا وخطورة من المفاهيم التي سادت في العهد الطائعي كـ"تفكريش" و"الحظرة" و "ال تولى ش ظاكو" ..الخ ، إلى حد يقترب من الإفلاس الأخلاقي ؛ فالفساد الذي يضرب أطنابه اليوم في مؤسسات الدولة وإداراتها ويخدر جميع مفاصلها يحظى بشرعية شبه قانونية !! إنه فساد باسم محاربة الفساد .. هي حرب على الفساد لكنها لا تؤدي في النهاية إلا إلى تحسين شروط المفسدين !

إن أقل ما يقال عن مفسدي موريتانيا أنهم مجددون بحق ، حداثيون في إفسادهم ، مبدعون في عملية "التجايل" التاريخية البارعة التي يحدثونها الآن برعاية سامية من رئيس الجمهورية ؛ عملية تضمن استلهام الجيل الجديد قيم الفساد الكبرى وأدبياته من سلفه دون تعطل أعمال "السلف".. المفسدون وحدهم أثبتوا أنهم يملكون آليات لإحداث ثورة نوعية في مجال اهتمامهم، فقد نجحوا في إفلاس شركات قومية كبرى واحتكروا مجال عملها، وهم الآن يستحوذون على عقود الصفقات الكبرى والصغرى وما بين ذلك.

المال هنا دُولة بين الأغنياء ( رجال الأعمال والرئيس ووزرائه وحاشيته وذويه وفصيلته التي تؤويه ) بينما يستقبل الشعب في أحيائه الفقيرة وفي الداخل كل يوم نعيَ سعر سابق منخفض وميلاد سعر جديد مرتفع ، أما قيمة الأوقية فـ "كجلمود صخر حطه السيل من عل".

رواتب صغار الموظفين آلاف معدودات أرهقتها الضرائب والإتاوات والمكوس ، أما رهابين الولاء والتبعية وذوو الحظوة والزلفى فما لهم وللرواتب؟ لا يعرفون قدرها ولا يتطلعون إلى حلول أجلها !! ولماذا يفعلون ذلك ولهم في الرشى و"الاختلاس المباح" غنى عنه؟ إن طعم المال الحلال في أفواههم مر زعاق!

يقول الرئيس وأكثريته ومن تبعهم بإحسان إن المواطن يعيش في حالة اقتصادية مريحة ، لكن في لفتة إلى الواقع السيء بشهادة الشعب نفسه غَناء عن تصديق مقولة كهذه، فلو قرعت اليوم باب أي منزل أومشيت في الأسواق تسأل من تلقاه سؤالا موحدا : حالك اليوم أفضل أم أمس؟ فغالب الظن أنك سترجع بجواب واحد : "كنت أمس بخير!" هذه هي الحقيقة التي يجب أن يعترف بها الرئيس وأكثريته و"معارضته" وشبابه.

لكن بعض طبول التأييد ـ التي تجود بأضعاف ما يطلب منها ـ لا تستحلي من أقيسة المفاضلة إلا قياس موريتانيا على دول ضربتها المجاعات أو الحروب الأهلية وكلما حدثتهم عن مأساة البلد حدثوك عن مآسي القرن الإفريقي وساحل العاج ونيجريا وليبيريا وكأن في المقايسة وحيا إليك أن الأسوأ قادم لما يحدث بعد!!

أما الفساد السياسي فحديثه "متواتر محفوظ" .. أغلبية بنَت كيانها من أنقاض انقلاب عسكري وتجمعت من شتاتها على برنامج شخص ـ باعترافها ـ لا على برنامج وطن ، وشباب مهمته التطويف في الآفاق والتصفيق للرئيس ، هذا بالإضافة إلى تحشيد جهد مؤسسات الدولة واختزال غالب اهتماماتها في تفتيت المعارضة وضرب بعضها ببعض.

شُطرت حركة "الحر" نصفين وكذلك فُعل بحزب التحالف وقطّعت أشلاء حزب "التكتل" طيلة فترة معارضته للنظام ، واستهُدف تواصل واتحاد قوى التقدم وأحزاب أخرى، واستُزرعت نقابات لأساتذة التعليم العالي وأخرى لطلاب الجامعة، ولم تأمن نقابة المحامين ولا النقابات العمالية، وتمت محاولة تقسيم "إيرا" في أحدث فضيحة سياسية أمنية في هذا الإطار!

من الظاهر لمن يهمه الأمر أن حزب الاتحاد من أجل الجمهورية وإدارة الأمن الوطني يقفان وراء إغراق الساحة السياسية بموجة من النسخ "المقلدة" للأحزاب والنقابات وهئيات المجتمع المدني الأخرى، وقد لا يكون آخرها ما راج مؤخرا من وصول عباقرة التخطيط السياسي في القصر الجمهوري إلى ضرورة إنشاء حزب إسلامي يتنفس أكسجين العسكر.

الحقيقة أن دروب الفساد بصنوفه ومسالكه اليوم أصبحت سالكة أكثر من ذي قبل ..آمنة أكثر من ذي قبل .. واسعة بما يكفي ، لكن للسائر فيها شروطا أساسها القرابة والعرق والجهة والانتماء السياسي و"القدرة على التجديد".

لقد بان لذي بصيرة أن كل ما أعلنه ويعلنه الرئيس الحالي من محاربة للفساد والمفسدين ليس في حقيقته إلا عملية "إعادة انتشار" ومحاولة "إصلاح" داخلي لمؤسسة أصبحت في عهده مؤسسة رسمية جدا وتجديد لآليات عملها واستبدال أشخاص بأشخاص ومواقع بأخرى ، إضافة إلى استغلال "الحرب" لتصفية حسابات سياسية مع معارضين أو أتباع حل عليهم سخط الرئيس.

سيدي الرئيس يُنسب إلى جعفر بن يحيى البرمكي أنه وقّع على كتاب فيه شكاية من أحد عماله ـ وكأنك ذاك العامل ـ فكتب : "قد كثر شاكوك وقل شاكروك فإما عدلت وإما عُزلت" .. إن أحسن حالاتك سيدي الرئيس أن تكون كـ"ممسك القرنين وغيرك يحلب" وهي لعمري حال ليس لها في الحسن نصيب.


تحياتي