مشاهدة النسخة كاملة : التصوف الإسلامي: المصادر, المؤثرات, الأدوار, الاستنتاجات { محمد المصطفى ولد البشير }


Dah_2010
12-17-2011, 12:57 PM
التصوف الإسلامي: المصادر. المؤثرات. الأدوار . الاستنتاجات { بقلم: محمد المصطفى ولد البشير }

كانت بداية التصوف الإسلامي هروبا إلى الله، وزهدا في الدنيا وملذاتها وسعيا إلى الانزواء والتعبد، وابتعادا عن الفتن والمجون، لأن التصوف الإسلامي يمثل بحق الحياة الروحية للديانات السماوية، ويجسد التدين الصحيح الذي يحرك الإنسان في دائرة الفعل المسؤول، فلا حقد ولا عداء ولا حسد ولا بغضاء ولا كراهية ولا تطاول على حقوق المخلوقين والعباد ، ونظرا لأهمية التصوف الإسلامي في حياتنا الروحانية اتجاه خالقنا جل وعلا، سأحاول تسليط الضوء على موضوع التصوف الإسلامي: المصادر. المؤثرات والأدوار انطلاقا من المحاور التالية :

1- تعريفات التصوف الإسلامي
2- مصادر ومؤثرات التصوف الإسلامي.
3- أهم الطرق في التصوف الإسلامي.
4- الأدوار التي لعبها التصوف الإسلامي.
5- الاستنتاجات
1- تعريفات التصوف الإسلامي

أثارت تسمية التصوف الإسلامي جدلا عند مؤرخي التصوف، وتعددت الآراء حول تعليل مصطلح التصوف، فقد عرفها أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي وهو من أقطاب التصوف في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف فقال: إن هناك من نسب الصوفي من صفا قلبه لله.

وذهب آخرون إلى أن الصوفية هي من الصفة، وهي مكان ملحق بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، ارتاده جماعة من المسلمين الفقراء الذين أخرجوا من ديارهم، وكانوا نحو أربعمائة رجل لم تكن لهم مساكن أو عائلات أذن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقيموا في فناء مسجده وانقطعوا للعبادة والجهاد في سبيل الله، وتعلم القرآن، وكان رسول الله يواسيهم ويجلس ويأكل معهم، وغالبا ما كانوا لا يلبسون إلا ثوبا واحدا من الصوف لا يملكون غيره، ومن أهل الصفة: بلال بن رباح، سلمان الفارسي، أبو ذر الغفاري، أبو موسى الأشعري وغيرهم رضوان الله عليهم...

وقيل إن تعليل تسمية أهل التصوف بالصوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله تعالى، لإقبالهم على الله تعالى وتجريدها عما سواه...

وعرف ابن خلدون التصوف بأنه: العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والإنفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف، فلما نشأ الإقبال على الدنيا في القرن الثاني للهجرة وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة . وعرف ابن تيمية المتصوفة بالقول: (الصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين. وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين من هو ظالم لنفسه عاص لربه) .

والحقيقة أن مصطلح التصوف الإسلامي لم يعرف في الإسلام إلا في أوائل القرن الثاني للهجرة عندما زاد الاتصال بين المسلمين والشعوب والحضارات الأخرى المختلفة بسبب سرعة انتشار الإسلام، وقد أعرض الكثير من علماء الصوفية عن التعريف بالتصوف، لأنهم يعتبرونه علما لدنيا لا كسبي على نحو ما قال فريد الدين العطار: (إذا تجاوز القرآن والأحاديث فليس ثم كلام يعلو على كلام مشايخ الطرق رحمة الله عليهم، فكلامهم ثمرة للعمل والحال، وليس نتيجة للحفظ والقال، وإنه من العيان لا من البيان، ومن الأسرار لا من التكرار، ومن العلم اللدني، لا من العلم الكسبي، ومن الثورة والهيام، لا من العمل والإقدام، ومن عالم أدبني ربي لا من عالم ربي. فإنهم ورثة الأنبياء، ثم إن السبب لعدم شرحنا للأقوال، هو أن الأولياء مختلفون، فبغضهم من أهل المعرفة، وبعضهم من أهل المعاملة، وبعضهم من أهل المحبة، وبعضهم من أهل التوحيد، وبعضهم جامع لكل ذلك، وبعضهم متصف بصفة، وبعضهم لا يتصف بصفة) .

ولذلك فإن سلوك طريق التصوف الإسلامي ليس بالأمر السهل، لأنه علم وعمل، وصقلا لحياة الفرد بالطاعات والعبادات ليكون مؤهلا للسير في هذا الاتجاه الذي لا يسلكه إلا من حسنت سيرته، وصفت سرائره، وتوجه إلى الله بقلبه وجوارحه متجاوزا كل الصعاب، ووسوسات الأنا.

2- مصادر ومؤثرات التصوف الإسلامي.

تعددت الآراء حول مصادر التصوف والتأثيرات التي لحقت به سواء كانت داخلية أو خارجية، وعلى الرغم من تعددها فإنه يمكن حصرها في اتجاهين رئيسيين هما:
أ) يرى بعضهم أن لا صلة للإسلام بالتصوف، معتبرا أنه نتاج تأثيرات دينية وعرقية لأقوام وحضارات دخلت إلى الإسلام وتأثر بها بعض الناس، وأنتج مزيجا من التصورات والنظريات المتداولة.

ب) يرى آخرون أن التصوف إسلامي النشأة والجذور، نشأ من ذلك الزهد الذي عرف به محمد صلى الله عليه وسلم والكثير من صحابته وأتباعه بفعل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي حملت معاني الزهد في الدنيا والآخرة، وقد ساهمت الفتوحات الإسلامية في نشأة مدارس التصوف الإسلامي على أيدي أولئك المؤمنين الذين أرادوا أن يميزوا أنفسهم عن إخوانهم الذين مالوا إلى حياة الترف والنعيم، وفي ذلك يقول إبراهيم مذكور (التصوف ظاهرة إسلامية نبتت في جو الإسلام وبيئته، وتأثرت أساسا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واعتمد على ما جاء في الكتاب والسنة من حكمة وموعظة، وشاركت المدارس الإسلامية الكبرى في بعض ما عرضت من مشاكل، ولكنها كالظواهر الإسلامية الأخرى لم تسلم مما سرى إلى العالم العربي من عوامل خارجية وكان لا بد لها أن تتأثر وتأخذ عنها) . فمما لا شك فيه أن هناك مؤثرات داخلية دخلت في التصوف الإسلامي وفعلت فعلها، وتأثرت بها بعض طرق التصوف الإسلامي حتى حادت عن حقيقتها، ورافقها الكثير من البدع، والانحرافات والخزعبلات التي لا أساس لها في العقيدة الإسلامية أو في السنة النبوية المطهرة، ومنها من التزم بأصول العقيدة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف الصالح فباتت في ممارساتها طاهرة نقية تزكو بها النفس، وتطمئن إليها القلوب، ولذلك كان قول المفكر الإسلامي الكبير عمر فروخ بهذا الشأن (الصوفية حركة بدأت زهدا وورعا ثم تطورت فأصبحت نظاما شديدا في العبادة، ثم استقرت اتجاها نفسيا وعقليا بعيدا عن مجراها الأول، وعن الإسلام في كثير من أوجهها المتطرفة) . والمؤثرات الداخلية على التصوف الإسلامي وطرقه داخلية وخارجية:

أما الداخلية فهي العوامل الإسلامية التي ترسخت في نفوس الناس من خلال الإيمان المطلق بالله تعالى حيث تجلى ذلك في القرآن الكريم، وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والأحاديث النبوية الشريفة، وفي نشأة علم الكلام ومن أنتجه من جدل في مسائل الصفات والاختيار، ونظريات الحلول والاتحاد وغيرها مما أربك جمهور المسلمين وأشغل خواصهم.

أما المؤثرات الخارجية فهي متعددة ومتنوعة منها :

* المؤثرات الهندية : تعرف المسلمون على بلاد الهند مع بداية القرن الثاني للهجرة، واعتنق الكثير من أهل البلاد الإسلام، وقامت بينهم صلات تجارية واقتصادية، وترجمت كتبهم وآثارهم. وتأثر التصوف الإسلامي بحياة التقشف والزهد، ومجاهدة، النفس التي مارسها الهنود في طقوسهم وخاصة احتقارهم للذات الجسدية، وممارستهم لرياضة (اليوغا) التي تركز على قهر الجسد وتعذيبه، ويصفهم الجاحظ بالقول : (إن هؤلاء سياح والسياحة بالنسبة لهم في حكم التوقف واعتزال النساطرة في الصوامع والأديرة، وتلك الجماعة يسافرون دائما اثنين اثنين ويسيحون بحيث إذا رأى الإنسان واحدا منهم يتيقن أن الثاني ليس ببعيد عنه إلى حد ما، وسيظهر قريبا، ومن عاداتهم أنهم لا ينامون ليلتين في مكان واحد، ولهؤلاء السياح خصال أربع : القدس والطهارة والصدق والمسكنة) .

وهناك العديد من عناصر التلاقي بين التصوف عند المسلمين وبين التصوف الهندي حيث يلتقيان في النزعة الروحية وارتداء الملابس الخشنة والنزعة نحو غذاء الروح والتخفيف من غذاء البدن كما وصف أبو الفتح الشهرستاني فرقة من الهنود بالقول : (فاكتفوا بالقليل من الغذاء على قدر ما تثبت به أبدانهم، ومنهم من كان لا يرى ذلك القليل أيضا ليكون لحاقه بالعالم الأعلى قدر ما تثبت به أبدانهم، ومنهم من كان لا يرى ذلك القليل أيضا ليكون لحاقه بالعالم الأعلى أسرع) . ومن هنا يظهر أثر التصوف الهندي في التصوف الإسلامي في بعض وجوهه وممارساته، فالمذهب البوذي بدأ مع بوذا والتصوف المنظم بدأ مع إبراهيم بن أدهم. كان بوذا أميرا محاطا بعطف أبيه الملك، وكان إبراهيم مستعدا لارتقاء سدة الملك. انصرف بوذا إلى حياة الترف واللهو والمجون بين رقص الجواري وعزف الموسيقى ثم تحول إلى حياة الزهد والتقشف، كما انصرف إبراهيم إلى التمتع بلذائذ الشباب ليتحول إلى التصوف فيما بعد. كلاهما أمير ثري جميل، وكلاهما يتذمران من اللذة التي ترافق الفتى والفتوة والجمال، وكلاهما يتوقان إلى مثل عليا .

* المؤثرات الفارسية : التأثير الإشراقي أو المشرقي، نسبة إلى الشرق، وهو ظهور الأنوار العقلية ولمعانها وفيضانها بالإشراقات على الأنفس عند تجردها، وتحدث بشأنها عبد القاهر السهروري بالقول : (وكان في الفرس أمة يهدون بالحق وبه كانوا يعدلون، حكماء فضلاء غير مشبهة المجوس، قد احيينا حكمتهم النورية الشريفة التي يشهد بها ذوق أفلاطون ومن قبله في الكتاب المسمى حكمة الإشراف ، ويطلق الفرس عليها لفظ الخميرة الأزلية). ولما نشأت العلاقة بين العرب والفرس على أثر دخول الإسلام إلى بلاد فارس توطدت الصلة بينهما وحمل الفرس معهم إلى الدين الإسلامي الجديد من بعض عاداتهم وطقوسهم.

فالإشراق والكشف والتجرد، وغيرها من التعابيير ذات الدلالة على الصوفية والمتصوفة، تلتقي مع مدلول الخميرة الأزلية أو حكمة الإشراق، المعروفة عند حكماء الفرس، لاسيما وأن فارس لعبت دورا سياسيا واجتماعيا كبيرا في العالم القديم، ولدى دخول أهلها الإسلام بعد هزيمتهم في القادسية، دخلوا في الدين الجديد مع تراثهم وحضارتهم وثقافتهم العريقة.

* المؤثرات المسيحية : لقد عرفت المسيحية ورهبنتها في الجزيرة العربية والبلدان المجاورة لها قبل انتشار الإسلام، وكان العرب مع جاهليتهم ينظرون إلى الرهبان بكثير من الاحترام والإجلال، فلما بزغ فجر الإسلام في جزيرة العرب وانتشر أتباعه لم يجدوا من المسيحية وأتباعها، بداية، إلا التفهم والتلاقي في الوقوف أمام مؤامرات اليهود وخداعهم وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بالقول : "لتجدن أشد الناس عدوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون" .

ونظام الرهبنة في المسيحية يقوم على البعد عن ترف الحياة ومباهجها، وترك المجتمع، والانزواء في الأديرة البعيدة والرضا بالقليل من الملبس والمأكل، وقد تأثر المتصوفة المسلمون بهذا المنحى، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها من الفقراء) .
ويمكن القول بأن حركة التصوف الإسلامي بدأت في الانحسار مع بداية القرن الحادي عشر للهجرة، حيث بدأت مرحلة جديدة من الطرق والزوايا تأخذ أبعادا مختلفة عما سبقها اختلطت فيها الحقيقة مع الفوضى، والإدعاء مع الارتقاء فتشوهت بعض حركات التصوف الإسلامي في الوطن العربي والعالم الإسلامي وصارت تواكلا وخنوعا بعد أن كانت جهادا وزهدا، أصبحت تخلفا وأمية .

3- أهم الطرق في التصوف الإسلامي :

إن الصوفي أو التصوف من المصطلحات المستحدثة عن المسلمين، وقد أطلقت مع بداية القرن الثاني للهجرة لقبا على العالم الكيميائي جابر بن حيان الكوفي، وعلى أبي هاشم الزاهد البغدادي لاتصافهما بالزهد والتقشف في حياتهما، غير أن الصوفيين على وجه العموم يعودون بطرقهم وتنظيمها إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، وعلى وجه الخصوص لسيرة وسلوك الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ومن هنا كان قول أبي بكر الواسطي (أول لسان الصوفية ظهرت في هذه الأمة على لسان أبي بكر رضي الله عنه إشارة، فاستخرج منها أهل الفهم لطائف توسوس فيها العقلاء .

وعلى الأرجح إن أول من تكلم عن طرق التصوف ومريديها علي بن عثمان الهجويري في كتابه (كشف المحجوب) فقال : (الصوفية اثنتا عشرة فرقة، اثنتان منها مردودتان وعشر مقبولة، ولكل صنف منها معاملة طيبة، وطريق محمودة في المجاهدات، وأدب لطيف في المشاهدات) ، ويمكن إجمال طرق التصوف الإسلامي الأساسية قديما وحديثا بالآتي :

1- الطريقة القادرية : نسبة لإمامها عبد القادر الجيلاني الحسني.
2- الطريقة المحاسبية : ينتمي مريدو هذه الطريقة إلى العارف بالله الحارث بن أسد المحاسبي.
3- الطريقة الجنيدية : نسبة إلى أكبر أقطاب التصوف أبي القاسم الجنيد.
4- الطريقة النورية : ينتمي مريدها إلى أبي الحسين النوري وهو من علماء التصوف الإسلامي.
5- الطريقة القصارية : وتنتمي إلى حمدون بن أحمد القصار.
6- الطريقة الطيفورية : وهي نسبة إلى طيفور بن عيسى البسطامي من كبار رجال التصوف الإسلامي في القرن الثالث للهجرة.
7- الطريقة الخزازية : وهم المنتمون إلى أبي سعيد الخزاز.
8- الطريقة السهلية : نسبة إلى سهل بن عبد الله التستري.
9- الطريقة الحكيمية : نسبة إلى محمد بن علي الحكيم الترمذي، وهو من كبار أئمة التصوف في زمانة.
10- الطريقة السيارية : نسبة إلى أبي العباس السياري، إمام بلاد مرو.
11- الطريقة الخفيفة : نسبة إلى كبير أقطابها محمد بن خفيف.
12- الطريقة الشاذلية : نسبة لمؤسسها علي بن عبد الله الجبار الشاذلي.
13- الطريقة البكتاشية : ومؤسسها بكتاش الصوفي، وهو من أقطاب التصوف في عصره.
14- الطريقة الشابية : نسبة لأحمد بن مخلوف الشابي.
15- الطريقة العيساوية : نسبة لمؤسسها محمد بن عيسى.
16- الطريقة التيجانية : مؤسسها أحمد بن محمد الشريف الحسني التيجاني.
17- الطريقة السنوسية : نسبة لمؤسسها محمد بن علي السنوسي.
18- الطريقة العلاوية : نسبة لشيخها أحمد بن مصطفى العلاوي.
وحركة التصوف الإسلامي إجمالا في الوطن العربي والعالم الإسلامي تنتمي بشكل ما من الأشكال إلى هذه الطرق أو إحدى فروعها، لاسيما وأننا بتنا نشهد مجموعات متعددة من المتصوفة وبأسماء مستحدثة منها الملتزم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف الصالح، ومنها من ادعى التصوف وهو يحمل عقائد فاسدة ويمارس شطحات من الأفعال والأقوال لا تتناسب مع أحكام الشرع الحنيف، بل وتشوه حقيقة الزهد والتقشف وتتنافى مع حقيقة الإسلام، وقد وصف شيخ الإسلام، ابن تيمية الملتزمين بالقول (إن أولياء الله المتقون هم الذين فعلوا المأمور وتركوا المحظور، وصبروا على المقدور، فأحبهم الله وأحبوه، ورضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعداؤه أولياء الشيطان وإن كانوا تحت قدرته فهو يبغضهم).

4- الأدوار التي لعبها التصوف الإسلامي.

إذا كان أهل الصفة، وهم أصحاب الفناء الملحق بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم رواد التصوف الإسلامي، فإن المتصوفة بهذا المعنى ارتبطوا ارتباطا وثيقا بنشر الدعوة والجهاد والرباط في سبيل الله ومنهم كبار الصحابة والتابعين، الذين زهدوا في الدنيا وسلكوا طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وأما من نسب المتصوفة إلى من تخاذل وتقاعس وهجر الأوطان وتخلى عن العيال فهو بخلاف الحقيقة.

قال عليه الصلاة والسلام : "والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف الأول خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف الأول خير من صلاته ستين سنة" ، وقال عليه الصلاة والسلام: "عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله" . وقد وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم فرسان في النهار ورهبان في الليل، انطلاقا من قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم" .

وقد لعبت الطرق الصوفية دورا في نشر الإسلام في آسيا وأفريقيا وفي بعض البلدان الأوروبية من خلال طلابها وشيوخها الذين هاجروا في سبيل الدعوة إلى الله، وانتشار الدعوة الإسلامية في السنغال ومالي والنيجر وغينيا وغانا ونيجيريا والتشاد، إنما يرجع الشطر الأكبر في الفضل فيه إلى الطرق الصوفية، فكانت الزوايا والرباطات التي أسسها شيوخ هذه الطرق الصوفية أماكن لنشر الدعوة الإسلامية بين الشعوب الوثنية في غربي القارة الأفريقية وقلبها، ومرد هذا خصوصا إلى اختلاط الصوفية بالطبقات الشعبية في هذه البلاد، وعيشهم بين العامة والفقراء) .

ولذا كان إقبال الأفارقة على الدخول في الإسلام دون تردد نتيجة لجهود هذه الطرق الصوفية التي انتشرت في القارة وأسس لمريديها زوايا ومراكز لنشر تعاليم الإسلام وتعلم القرآن، وتعتبر الطريقة القادرية والتيجانية من أهم وأنشط الطرق التي عملت على نشر الإسلام ودعوته من خلال مراكزها في المغرب و موريتانيا و النيجر والسنغال وغينيا والسودان الغربي، كما تميزت طرق التصوف الإسلامي الحقيقية بدورها البارز في الدفاع عن المغرب العربي والشمال الأفريقي والمساهمة في صنع حضارته، وقد اشتهرت دولتا المرابطين والموحدين في هذا المضمار وأول رباط أقامه العرب بأفريقيا أسسه الوالي هرثمة بن أعين على غرار حصن الرشيد العباسي في ثغور البلاد الإسلامية بالشرق . وقد شكل المتصوفة طليعة هؤلاء فكانت الرباطات عامرة بالمرابطين والعلماء والصلحاء والمتصوفة ، وقد حمل التاريخ الإسلامي مواقف جهادية متعددة للعديد من الطرق الصوفية وأقطابها في التصدي للخطر الذي يهدد البلاد والعباد كقول المتصوف المجاهد عبد الله محمد بن يحيى البهلولي "إن الذي لم يتقلد سيفا في سبيل الله قط، ولم يضرب به، ولا عرف الحرب كما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يتعبد بالسيرة النبوية فكيف يعد إماما" . وكانت الصوفية وطرقها في طليعة المجاهدين ضد البرتغاليين والأسبان، وثورة المجاهد عمر المختار ومريديه ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا شاهد على دور الزوايا وأتباع الرباطات في محاربة أعداء الإسلام والمسلمين، كما لعبت الصوفية دورا إيجابيا وبارزا في المحافظة على اللغة العربية والعقيدة الإسلامية في بلاد المغرب العربي من خلال زواياها المنتشرة في المناطق البعيدة، بعدما حاول الاستعمال الأوروبي أن يسلخ هذه البلاد عن عقيدتها ومحيطها وثقافتها عن طريق الإرساليات والمراكز الثقافية التي أقامها بهدف إلحاق البلاد الإسلامية بالغرب دينيا وسياسيا وثقافيا. ولعبت الصوفية الحقة دورها في بلاد المشرق العربي حيث كانت مدينة عبدان في بلاد عربستان شرق العراق أول رباط تجمع فيه متطوعة البصرة للدفاع عن هذا الثغر الإسلامي، وفيه رابط عدد كبير من مشايخ الصوفية مثل مقاتل بن سليمان وحماد بن سلمة وبشر الحافي وغيرهم. هذه هي الصوفية الحقيقية؛ فهي مجاهدة ترى في الجهاد أعظم أعمال العبادة، وترى تعلم وتعليم القرآن الكريم والتمسك بالسنة النبوية المطهرة ونشرها بين الناس، من أجل الأعمال وأعظمها قربى لمرضاة الله تعالى، وهذا حكما لا ينطبق على مدعي الصوفية وطرقها الذين يشيعون التخاذل والتواكل بين الناس، والاستسلام والخنوع للأعداء بحجة عدم التكافؤ معهم عددا وعدة فباتوا في سلوكهم أداة طيعة لكل حاكم ولوا كان فاسدا، وأداة مضمونة لكل محتل بسبب جهلهم بالإسلام ودوره في العدالة والحرية، والذين أشار إليهم عبد الحميد بن باديس ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني في معاركهم الإصلاحية، ويقول عمر فروخ في هؤلاء : رب مفوض سام لم يكن يرضى أن يستقبل ذوي القيمة الحقيقية من وجوه البلاد، رغم مجيئهم من أقاصي البلاد بحجة ضيق الوقت، وتراه يسعى إلى زيارة حلقة من حلقات الذكر، ويقضي هنالك زيارة سياسية تستغرق الساعات ، ومن أجل ذلك ليس كل من ادعى الصوفية متصوفا، ولوا كثر أتباعه من العامة.

5- الاستنتـاجات

إن أهم الاستنتاجات التي توصلنا إليها من هذا البحث هي ما يلي : إن المتصوفة الحقيقيون هم من تمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه، وابتعدوا عن كل الشطحات والشبهات في العقيدة والسلوك، ولذا فإننا مدعوون للعودة إلى الأصول لنميز بين صوفية عاملة، وصوفية داعية وصوفية مجاهدة، فالصوفية الفكرية هم الجماعة الذين اكتفوا بالزهد في الدنيا وابتكار الآراء الصوفية التي تقرب من الفكر الفلسفي، أمثال القشيري، ابن عربي، وابن سبعين.

الصوفية العاملة وهو اتجاه ابتكره أحمد الرفاعي العراقي صاحب الطريقة الرفاعية، إذ يرى أن الزهد مع الانزواء عن الناس والتفرغ للعبادة لا يجدي، فالزهد هنا لا ينفع أحدا ولا نفسه، من هنا كان الرفاعي جوالا في خدمة المسلمين، وخاصة الأيتام والأرامل والضعفاء، حيث إن خدمة المحتاجين برأيه عبادة وقربى من الله.
الصوفية الداعية وهي صوفية أبي مدين شعيب عميد صوفية المغرب الذي عاش ومات في الجزائر، ومن تلاميذه الشاذلي صاحب الطريقة الشاذلية، الذي قضى حياته يطوف في عالم الإسلام يدعو الناس، وكان أول من دعا إلى إنشاء الزوايا في الجهات النائية للدعوة الإسلامية وإلى الإسلام ومعاونة المسلمين.

الصوفية المجاهدة المحاربة التي تعتبر الجهاد في سبيل الله أرقى أعمال العبادة وأسماها كصوفية المغرب العربي ، وهناك فرق كبير بين التصوف الذي يعني الزهد والالتزام بالإسلام نهجا وسلوكا و بين أولئك الذين أعطاهم بعض الجهلة صفات من التعظيم، وطلبوا منهم أمورا كلها لا يجوز أن تكون لغير الله تعالى ومنه، فكأنها شبه وثنية تركت بصماتها على سلوك نشره الجهلة الذين يمشون مكبين على وجوههم، ولا يبحثون عن الصراط المستقيم.

البيبليـوغـرافيـا

1- إبراهيم مذكور : الفلسفة الإسلامية – دار المعارف- مصر، 1982.
2- ابن خلدون : المقدمة : دار الفكر- بيروت، 1980.
3- ابن سينا والسهروري : كلمات الصوفية : مجلة المخطوطات العربية- مجلد 28- الكويت- 1948.
4- أبو الفتح الشهرستاني : الملل والنحل : دار المعرفة – بيروت، 1985.
5- أبو النصر الطوسي : اللمع في التصوف : -ليدن (هولندا) 1914.
6- أبو حامد الغزالي : المنقذ من الضلال : دار الأندلس – بيروت- 1977.
7- أحمد ابن تيمية : التصوف (مجموع الفتاوى) : مكتبة المعارف- بيروت،1980
8- أحمد بن تيمية : الفرقان : دار العلم للجميع- القاهرة، 1980.
9- أسعد السحمراني : التصوف : دار النفائس- بيروت، 1991.
10- الجاحظ : الحيوان، المكتبة الأزهرية، القاهرة، 1992.
11- جبور عبد النور: التصوف عند العرب – بيروت، 1993.
12- حسن عاصي : التصوف الإسلامي: مؤسسة عز الدين – بيروت 1993.
13- حسين مؤنس: تاريخ المغرب، الطبعة الأولى ، بيروت 1981.
14- رواه أحمد بن حنبل في مسنده.
15- رواه البخاري.
16- سورة الأنفال، الآية: 60.
17- سورة المائدة، الآية : 62.
18- صابر طعيمة، دراسات في الفرق . ط2 ، مكتبة المعارف، - الرياض 1983.
19- عبد الرحمان بدوي: تاريخ التصوف الإسلامي ، وكالة المطبوعات- الكويت 1975.
20- عبد الرحمن البدوي : تاريخ التصوف الإسلامي : وكالة المطبوعات- الكويت. 1995
21- علي الهجويري : كشف المحجوب: ترجمة إسعاد قنديل- بيروت.1985.
22- علي الهجويري : كشف المحجوب، ترجمة إسعاد قنديل – بيروت 1980.
23- عمر فروخ : تاريخ الفكر العربي، دار العلم للملايين- بيروت، 1999.
24- عمر فروخ: التصوف في الإسلام، دار العلم للملايين – بيروت، 1997.
25- قاسم غني: تاريخ التصوف الإسلامي، ترجمة صادق نشأت- القاهرة/1970.
26- محمد البهلي النيال : الحقيقة التاريخ للتصوف، مكتبة النجاح- بيروت 1972.
27- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم : وضعه محمد عبد الباقي- دار الفكر- بيروت، 1989.


تحياتي