مشاهدة النسخة كاملة : المعهد العالي: بين الإهمال و الزبونية


أبو فاطمة
03-17-2010, 10:08 AM
المعهد العالي: بين الإهمال و الزبونية

ما من شك في أن لكل بلد خصوصياته وعمقه على الصعيدين الحضاري والاجتماعي. ولا مراء في أن بناء الدول والأمم، على أسس حضارية عصرية تواكب تطور التاريخ وعجلة النمو العالمي المتسارعة، يتطلب إرساء الأسس الثقافية والحضارية والحرص على بقاء الجذور مكينة تتعمق يوما بعد يوم، سبيلا إلى إثبات الذات وحماية الثوابت وتعزيز دور الروافد المختلفة التي تغذي الكيان الاجتماعي وفق رؤية مستدامة تستشرف المستقبل بثقة وإيمان وتؤمن استمرارية العطاء والتبادل البناء والمثمر مع باقي الأمم والشعوب..


ولعل من أهم تلك الجذور والأسس بالنسبة لموريتانيا، تاريخها الحضاري المشع وهويتها العربية الإفريقية الغنية بتنوعها وثراء موروثها، والتي تشكل الحضارة الإسلامية السمحة، لحمتها وضمان بقائها واستمرار مدها المشع عبر مختلف بقاع وفضاءات كوكب الأرض، في عالم تتسارع فيه وتيرة مد العولمة وسيل ثورة المعلومات الدافق، الذي يزيل كل الحدود ويهدد بتدمير منظومات القيم الحضارية للشعوب العاجزة عن حماية جوهر وجودها وسر بقائها المتمثلان في شخصيتها الحضارية وثوابتها الخصوصية.
من هنا يبرز الدور الريادي للمؤسسات الدراسية والأكاديمية التي تتحد بلدان العالم في ضرورة الرفع من أدائها وتتباين في مضمون مناهجها ورسالتها حسب اختلاف الشعوب والأمم والحضارات.
في موريتانيا فشلت جل البرامج والإصلاحات التي شهدها قطاع التعليم، حتى اليوم، في خلق مناهج توحد أبناء البلد الواحد وتحدد معالم هوية المجتمع وشخصيته الحضارية والثقافية. وليس اعتماد سياسة التعريب العام، والعودة إلى نظام الازدواجية، ثم التفكير في التعريب مجددا سوى مؤشرات جلية على فشل تلك السياسات، أو غياب رؤية استراتيجية واضحة لبناء أجيال موريتانية حقيقية تنطلق من هوية وطنية جامعة وموحدة لكافة أطياف المجتمع ومكونات الوطن الواحد.
فشل يبدو أن من أوكلت إليهم مسؤوليات قيادة المسيرة التربوية في البلاد خلال العقود الخمسة الماضية، لم يستوعبوا ارتباطه العضوي بإهمال الخصوصية الإسلامية الجامعة لكل الموريتانيين من مختلف الأعراق والانتماءات الفكرية والسياسية.
ولعل تجربة المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية خير دليل على أن العمق الحضاري لهذه الأمة وضمان تماسكها وقدرتها على المنافسة الجادة والناجعة داخل حلبة صراع الثقافات المحموم، مرهون لا محالة بشخصيتها الحضارية وجذورها الإسلامية القائمة على رصيد لا ينضب من العطاء المحظري الذي أضاءت شمسه كل الآفاق منذ أن ظهرت أول نواة للدولة الإسلامية في هذه الربوع الشاسعة مع انطلاق المرابطين.
لا يختلف اثنان في موريتانيا حول أهمية وريادة الدور الذي لعبه المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية في تخريج الأساتذة والعلماء والمفكرين، وفي عصرنة مناهج جامعات الصحراء (المحاظر) وفي تثمين وحماية ونشر كنوز المخطوطات النادرة التي كانت تزخر بها مكتبات شنقيط ووادان وولاته وتيشيت وغيرها، بعد أن كادت تدفنها الرمال وتقضي عليها عاديات الزمن.
بيد أن هذه المؤسسة الوطنية التي شكلت حصنا وملاذا لأصالة موريتانيا العلمية وحافظت على استمرارية إشعاعها الحضاري التليد، تواجه – بدورها- أعتى الآفات التي تجتاح مثل هذه المقومات الحضارية في عالم اليوم. ألا وهي التلاعب والتمييع والإهمال.
فبرغم قدم المعهد ونجاحه في أداء رسالته على الوجه الأكمل، في ظل تردي مستويات التعليم في مؤسسات الجمهورية الأخرى، إلا أن الحكومة ماتزال تتعمد تأخير إعداد وسن النصوص المنظمة له، بل عمدت الوزارة الوصية – بإملاء وتوجيه من الوزير الأول- إلى قطع الطريق أمام أية محاولة محتملة للإصلاح.
وتلاشي الأمل في إصلاح المعهد العالي لوحظ منذ تشكيل حكومة مولاي ولد محمد الأغظف في أغسطس 2009، من خلال تزامن ذلك مع بداية سلسلة من الأزمات غير المسبوقة حسب العديد من أساتذة وموظفي المعهد. فقد تراجع أداء المؤسسة إلى ما دون مستواه قبل عقدين من الزمن. الأمر الذي دفع بهيئة التأطير إلى المطالبة بإصلاح عاجل بدءا بإصدار النصوص التنظيمية الخاصة بالمعهد باعتباره مؤسسة أكاديمية من الحجم الكبير وموردا أساسيا في تزويد البلاد بالأطر والأساتذة والمفكرين المختصين.
وتفاقم الوضع مع تعيين الوزير الأول أستاذا في التعليم الثانوي مديرا عاما للمعهد ، عبر توصية إلى وزير الشؤون الإسلامية.
واليوم تفاجأ عمال وأطر المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية بخطوة أدهى وأمر، تمثلت في تعيين مدير مساعد للمؤسسة لا يتوفر على أي مؤهل عال ولا على أية خبرة، فضلا عن كونه لا يمت بأية صلة أصلا بالمعهد.
يجزم أغلب أساتذة وأطر المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية – اليوم- بأن هذه الإجراءات تبرهن على أن وزيرهم الوصي يطبق حرفيا حرص الوزير الأول على تحويل المعهد إلى مجرد إقطاع تابع له يعين فيه من شاء ويتصرف فيه كيف يشاء ومتى شاء.
ولا يخفي أساتذة المعهد اعتقادهم بأن التعيينات الأخيرة إنما تعكس مدى تبني الوزير الأول نهج المحسوبية والزبونية القائم على الولاءات القبلية والجهوية وحتى الشخصية؛ وهو ما يبرر المخاوف المتنامية لدى أطر المعهد وكادره التأطيري، تجاه خطر عدوى تغييب الكفاءات وعدم تجسيد التزام رئيس الجمهورية بتطبيق مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب، على هذه المؤسسة الأكاديمية الوطنية المتميزة.
وأيا كانت مخاوف هؤلاء وتأويلات أولئك، فإن الشيء الأكيد حتى الآن على الأقل هو أن التعيينات الأخيرة في المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، جاءت على شكل مقايضة مكشوفة بين الوزير الأول ووزير الشؤون الإسلامية.. ولعلها الأكثر تجاوبا مع العنوان الذي حملته ضمن بيان مجلس الوزراء؛ إذ كانت – بحق- "إجراءات خصوصية"..


الحسن ولد اعبيدي

نقلا عن السراج الموريتانية