مشاهدة النسخة كاملة : البنك الإسلامي الموريتاني: دروس الماضي وتدابير المستقبل ( الهادي محمدالمختار النحوي )


Little Queen
12-03-2011, 04:14 PM
البنك الإسلامي الموريتاني: دروس الماضي وتدابير المستقبل (الهادي بن محمد المختار النحوي)





دشن قبل أيام البنك الإسلامي الموريتاني الذي يعتبر التجربة الثانية الأساسية للمصارف الإسلامية في موريتانيا بعد بنك البركة الموريتاني الإسلامي الذي بدأ نشاطه سنة 1985م.

وباعتباري عايشت جانبا من تلك التجربة الأولى ووجدت بعض صداها خارج البلد فسأقدم في هذه السطور ما يشبه النصيحة للقائمين على البنك الإسلامي الجديد وكذلك لجمهور المتعاملين معه ولكل الموريتانيين.

كلمة للقائمين على البنك الإسلامي:

بدأت مسيرة الصيرفة الإسلامية قبل أكثر من ثلاثة عقود حققت فيها الصناعة نجاحات متميزة في بيئات غير مشجعة في أغلب الأحوال لكنها سجلت أيضا إخفاقات واختلالات بل وانحرافات لا تخطئها العين.

وسأمر هنا بسرعة على بعض مظاهر الفشل أو الاختلال في نشاط المصارف الإسلامية:

تركيز معظم المصارف الإسلامية على بيع المرابحة التي كانت تمثل في بعض المراحل أكثر من 70% من أنشطة المصارف الإسلامية وقد أكملت بعض المصارف الإسلامية هذا التوجه بالاعتماد على بيع التورق الذي كثر الجدل حوله باعتباره حيلة من الحيل المفضية إلى الربا كما يرى كثير من الفقهاء المعاصرين.

ابتعاد معظم المصارف الإسلامية عن المنتجات الاستثمارية التي تشكل الفرق الحقيقي بين المصارف الإسلامية والبنوك التقليدية مثل المضاربة والمشاركة بحجة مخاطرها العالية.

تقصير معظم البنوك الإسلامية في خدمة الشرائح المهمشة الفقيرة أو ما يعرف بالمسؤولية الاجتماعية مع احتسابها هوامش ربحية عالية تتجاوز في بعض الأحيان النسب التي تحتسبها البنوك التقليدية.

عدم الاهتمام بتدريب موظفي البنوك الإسلامية وخاصة في مجال فقه المعاملات وبعض المفاهيم الأساسية التي لا يستغني عنها أي عامل في هذه المصارف الإسلامية مثل مفهوم الربا والغرر وحرمة اكتساب المال بالطرق المحرمة وكذلك إنفاقه في الأوجه المحرمة..

اعتماد كثير من المصارف الإسلامية على كوادر البنوك التقليدية التي قد تكون لديها المهارات الفنية لكنها تجهل خصوصية المصارف الإسلامية مع الافتقار إلى الحد الأدنى من فقه المعاملات ويمكن تصحيح هذا الخلل من خلال تدريب هؤلاء الكوادر حسبما تقتضيه خصوصية المصارف الإسلامية.

وللاستفادة من أخطاء مسيرة المصارف الإسلامية على ضوء ما ذكرناه آنفا يحتاج البنك الإسلامي الموريتاني إلى جملة إجراءات ليحدث الفرق ويقنع جمهور المتعاملين بأنه ليس مجرد مصرف يبحث عن الربح بلوحة إسلامية:

الاهتمام بالطبقات المحرومة وتكوين إدارة خاصة بالتمويل الأصغر

التقليل قدر الإمكان من استخدام عمليات المرابحة والابتعاد عن التورق والتركيز على عمليات المضاربة والمشاركة مع ما يقتضي ذلك من التأكد من الجوانب الفنية ووضع السوق وطبيعة العملاء لتخفيف المخاطر إلى الحد الأدنى.

الاهتمام بتدريب منسوبي المصرف خاصة في مجال فقه المعاملات على ضوء التراث الفقهي المعاصر.

ترسيخ مفهوم الإيمان بالفكر الاقتصادي الإسلامي عموما وكذلك ترسيخ مفهوم الورع في قلوب العاملين في البنك.

تنظيم دورات تدريبية متخصصة في مجال المعاملات المالية الإسلامية بشكل منتظم.

تنظيم محاضرات متخصصة مع التركيز على بعض جوانب الزهد لربط الإيمان بالعمل.

الحرص على إفهام العاملين أن المصرف الإسلامي ليس مجرد مؤسسة اقتصادية تبتغي الربح والكسب السريع دون الاهتمام كثيرا بالتفاصيل المتعلقة بسبل تحصيل الأرباح والمكاسب.

أما نصيحتي لجمهور المتعاملين والموريتانيين فأوجزها في النقاط التالية:

لا أعتقد أنني بحاجة إلى تذكير الموريتانيين بمعاني الحلال والحرام وهم أهل علم وصلاح ورثوا ذلك عن سلف صالح كان مضرب المثل في الورع والزهد والتقى .

ومع ذلك لا بأس بالتذكير ببعض مقاصد استخدام المال ومقاصد المعاملات ويعتبر العدل من أهم مقاصد الشارع من المعاملات المالية :

يقول الشيخ عبد الله بن بيه : ( وأما العدل فيها – المعاملات المالية- فاستبعاد الظلم في كسبها واستبعاد الظلم في توزيعها).

وليس من العدل أكل أموال الناس بالباطل وأخذها بنية عدم ردها أو التحايل والمماطلة عند حلول الأجل والسعي بكل الوسائل للتهرب من إرجاعها لأهلها وقد ورد في الحديث (مطل الغني ظلم).

إن البحث عن تكوين الثروات الهائلة وبناء القصور وامتلاك الأنعام بأموال الناس بغير وجه حق هو الظلم بعينه وهو خسارة ومرارة في الدنيا وندامة في الدار الآخرة كما أن التحايل لكسب المال بطرق محرمة مصادم لمقاصد الشريعة وإخلال بمنظومتها المتكاملة.

يقول الشيخ عبد الله بن بيه : ( إن مقاصد الشريعة في المعاملات المالية هي جزء من منظومة مقاصد الرسالة الخاتمة التي جاءت لصالح الخلق ودلت بمجملات الأدلة وتفاريقها على أنها أنزلت لمصلحة العباد في الدارين وتحصيل السعادتين).

فمن العدل اكتساب المال بالطرق المشروعة وإنفاقه في الأوجه المشروعة لأن العدل من جهة الكسب ومن جهة الإنفاق ومن جهة التصرف كما يؤكد الشيخ عبد الله بن بيه.

( مقاصد المعاملات ومراصد الواقعات بتصرف خفيف ) فعلى جمهور المتعاملين الموريتانيين أن يدركوا أمورا مهمة في سياق التعامل مع المصارف أيا كانت طبيعتها وخاصة مع البنك الإسلامي الموريتاني:

أن المستثمرين الذين جاؤوا إلينا بأموالهم إنما يقدمون لنا خدمة نحن في أمس الحاجة إليها قبل أن يبحثوا عن مصالحهم الخاصة من ربح وتوسع في النشاط.

نجاح هذه التجربة سيشجع مستثمرين آخرين على الاستثمار في بلدنا وتوفير فرص عمل يتطلع إليها شبابنا وتمويل مشاريع تنموية نحتاج إليها وفي المقابل فإن فشل التجربة يعني بالضرورة نفور وتراجع المستثمرين الآخرين والخاسر الأكبر هو موريتانيا.. وقد خسرنا كثيرا، بسبب سوء تصرفنا، عندما تعاملنا مع أول مصرف إسلامي بسلوك غير إسلامي، وكان تصرفنا ذلك سببا لابتعاد ممولين كبار كانوا يرغبون في الاستثمار في بلدنا، وكان ابتعاد هؤلاء سببا مباشرا في إحجام كثير من المستثمرين عن التوجه إلى موريتانيا.. وقد لخص معالي الشيخ صالح كامل هذا الوضع الغريب في كلمة وجيزة حين قال ما معناه: "عندما أطلقت تجربة البنوك الإسلامية توقعت أن أخسر في كل بلد إلا في موريتانيا.. والذي حصل هو العكس تماما، فقد نجحت في كل بلد إلا في موريتانيا"!!! نعم نجحت مجموعة البركة في تركيا وفي تونس وفي الجزائر وفي بنغلاديش وفي الأردن وفي البحرين وفي غيرها من البلدان لكنها فشلت في الجمهورية الإسلامية الموريتانية...!

والخسارة هنا ليست مجرد فرص اقتصادية ضائعة بل خسارة معنوية تنهش في سمعة بلدنا وقيمتها المعنوية التي بناها سلفنا الصالح..

فليتق الله المتعاملون مع المصرف الإسلامي بل ومع كل المصارف في الشعب الموريتاني قبل أن يتقوا الله في المستثمرين أنفسهم..

إن نجاح تجربة البنك الإسلامي الموريتاني ستنعكس بشكل إيجابي على السوق المصرفي الموريتاني من خلال تشجيع التنافس الايجابي والإقبال على المصرفية الإسلامية وقد بدأت خطوات في هذا الصدد ، تذكر وتشكر ، كتجربة البنك الوطني (bnm ) الذي أعلن رئيسه عن خطة لتحويل البنك إلى بنك إسلامي بالكامل نسأل الله لهم العون والسداد وكذلك الحال بالنسبة لكل البنوك الموريتانية المهتمة بالتمويل الإسلامي.

لا نريد تكرار التجربة الماضية فقد قال الشيخ صالح كامل نفسه كلمة أخرى تستحق أن يقف عندها كل الموريتانيين ، قال بمرارة عن تجربته في موريتانيا:

( الموريتانيون أكلوني ) وذهب إلى أبعد من ذلك عندما صرح في أكثر من محفل بما حدث له في موريتانيا، فكانت تجربته صفارة إنذار لتحذير الآخرين من الاستثمار في بلدنا.

ولا أعتقد أنه يمكن لنا أن نلومه فقد جاءنا مستثمرا داعما لخططنا التنموية ، والحاجة لنا وليست له، ولو أن البنك أدير بشكل مؤسسي صحيح وتعامل معه العملاء بشكل سليم لساهم في بناء موريتانيا ووفر من الفرص الاستثمارية وتوظيف الشباب ما تفوق قيمته كثيرا ما جرى نهبه من أموال البنك.

وقد سمعت من مسؤولين في مجموعة البركة بصورة مباشرة وغير مباشرة مدى إحباطهم من تجربتهم في موريتانيا ، ليس لأنهم خسروا مصرفا صغيرا لا يمثل شيئا يذكر من استثمارات المجموعة المنتشرة عبر العالم ، وإنما بسبب الانطباع الذي كان عندهم عن صلاح واستقامة الموريتانيين باعتبار موريتانيا بلاد العلم والزهد فإذا هم يكتشفون صورة أخرى مغايرة تماما لما كان في أذهانهم..

وأود التأكيد هنا أنني لا أتهم أحدا بعينه في قضية تجربة مجموعة البركة في موريتانيا فلست محققا ولا قاضيا وإنما الأمر من باب الغيرة على بلدنا والتنبيه على أهمية أن نتعاون جميعا على نجاح تجربة البنك الإسلامي الجديد في موريتانيا.. والاستفادة من أخطاء التجارب الماضية ..

ففوائد نجاح التجربة الجديدة متعددة ماديا ومعنويا.

هذه أفكار سريعة أردت من خلالها تقديم نصيحة متواضعة للقائمين على البنك الإسلامي الموريتاني وكذلك للموريتانيين ..

فنجاحنا يقتضي أن نكون أكثر حرصا على التجربة من المستثمرين أنفسهم ويتحمل العلماء والمشايخ والنخب المثقفة مسؤولية كبرى في الصدد.