مشاهدة النسخة كاملة : ثمن الرسوب: أو حتى لا نعبر من تحت الحِمل { بقلم الأستاذ/ عبد الله العالم }


Dah_2010
11-19-2011, 08:00 PM
ثمن الرسوب: أو حتى لا نعبر من تحت الحِمل { بقلم الأستاذ/ عبد الله العالم - إداري - خبير استشاري }
( الحلقة الخامسة من السلسلة : إلى أين نحن ذاهبون ؟ )

يتنكر اليوم من نعتهم رئيس الجمهورية "بأغلبية الكرسي" للذكرى الرابعة لسقوط أول شهيد في شتاء كنكوصه بعد أن مجدوه واستغلوه كثيرا إبان التمرد البرلماني الذي سبق ما آلت إليه الأمور

وهكذا يعبر السابع من نوفمبر باستحياء دون أن يجلب معه أي مظهر احتفائي بالراحل. إذ عُوض عن ذلك ببث برامج تمجد الحوار.... الحوار الذي أشاد به احد "الأرباب الجدد" واصفا نتائجه بغير المسبوقة في التاريخ البشري.

وإذا كان التاريخ ذاته سيحكم على سلوك عرابي ثورة الجياع هؤلاء، فان سياق المبالغة في وصف الحوار ،ذكرني بما سمعت من احد الأصدقاء المنقلبين على الرئيس المختار ولد داداه، اسكنه الله الجنة

إذ، نقل الي صديقي المنقلب أن الرئيس المختار، بعد أن استمع - من محبسه يوم 12 يوليو 1978- إلى تصريح احد السياسيين، لم يجد بدا من التنبيه على المخاطر الكثيرة التي يمثلها الإسراف : الإسراف... في كل شيء ، في تقديس الحاضر، في التنكر للرفقة... في سب الماضي....الخ

ولقد خلص تصريح ذلك السياسي المقرب أصلا من الرئيس المختار، والمنحدر من الوسط الموريتاني في تقاطعه مع الطرف الشمالي-الشرقي لمنطقة آفطوط إلى اعتبار الانقلاب عملا غير مسبوق كما انه انجاز طالما انتظره الموريتانيون للانعتاق من قبضة "البائدين"

و"البائدون" وصم ازدرائي ٌ كان يطلق على المتنفذين في نظام الجمهورية الأولى ، وهو وصف يقترب في دلالته القد حية من لفظة " المفسدين " المستخدمة اليوم لذم بعض العاملين على هامش إدارة الرئيس معاوية

و دون الخوض فيما إذا كان التصريح تنصلا من واجب الترفُع ،المترتب على المساهمة المتكررة في الفعل المقدوح ، فانه يعري منهجية تقديس القادمين وامتداح فعلتهم عبر حوارات ساقطة، تشبه الجولات السريالية في أبعادها التخيلية وآليتها التراكمية

تذكرت إذا هذه القصة التي تدعونا إلى مضاعفة التأمل في هشاشة كل ما هو مرتبط بنخبنا و مسعاها الدنيء اللاهث خلف الاستنفاع وتساءلت ..... ترى إلى أين نحن ذاهبون؟

أ ، إلى قاع التمتع بالنظر إلى سوأتنا ؟ أم إلى خراب الوهم ؟

لست ادري؟

المؤكد، أن ما آلم الرئيس المؤسس وحُفر في ذاكرة المنقلب، غدا اليوم منبع المعانات التي هي وسيلة النخبة المزيفة لترميم نظام الارتشاء والسير في ظلال المنفعة........ فإلى متى نواصل هذا التيه ؟ وبماذا نُقابل تصاعد احتجاج الباعة على عبثية "التضامن" المغلف بتزوير تاريخ البضاعة، و الغمز في جدية منح فرص الاستفادة من نظام الاغتناء الإداري للوازم النماء ومعداته ؟

أ، بالتطلع إلى صولة الركاكة الإدارية ... صولة انتعاش التوتر الاجتماعي الذي يغذيه ، شمالا تسمم العمال بالزئبق وتأججه ، جنوبا مشاعر التطرف لينتهي المشهد في تجليه التراجيدي الأول إلى الحرق وتكسير الواجهات ... إنها حقا عُدة سيئة لنذر الجفاف المتنامية.

أم ، إلى الانطواء المفضي إلى تمكين الإدارة من الاستمرار في لعب دور الخنجر المنغرس في خاسرة الرئيس وطموحاته المعلنة... إنها النيران الصديقة التي تتلقاها القيادة من إدارتها، فهل تنتبه لذلك ؟ .. لست ادري؟

مما لا شك فيه أن محصول عمل الإدارة لا يؤسس قطعا لعام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ، وتظل حوادث مثل : مقتل الشاب "مانكان" وتراكم التظلمات من جراء تسلط الهواة و إعاقة حرية المنافسة ،وكذا الممارسة المستمرة* للحرمان الذي من رحمه يولد المتطرفون ، منعطفات لم تستوعب بعد

ولعل أسباب ذلك – وبقدر ما هي- ارتزاقنا الأخلاقي، هي أيضا حصاد ألسنتنا، الموبوء باكرا هات الارتقاء في سلم إدارة لاهجة بمدح كل جديد والتفنن في ذم الماضي ، أيا كان ، حتى أضحى مسعانا السائر في ظلال المنفعة خلفية ذهنية تضبط أعمارنا على وقع التسكع السياسي

وإذا كانت أزمة الإدارة وبالتالي النخبة الموريتانية تثير الشفقة ، فهي تدفع أكثر من أي وقت مضى الي انسداد الآفاق المحتملة لحل معضلة الدمار هذه .... دمار المعايير وخراب الاستقرار الروحي لمجتمع أصبح يقتات على ريع الجمركة الأخلاقية..... فهل نحن منتهون؟

على كل حال، وكما كتبت ذات مرة ، فان مطمح الخلاص لن يجدي ما لم يضع نصب عينيه تحرير الإدارة ( أي نخبة النخب ) من :

1- اختلال التنظيم :La défectuosité de l’organisation المتجلي في ميوع المسؤولية العامة dilution de la responsabilité publique Phénomène de والمساهم بدوره في خلق حالة خطيرة، حالة تحصر السلطات في يد شخص واحد هو رجل المهام one man show وهي وضعية أدراماتيكية ،جسدها خيال الظل الصيني، ثم طورتها بإبداع الكوميديا الايطالية ، وفيها .يقوم بطل فريد بكل الأدوار.

ولقد غدت العبارة تستخدم في علم التدبيرManagementلوصف سوء توزيع المهام (المصدر الأول للفشل) وتآكل القدرة على انتهاج المجابهة الجماعية المتجردة لهموم الناس.

ومن تجليات هذه الحالة ، امتناع المرؤوس عن امتثال الأوامر،و الازدراء بالتراتبية التسلسلية للإدارة.

غير أن أخطر تجليات الحالة، هو ما يشاع من احتماء البعض بغير قوة القانون. ولقد عجت المواقع الالكترونية في الأيام الأخيرة بأمثلة اكتوى فيها المتردد على المصالح الإدارية بظلم مسؤولينا ،حتى ارتفعت في الآفاق صيحات المثلومين الذين لم يجدوا إلا الشقاء

2- عدم فاعلية نظام الرقابة :L’inefficience du système de contrôleولأن الرقابة متعددة الفوائد فهي خطيرة ،و قد تؤدي نتائج عكسية تحمل بذور فناء النظام المُراقبِ .

و يبقي نظام الاغتناء الإداري المتداول عندنا administrative،المصمم من طرف الجمعية الفرنسية للتنظيم AFNOR، في النصف الأول من القرن الماضي عائقا حقيقيا ، يمنح سلطة تقديرية مطلقة للمتعهد بالنفقة ، والسلطة التقديرية لا ترتب المسؤولية حسب إمام القانون العام: عبد الرزاق السنهوري و جورج فدل Georges Vedel، وهذا ما يفتح باب التأويل و التحايل الذي دفعنا و ندفع ثمنه دائما.

ثم إن الطابع الإتهامي لعملية الرقابة ،وخرق مبدء قرينة البراءة، وما يرافق ذلك من ضغط نفسي ،كلها أمور تجعل المسيرين يفقدون المبادرة و الإبداع ، و بالتالي يعرقلون عملية الإنماء، مرتكبين بذاك خطأ لا يقل جسامة عن اختلاس المال العام ، وهو الامتناع عن الإنفاق في الأوجه الضرورية .


يتواصل........

تلميح : العبور من تحت الحمل ،بكسر الحاء وجزم الميم، مثل حساني يستخدم لذم عدم الاكتراث بما يصيب الأهل (تخاظ الراس من تحت التظيت) و"التظيت "هي وعاء به بضاعة يحمل على الدابة في العير المعروفة عندنا ب "الرفك".

تحياتي