مشاهدة النسخة كاملة : نتنياهو الكاذب.. لماذا يتحملونه ويتعاملون معه؟ (عصام نعمان)


أبو فاطمة
11-12-2011, 11:20 AM
نتنياهو الكاذب.. لماذا يتحملونه ويتعاملون معه؟ (عصام نعمان)

قد يكون خطأ تقنياً غير مقصود أو مقصوداً ذلك التسرّب أو التسريب للحديث الذي دار بين نيكولا ساركوزي وباراك أوباما قبل دقائق من بدء مؤتمرهما الصحفي المشترك على هامش قمة "مجموعة العشرين" في "كان" مطلع الشهر الجاري. فقد قال الرئيس الفرنسي لنظيره الأمريكي في معرض توصيفه لبنيامين نتنياهو: "لم أعد أحتمل رؤيته، إنه كاذب". ردّ أوباما: "أنت سئمت منه، لكنني مضطر إلى التعامل معه كل يوم".
أوضح موقع "آري سورايماج" الذي نقل التبادل الطريف بين الرئيسين أن الأمر حدث عندما سُلم الإعلاميون أجهزة الترجمة الفورية للمؤتمر الصحفي المشترك، فقام بعضهم على الفور بوصل سماعاتهم وتمكّنوا من التقاط بعض أطراف الحديث الخاص الدائر بينهما.
لم ينفِ أي من الرئيسين الحديث الطريف المتبادل بينهما، ولا علّق عليه نتنياهو "الكاذب"! كما أن أحداً لم يجزم بأن تسرّب أو تسريب الحديث الخاص الذي جرى بينهما على انفراد كان خطأ تقنياً غير مقصود أو مقصوداً بامتياز. مع ذلك، وأياً كان الأمر، فإن سؤالاً وجيهاً ينهض لمناسبة الحديث الطريف الفضّاح: لماذا لم يعد ساركوزي يحتمل رؤية نتنياهو؟ ولماذا سئم أوباما منه أيضاً وظل مع ذلك يتعامل معه؟
ثمة، أولاً، بُعد شخصي للمسألة، إذ لم يُؤثَر عن نتنياهو أنه شخص خفيف الظل و"قريب من القلب". لعل غلاظته هي ما نفّرت ساركوزي منه. غير أن هذا الجانب الشخصاني لا يشكّل بحد ذاته سبباً كافياً ليقوم ساركوزي بنقل مشاعره السلبية عن الرجل إلى الرئيس الأمريكي. ثمة، ثانياً، سبب إضافي، سياسي في الأغلب، دفع الرئيس الفرنسي إلى أن "يغتابه" بنعت قاسٍ وإن كان صحيحاً وحقيقياً. المرجح أن نتنياهو كَذب مراراً على ساركوزي في أمور عدة حملته على النفور منه، بل على الرد عليه، بدليل ما قاله له الرئيس الأمريكي في الحديث المتسرّب ذاته: "لم تعجبني الطريقة التي عرضتم بها الأمر في ما يتعلق بالعضوية الفلسطينية في "اليونيسكو". هذا أضعف موقفنا، كان يجب التشاور معنا، لكننا تجاوزنا هذا الموقف الآن".
من عتاب أوباما الصريح، يتضح أن ساركوزي ترجم سأمه من نتنياهو، بل نفوره من كذبه، بموقفٍ من عضوية فلسطين في منظمة "اليونيسكو" لم يعجب الرئيس الأمريكي، وقبله طبعاً رئيس الوزراء "الإسرائيلي". إلى ذلك، أعتقد أن سبباً آخر دفع ساركوزي إلى النفور من نتنياهو، إنه مواقفه السلبية الدائمة من حقوق الفلسطينيين التي تُحرج ساركوزي أمام الجمهور الفرنسي عموماً، ولا سيما منهم أنصار حقوق الإنسان، وأمام جمهور المسلمين الفرنسيين خصوصاً الذين يحتاج إليهم ساركوزي ليصوتوا له في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
لعل ما قاله أوباما تعليقاً على نعت ساركوزي لنتنياهو بالكاذب، أو ربما رداً عليه، يحمل أيضاً دلالة سياسية واضحة. فهو، وإن كان سئم من نتنياهو على الصعيد الشخصي، إلاّ أنه لا يخفي اضطراره إلى "التعامل معه كل يوم".
لا شك في أن اضطراره إلى التعامل مع نتنياهو تمليه مصالح مشتركة، أمريكية و"إسرائيلية". أما اضطراره إلى التعامل معه "كلَ يوم" فيشي بوجود نفور من نتنياهو أو بَرَم به نتيجةَ كذبه أو عناده أو كثرة تطلباته. غير أن لاضطرار الرئيس الأمريكي إلى التعامل مع رئيس الوزراء "الإسرائيلي" سبباً آخر، لعله الأكثر أهمية. فأوباما يتطلع إلى ولاية رئاسية ثانية في العام المقبل، وهو يعلم أن حظه بالفوز سيكون محفوفاً بالخطر إذا لم يضمن تأييد اليهود الأمريكيين، وهؤلاء يتأثرون، بطبيعة الحال، ب"إسرائيل" وبمواقف قياداتها. نتنياهو يعرف، بالتأكيد، هذا الواقع ويعرف، بالتالي، مكانه في هوى المرشحين إلى الرئاسة الأمريكية، ويعرف، أخيراً وليس آخراً، كيف يتدلل عليهم ويتطلّب.
إلى ذلك كله، ثمة حاجة أمريكية (وفرنسية أيضاً) إلى التعامل مع نتنياهو بالرغم من غلاظته الشخصية وتطلباته السياسية، إنه الدور الذي تريد إدارة أوباما إسناده إلى "إسرائيل" في صراعها مع إيران بعد صدور تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو ربما الدور الذي تخشى أمريكا (وفرنسا) أن تضطلع به "إسرائيل" في الصراع من دون استشارتها مسبقاً. ذلك أن "إسرائيل" كثيراً ما تنفرد باتخاذ قرارات أمنية مهمة من دون ضوء أخضر مسبّق من أمريكا، كما فصّل ذلك سفير واشنطن الأسبق في تل أبيب والقاهرة على التوالي كرتزر في دراسة له نشرها قبل أشهر. هذا العامل الوازن والخطر يحتّم على أي رئيس أمريكي، خصوصاً عشية انتخابات رئاسية، الحرص على "التعامل" مع رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، ولاسيما إذا كان من طراز نتنياهو "الكاذب" والعنيد والمتطرف.
لكل هذه الأسباب، ولأخرى ربما تكون أسوأ منها، سيضطر أوباما وساركوزي وغيرهما من رؤساء دول أمريكا وأوروبا، إلى التعامل دائماً مع نتنياهو رغم سئمهم منه لكذبه وغلاظته وتطلّباته الصهيونية التي لا سقف لها.

نقلا عن المركز الفلسطني