مشاهدة النسخة كاملة : على ضوء فوز النهضة ملامح من المدرسة الغنوشية


almajid
11-05-2011, 08:13 PM
على ضوء فوز النهضة لمحات من المدرسة الغنوشية/ احمد محمود ولد محمد - باحث فى علم الاجتماع السياسي
لقد كتبنا فى مناسبة سابقة انه إذا قدر لتيار "الوسطية الإسلامية" أن يرسم المستقبل السياسي للحركة الإسلامية المعاصرة فإن العديد من مواقع الإشتباك السياسي والثقافي في الساحة العربية ستشهد تحولات في صالح نزع فتيل المواجهة الحادة بين فصائل الأمة في أكثر من موقع ، فهل يأتي فوز حركة النهضة التونسية فى أول انتخابات بعد الربيع العربي ليدعم تلك الرؤية؟.
لا شك أن الفكر السياسي لحركة النهضة –وبتأثير قوى من زعيمها ومؤسسها راشد الغنوشى- يكشف عن درجة عالية من الانفتاح والمرونة والوعى بشروط اللحظة التاريخية مع استلهام لجوهر الروح الإسلامية مما يتنافى مع الصورة النمطية المترسخة عن الفكر السياسي الإسلامي الحركي بوصفه فكراً منغلقاً وجامداً وغير قادر على المصالحة مع العصر .

من المعروف أن الثمانينيات من القرن الماضى عرفت نقاشا جادا وثريا فى محاولة للخروج من حالة الانسداد الشامل التأزم الذى تعيشه الأمة التى وقعت بين مطرقة الأنظمة الشمولية المتسلطة وسندان مجموعات الغلو الدينى، وفى هذا الإطار تندرج مساهمة الأستاذ راشد الغنوشى التى تبقى مؤشرا بارزا على تفاعل إيجابي بين الحركة الإسلامية المعاصرة
ومتطلبات الواقع السياسي المعاصر خاصة في موضوع تأصيل حقوق الإنسان والمشاركة السياسية والديمقراطية في الحقل الإسلامي ومناهضة الإستبداد السياسي الذي عانت منه البلاد العربية الإسلامية قديما وحديثا، ومن أجل ذلك يعود الغنوشي إلى الشاطبي عبر المفكرين الإسلاميين المعاصرين ليعتبر "العقيدة أساس حقوق الإنسان في الإسلام " انطلاقا من أن غاية الشريعة هي تحقيق المصالح الكبرى للبشرية ( ضروريات - حاجيات – تحسينات ).
ويرى الغنوشي أن حقوق الانسان في الاسلام تستند إلى مرجعية الهية الشئ الذي يمنحها قوة وصلابة لا تتوفر عند غيرها من الحقوق ذات المرجعيات المختلفة فهي بسبب مرجعيتها تلك :
- تتعالى عن أن تتلاعب بها أي سلطة كانت بسبب قدسيتها .
- ثم إنها أمانة في عنق كل المؤمنين بإعتبارها واجبا دينيا يثاب على فعله ويعاقب على تركه .
- استناد حقوق الانسان على السند الإلهى يجعلها فوق الانقسامات العرقية والإقليمية والاجتماعية انطلاقا من أن الله رب العالمين وليس خاصا بقوم أو أمة.
- كما يعطيها ذلك السند الإلهى شمولية لان الله خالق الانسان وهو أعلم بحاجاته الحقيقية .
ويقوم الغنوشي بمقارنة بين حقوق الانسان في الاسلام وبين "مثيلاتها" في الميثاق العالمي لحقوق الانسان من خلال قراءة تتحرر من أسر المنظومة الفقهية التقليدية حين تجد في تلك المنظومة ما يتعارض مع حقوق الانسان التي هي متضمنة في الروح العامة للإسلام وخلصت إليها البشرية بإعتبارها انجازات إنسانية عامة .
لكن ما هي هذه الحقوق التي يريد الغنوشي كشف حقيقة أنها أصيلة في الإسلام وتتأسس عليها الدولة الإسلامية تلك الدولة التي تقوم على أن "حق المواطنة مضمون لكل من رغب فيه وتعهد بمقتضاه بعيدا عن كل ضروب الحيف والتسلط أيا كان انتماؤه العقائدي وفي هذا المجال يسير الغنوشي على خطى بعض المفكرين الذين يشيد بهم من أمثال عبد الكريم زيدان – المودودي – فهمي هويدي – القرضاوي .
- أول هذه الحقوق حرية المعتقد التي تنطلق من الآية القرآنية ( لا إكراه في الدين ) وقوله تعالى ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) لتقرير حق الفرد في اختيار عقيدته بعيدا عن كل إكراه لأن أي إكراه يصادم التصور الإسلامي العام حول التكليف وتحمل الأمانة.
وينجم عن حرية المعتقد في التصور الإسلامي عدة نتائج مهمة هي :
-تكريس المساواة بين أفراد المجتمع الإسلامي إذ أن الآيات الناهية عن الإكراه كما يقول الغنوشي متجهة إلى الناس كافة ما داموا لم يرفعوا السلاح عدوانا على المسلمين أو منعا لدعوة الإسلام وفي مثل هذه الحالة تعمل آيات القتال منعا للفتنة " وهي اضطهاد الناس لأجل دينهم حتي يتركوه" .
ويخلص الغنوشي إلي أن المساواة هي قاعدة التعامل في المجتمع الإسلامي ولا ترد الاستثناءات إلا في حدود ضيقة من مقتضيات النظام العام أو هوية المجتمع وقيمه العليا بل إن الغنوشي يصل إلي أن " اصطلاح أهل الذمة " ليس لازم الاستعمال طالما تحقق الإندماج بين المواطنين وقامت الدولة على أساس المواطنة أي المساواة حقوقا وواجبات .
- ثاني هذه النتائج هو حرية ممارسة الشعائر الدينية التي يكفلها الإسلام لكل عقيدة وإقامة شعائرها في حدود رعاية الرأي والذوق العام للأغلبية .
ويتفرع عن ذلك حرية التعبير في الدفاع عن العقيدة والدعوة إليها الأمر الذي يجعل الدولة الإسلامية في رأي الغنوشى تعترف بتعدد الهويات الثقافية داخل مجتمعها وتفاعلها مما يبعدها عن أيديولوجية الهيمنة والدمج التي تطبع الدولة الغربية .
- مسألة الردة : ينطلق الغنوشي من الخلاف الدائر حول مسألة الردة والتي تتمحور حول مسألتين : "هل الردة جريمة سياسية تتمثل في الخروج على نظام الدولة وبالتالي يترك للإمام معالجتها بما يناسبها من العقوبات غير المنصوص عليها أم هي جريمة عقيدية تدخل ضمن جرائم الحدود التي هي حق لله فلا مناص للإمام من إقامة الحد فيها ؟ .
ويرجح الغنوشي الرأي الأول الذي يرى أن الردة جريمة لا علاقة لها بحرية العقيدة التي أقرها الاسلام وأنها مسألة سياسية قصد حياطة المسلمين والدولة الإسلامية من نيل أعدائها وإن ما صدر من النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الردة إنما هو باعتبار ولايته السياسية على المسلمين وبذلك تكون عقوبة المرتد تعزيزا لا حدا وأنها جريمة سياسية تقابل في الأنظمة الأخرى بجريمة الخروج بالقوة على نظام الدولة ومحاولة زعزعته وتعالج بما يناسب حجمها وخطرها من معالجات.
-ثانيا: حرية الذات وحق التكريم الإلهي للذات البشرية ذلك أن الانسان في التصور الإسلامي قد كرمه الله في الملأ الأعلى فلا عجب أن يكرمه في الأرض فالإنسان له كرامة يستحقها بصفته الإنسانية بغض النظر عن جنسيته ولونه ومعتقده وسائر الإعتبارات الاجتماعية وهي كرامة تلازمه حيا وميتا .
ويترتب على كرامة الانسان حمايته من كل ما يعرضه للخطر كالجوع والمرض و التشرد أو المهانة وسائر أنواع الظلم وصيانة الحياة الخاصة للإنسان من التجسس و انتهاك العرض ووفر له حرمة المسكن .
- ثالثا: حرية الفكر والتعبير حيث بلغ من تقدير الإسلام لفكر الإنسان وحريته اعتبار التفكير فريضة وحضه على التفكير وترشيد العقل وتحريره من الأوهام وحمايته من مذهبات العقل و الخضوع إلى مختلف ضروب الإستبداد والتسلط .
- رابعا : الحقوق الإقتصادية : يرى الغنوشي أن المواثيق الدولية لحقوق الإنسان إذا كانت قد اعتبرت حق الملكية حقا طبيعيا فان الاسلام وإن أباح التملك وفق تصور معين وشروط فإنه ومن وجهة نظرالغنوشى لايعتبره حقا من الحقوق الإنسانية لأن الملك كله لله.
ولذلك يختلف النموذج الإسلامي عن النماذج السائدة في الغرب (اشتراكية أو رأسمالية ) في أنه يتجه إلى توزيع الثروة على أكبر عدد ممكن على نحو يغدو الجميع معه مالكين وبالتالي مشاركين في السلطة ومراقبين لها وللمجتمع عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, إذ بدون الاشتراك في امتلاك مصادر الثـروة الأساسيـة ( الناس شركاء في ثلاث.... ) لا يكاد يتبقى في نظر الغنوشي معنى للقيم العليا التي حرص الإسلام على قيامها أساسا للمجتمع : المساواة – الأخوة- العدل - الشـورى - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
- خامساً : الحقوق الاجتماعية وتتمثل في :
- حق العمل إذ من واجب الدولة الإسلامية توفير العمل للقادرين.
- الرعاية الصحية للمواطنين .
- حق بناء الأسرة .
- حق التربية .
- حق الضمان الإجتماعي لكافة المواطنين .
وإذا كانت حقوق المواطنين الإجتماعية لم تكن موضوع اهتمام مواثيق حقوق الإنسان والدساتير الغربية إلا في وقت متأخر ونتيجة ضغط النظريات الاشتراكية والمنظمات النقابية فإن هذه الحقوق أصيلة كما يقول الغنوشي في التصور الإسلامي والتطبيق النموذجي له في العصر الأول.
- سادسا : الحقوق السياسية :يبرز الغنوشي الحقوق السياسية التي يتوفر عليها الإنسان في ظل الدولة الإسلامية منطلقاً من موقف إيجابي في عمومه من النظام الديمقراطي الغربي فهذا النظام رغم ما فيه من نواقص وعيوب يبقي في غياب ( النظام الإسلامي الديمقراطي ) أفضل الأنظمة التي تمخض عنها تطور الفكر البشري إذ يضمن حرية الشعوب في تقرير مصيرها واختيار نوع النظام الذي تريد أن تعيش في ظله ،أما رفض هذا النظام بسبب عيوبه فسيصب في مصلحة النظام الدكتاتوري واستبداده وطغيانه ،وفي هذا الإطار يكشف الغنوشي زيف ونفاق فتاوي وعاظ السلاطين الذين يفتون للأنظمة الاستبدادية العربية "بتحريم النظام الإنتخابي بدعوى رفض الإبتداع وتقليد الغرب" متناسين " أن الحكمة ضالة المؤمن وأنه حيث المصلحة والعدل فثم شرع الله - وأن الديمقراطية آلية ممتازة لتجسيد الشورى في إطار قيم الاسلام " . وبواسطة الديمقراطية يمكن تفعيل القيم السياسية الإسلامية : البيعة - الإجماع – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " إذ يمكن للآليات الديمقراطية مثلما هو الأمر بالنسبة للآليات الصناعية بإعتبارها إرثا إنسانيا أن تعمل في مناخات ثقافية وعلى أرضيات فكرية مختلفة كما يرى الغنوشي.
لكن الغنوشي يصطدم بإشكالية كون النظام الديمقراطي في الغرب نشأ في إطار عدد من القيم من بينها العلمانية التي يرفضها الغنوشي كمفكر إسلامي وزعيم لحزب إسلامي وفي مواجهة هذا الإشكال يشير الغنوشي إلى " أن العلمانية ليست حتمية ملازمة للنظام الديمقراطي بما هو سيادة للشعب ومساواة بين المواطنين وهيئات للحكم منبثقة عن إرادة المواطنين عبر انتخابات حرة وتداول سلمي على السلطة من خلال الإعتراف بحق الأغلبية في الحكم والقرار وحق الأقلية في المعارضة ".
ويعتبر الغنوشي أنه ليس في الآليات الديمقراطية ما يتناقض ضرورة مع قيم الإسلام بل إن هذه القيم تجد في الجهاز الديمقراطي أفضل وقود وخير طاقة وقوة توجيه تعطيه فعالية وتجنبه المزالق التي انتهى إليها النظام الديمقراطي .
إن مثل هذا التوجه الذي يعلن الغنوشي انحيازه إليه هو الذي يمكن أن يساعد على تحرير الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء من ليل الإستبداد الحالك ذلك أن " صورة الحكم الإسلامى مع استبعاد الجهاز الديمقراطي لا يقدم ضمانات كافية .
وكجزء من موضوع الحقوق السياسية يتناول الغنوشي الحقوق السياسية للمرأة مستنكرا الفتاوي القاضية بعزلها عن كل مشاركة في الحياة السياسية مبينا تهافت الأسس التي انبنت عليها تلك الفتاوي فإذا كان أصحاب تلك الفتاوي يحتجون بآية القوامة والحديث المروى عن الرسول (ص) في مناسبة تولى بنت كسرى للحكم بعد مقتله فالغنوشي يرفض مثل ذلك الفهم لآية القوامة مشيرا إلى أنه إذا كان معناها الرئاسة بإطلاق كانت نتيجة ذلك منع المرأة من الرئاسة أبدا في أي مستوى من المستويات حتى ولو كان فصلا لرعاية الأطفال أو تطبيبا أو غيرها وهو أمر لم يذهب إليه أحد من علماء الإسلام.
أما حديث النبي (ص) : ( لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة ) فالغنوشي يرى أنه لا ينهض كدليل في هذا المجال لأنه مرتبط بمناسبة خاصة وورد في سياق خاص وهى تولية الروم لبنت كسرى بعد مقتله .
والنتيجة التي يصل إليها الغنوشي هي أنه "ليس هناك ما يقطع بمنع المرأة من الولايات العامة قضاء أو إمارة وحتى على فرض ذهابنا مع الجمهور إلى منعها من الولاية العامة أى رئاسة الدولة فبأى مستمسك يستمسك غاصبوا حقها المشاركة في إدارة الشؤون العامة في كل المستويات .
كنا في الفقرات السابقة نرمى إلى تسليط الضوء على ملامح المدرسة الغنوشية التى عملت على المصالحة بين الحركة الإسلامية و القيم السياسية المعاصرة بالشكل الذي يسمح للدولة الإسلامية المرجوة أن تتصالح مع العصر .

mushahed
11-07-2011, 07:15 PM
كنا في الفقرات السابقة نرمى إلى تسليط الضوء على ملامح المدرسة الغنوشية التى عملت على المصالحة بين الحركة الإسلامية و القيم السياسية المعاصرة بالشكل الذي يسمح للدولة الإسلامية المرجوة أن تتصالح مع العصر

مقال قيم وقراءة للواقع وضعت بعض النقاط على الحروف

نتمنى لتونس دوام التقدم والازدهار

تحياتي