مشاهدة النسخة كاملة : وداعا أيتها الرأسمالية المتوحشة { الدكتور الصوفي ولد الشيباني }


Dah_2010
11-02-2011, 06:27 PM
وداعا أيتها الرأسمالية المتوحشة { الدكتور الصوفي ولد الشيباني : أستاذ الاقتصاد بجامعة نواكشوط }

بالفقرة التالية ختم الفيلسوف الأمريكي الشهير فرانسيس فوكِوياما كتابه نهاية التاريخ : "لقد ذهب ......alluxsender kojeve إلى أن التاريخ سيبرر في النهاية عقلانية، بمعنى أن وصول عدد كبير من العربات إلى المدينة سيكون كفيلاً بإقناع أي شخص منطقي التفكير يتأمل الموقف بأنه لم تعد هنالك سوى رحلة واحدة وهدف واحد للرحلة، ومن المشكوك فيه أن نكون قد و صلنا بالفعل إلى هذه المرحلة؛ ذلك أنه إلى أن تصل غالبية العربات إلى ذات المدينة ويجول ركابها بأبصارهم صوب الأجواء الجديدة المحيطة بهم لن يكون بالوسع معرفة ما إذا كان هؤلاء الركاب بعدم الرضا ومن ثم يرنون بأبصارهم صوب رحلة جديدة أبعد شوطاً.."

عندما قرأت هذه الفقرة في مطلع التسعينات قلت وقتها بل سيرنون بأبصارهم صوب رحلة جديدة أبعد شوطا يا فوكوياما، و بطبيعة الحال لم تكن هذه الإجابة منسجمة مع زخم التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم في ذلك الظرف نحو تطبيق أفكار النظرية الرأسمالية كمخلص من المشكلات التي كانت تواجهها العديد من الدول وخاصة في المعسكر الإشتراكي السابق.

غير أنه بعد مضي ما يقارب العقدين من الزمن ها هي الشعوب تخرج في مئات المدن عبر العالم في احتجاجات شعبية عارمة ضد النظام الرأسمالي الذي بات ينتج الفقر والتهميش بسرعة أكبر من إنتاجه للثروة والغنى.
ولم تعد الغالبية العظمى ترى من خلال هذا النظام سوى صور الجشع والإفقار والبطالة، وتحميل الطبقات المتوسطة والفقيرة فاتورة حماية مصالح الأثرياء والمصارف والشركات الكبيرة.

"متحدون من أجل تغيير عالمي" هذا هو الشعار الذي رفعه المتظاهرون في مختلف دول العالم في الخامس عشر من أكتوبر 2011 فيما يمكن تسميته بيوم الثورة العالمية ضد جشع الرأسمالية وأسواقها المالية وبنوكها وشركاتها العملاقة.

وبالتأكيد لم يكن الهدف الرئيس لهؤلاء المتظاهرين تغيير أنظمة الحكم في بلدانهم على خلاف حركة الربيع العربي ـ التي يعود لها الفضل في إلهامهم الشعور بضرورة التحرك ضد ظلم واستغلال الرأسمالية المتوحشة، بل إن الهدف الذي وحد هؤلاء المتظاهرين الذين خرجوا في أكثر من ثمانين بلداً إنما كان تغيير قواعد وآليات النظام الاقتصادي المهيمن، أي التخلص من الرأسمالية بما تنطوي عليه من جشع وتغليب للنزوات الشخصية والدوافع الربحية الضيقة التي أدت إلى تنامي أعداد الفقراء حتى في الدول الصناعية ذاتها، وخلقت أزمة كساد وبطالة في ظل أسعار مرتفعة تلتهم كل ما في جيوب العمال ومحدودي الدخل.

وعندما تفاقم إفلاس المشاريع الإنتاجية والخدمية وانتشرت البطالة وتراجعت الأوضاع المعيشية وعجزت سياسات الدول عن معالجة الوضع خرج الناس في الشوارع واحتلوا الساحات العامة في حركة جماعية غير مسبوقة ضد نظام يهيمن على العالم كله تقريباً.

ولم تكن هذه هي الأزمة الأولى التي يواجهها النظام الرأسمالي، بل إنه مر بأزمة الكساد العظيم في الثلاثينيات من القرن الماضي، وأزمة الكساد التضخمي في السبعينات، وأزمات مالية أخرى تتالت كل بضع سنين.

وفي كل مرة كان مفكرو الرأسمالية يبادرون إلى وصفات ترقيعية بآليات وسياسات خارجة عن سياق المنظومة الفكرية للنظام الرأسمالي ويتمكنون من خلالها من تجاوز الأزمة، لكن ما إن يلتقط هذا النظام أنفاسه ويتجاوز أزمة معينة حتى تبدأ ملامح أزمة أخرى في الظهور، حتى باتت المتناقضات الاقتصادية التقليدية ـ كالتعايش بين البطالة والتضخم ـ أمراً معهوداً، بل وتحولت إلى خاصية بنيوية للنظام الرأسمالي.

ولا يسمح المقام هنا بتحليل أسباب أزمات النظام الرأسمالي، وإن كان البحث في تلك الأسباب يشكل أمراً جوهرياً لمعرفة حقيقة اَِِلتطورات الاقتصادية التي يشهدها العالم في هذه المرحلة، ولذلك سأكتفي هنا فقط بإبراز بعض جوانب تداعيات ما يمكن تسميته بأزمة تضخم التمويل غير المضمون، ذلك التمويل الذي أسرفت البنوك والمؤسسات المالية في منحه وأسرفت الدول والمؤسسات والأفراد في طلبه دون ضمانات ولا قدرة كافية على إرجاعه نظرا لتراجع الأداء الاقتصادي وتدهور ظروف الغالبية العظمى من الناس وتزايد الأعباء الملقاة على كاهل الدولة، وهكذا بفعل رغبة جامحة من المؤسسات المالية والمصرفية في مضاعفة الأرباح وتكديس الثروة أرهقت ميزانيات الطبقات المتوسطة والفقيرة التي عجزت عن الاستمرار في الوفاء بديون تلك المؤسسات المالية والمصرفية لتكتشف هذه الأخيرة فجأة أن السعي الأعمى لجني الأرباح وتكديس الثروة هو أقصر طريق لإفلاس الجميع بما في ذلك كبريات الشركات و الينوك.

وفي محاولة لمواجهة هذه الوضعية عمدت الدول المعنية إلى منح الأولوية لإنقاذ مؤسساتها المالية ومصارفها وشركاتها العملاقة ، وقد تطلبت منها حزم الإنقاذ إتباع سياسات تقشفية بغية تمكين الدولة من تعبئة الموارد المالية اللازمة لعملية الإنقاذ تلك ، وشملت تلك السياسات تراجع ميدان تدخل الدولة وتخليها عن تقديم بعض الخدمات الاجتماعية وفرض المزيد من الضرائب على السلع المستهلكة من طرف الطبقات الفقيرة والمتوسطة مما ضغط على ميزانيات الأسر وقلّص حجم الطلب الاستهلاكي الذي يعتبر في الأصل محرك النشاط الاقتصادي.

و هكذا بدلا من أن توجه الحكومات اهتماماتها إلى مساعدة محدودي الدخل وحماية فرص العمل، فقد فرضت ضرائب إضافية على الطبقة المتوسطة واقترضت المزيد من القروض بهدف توفير الموارد المالية لتمويل أزمة الشركات والبنوك الكبيرة بحيث بات مواطنو تلك الدول يعتقدون أن حكوماتهم قد تحالفت مع الأغنياء لتمويل أزماتهم على حساب الفقراء ومحدودي الدخل في مسار يؤدي إلى تزايد ثراء الأغنياء مقابل تدهور أوضاع الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة.

و عندما تفاقمت الأوضاع، خرجت الشعوب في أنحاء العالم في توقيت واحد وتحت شعار موحد لتقول كفى للرأسمالية .. نريد نظاماً بديلاً يحقق العدالة في التوزيع ويحمي الطبقات المتوسطة والفقيرة.

إن الطابع الشعبي للاحتجاجات وشمولية انتشارها عبر العالم، وتوحد شعاراتها هي أمور تحمل دلالات عميقة على أن شعوب العالم قد ضاقت ذرعا بالجشع والاستغلال وانعدام العدالة وتكدس الثروات في أيادي قليلة، وانحياز الدولة لأصحاب رؤوس الأموال على حساب القاعدة العريضة من الناس، وكلها أمور لصيقة بالنظام الرأسمالي و نتاج طبيعي لقواعد عمله.

فهل يعني ما نشهده الآن من توالي الأزمات من وقت لآخر وتنامي الاحتجاجات على نطاق عالمي ضد الشركات الكبرى والأسواق المالية أن نهاية النظام الرأسمالي باتت قريبة ؟
سيعتبر الكثيرون من غلاة الرأسمالية أن طرح هذا السؤال ينم عن درجة كبيرة من عدم الواقعية في هذه المرحلة، وسيردون على الفور بأن الرأسمالية طالما أثبتت قدرتها على تخطي الأزمات و ابتكار الحلول الجديدة، وأنها لن تفشل هذه المرة في ذلك، خاصة بعد أن بسطت نفوذها في مختلف أصقاع الأرض، وضمنت تشابكاً عضوياً بين المصالح الاقتصادية لمختلف الدول، وأنّ الجميع لا يرى لها بديلا على غرار مقولة¬¬( فوكوياما) بنهاية التاريخ عندما انتصرت الرأسمالية وانهارت الاشتراكية.

غير أن الذين يقولون بذلك لا ينتبهون ،أو لا يريدون أن ينتبهوا، إلى إن التحديات التي يواجهها النظام الرأسمالي جراء الأزمة الحالية لا تقتصر على إيجاد التمويل اللازم لإنقاذ الشركات والمؤسسات المالية والمصرفية من الإفلاس والتعثر، وإنما تشمل أيضا عدم القدرة على حماية فرص عمل و مستويات حياة الطبقات المتوسطة والفقيرة والحفاظ على قدرتها على تسديد القروض التي أغرقتها بها المؤسسات المالية الساعية إلى الأرباح.

وبالتالي فإن التوصيف الحقيقي للأزمة الحالية ينتهي إلى القول بأنها أزمة تعثر وإفلاس المؤسسات المالية والمصرفية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لعامة الناس وتفاقم مديونيات الدول، وعجز السياسات التقشفية المتتبعة عن مواجهة تأثيرات الأزمة، بل إن إجراءات هذه السياسات وخصوصا رفع الضرائب على السلع المستهلكة من طرف أصحاب الدخول المحدودة باتت تمثل الوقود المحرك للأزمة خاصة مع تزايد شعور الناس بأن محاولات حماية مصلحة الشركات والمؤسسات المالية والمصرفية إنما يتم تمويلها من جيوبهم التي باتت خاوية، مما حدا بهم للخروج إلى الشوارع و احتلال الساحات العامة.

ومن الواضح أن التخبط في السياسات الحالية التي تتراوح بين حزم الاقتراض الضخم بهدف الانقاذ واتباع سياسات تقشفية لتخفيف الأعباء عن الدولة لا يقود إلا إلى إنتاج الأزمة من جديد نظراً للفوائد المتزايدة على القروض والتي يعجز المقترضون عن سدادها بسبب الكساد وتراجع الطلب، مما يهدد مصالح المؤسسات المالية والشركات ويدفع الدولة من جديد إلى طلب المزيد من القروض والضغط بسياسات تقشفية أكثر حدة مما يفاقم أوضاع عامة الناس ويزيد من رفضهم للسياسات المتبعة ، وعلى هذا النحو تدخل الأزمة مرحلة الحلقة المفرغة التي لا يمكن الخروج منها باحترام قواعد وآليات النظام الرأسمالي.

و لذلك فإن العديد من الخبراء باتوا يعتقدون أن النظام الرأسمالي لم يعد مهيئا- على الأقل- في المدى القريب لتجاوز أزمته الحالية، بل إنه قد لا يتمكن من ذلك حتى لو أدخل ترقيعات جديدة؛ لأن الأزمة باتت تنتج نفسها بنفسها وسياسات العلاج المتبعة القائمة على البحث عن التمويل عن طريق الاقترَِاض بالفائدة لا تسمح على المدى البعيد بتجاوز أثار الأزمة، بل إن تلك السياسات غالباً ما تتسبب بعد فترة في تزايد العجز عن السداد و تراكم الديون على نحو ما تعيشه حاليا بعض الدول الأوروبية، ويزيد من تعقد الموقف أن هيمنة النظام الرأسمالي على العالم وتشابك الاقتصادات في ما بينها قد سهلت انتشار أزماته بين البلدان بحيث لم تعد هناك منافذ لالتقاط الأنفاس وتفريغ الأزمات عكس ما كان موجودا في الماضي وساهم في إنقاذ الرأسمالية في أوقات حرجة ،وبالتالي فإن الأزمات أصبحت تتبادل إنتاجاً وتصديراً بين دول المركز وبعضها البعض من جهة وبينها وبين دول الأطراف من جهة أخرى، وهو ما يفسر تجدد نذر الأزمة من حين لآخر.

وطالما ظلت الثروة تتكدس لدى أصحاب الأموال بمعدلات تفوق معدلات النمو الاقتصادي فإن الخلل سيظل قائما بين القدرة على الانتاج وحجم الطلب الفعال الذي سيتراجع كلما تراجع نصيب عامة أفراد المجتمع من الدخل مما يؤدي إلى تراجع الانتاج وتزايد البطالة، ويهدد مصير الشركات والمؤسسات المالية والمصرفية، ويدفع بالدولة من جديد للبحث عن حزمة إنقاذ جديدة، و من الواضح أن هذا الوضع غير قابل للاستمرار لأن الأزمة في كل مرحلة جديدة ستكون أكثر حدة، وسيكون العلاج أكثر إيلاما وأكبر ثمناً، وبالتالي فإنه بعد مرور فترة من الزمن على تكرار هذا الوضع سيتضح أن الحل الحقيقي للأزمة لا يمكن أن يتم إلا بالخروج على قواعد ومبادئ النظام الرأسمالي وإبدالها بقواعد جديدة قادرة على مواجهة التحديات،، وهذا هو بالضبط ما يريده المتظاهرون الذين خرجوا عبر العالم للمطالبة بإرساء أسس نظام جديد أكثر عدالة وكفاءة وأخلاقية.

ومن نافلة القول أن هذا النظام المنشود ليس هو النظام الاشتراكي الذي بشير به كارل ماركس كبديل عن الرأسمالية؛ لأن ذلك النظام سبق أن انهار هو نفسه وأبان عن ثغراته القاتلة وعجزه عن بناء منظومة اقتصادية قادرة على الاستمرار ومواجهة التحديات، لأنه نظام يتميز بقدر كبير من عدم القدرة على التكيف والمرونة وبانعدام الحوافز على التفاني في العمل وتحقيق المزيد من الانتاج.

ومن البديهي أن البديل المنشود لا بد أن يكون خاليا من الأسباب التي تؤدي إلى توالد أزمات النظام الرأسمالي، أي أنه يجب أن يكون خالياً من نظام الفوائد المصرفية ومن المضاربات على الاقتصاد الوهمي التي تؤدي إلى تراكم المديونيات وتسريع حالات الإفلاس ،كما أنه بحاجة كبيرة إلى إضفاء البعد الأخلاقي على التنمية وإيجاد آلية فعالة لإعادة التوزيع لتقليل مخاطر تكدس الثروة لدى مجموعات قليلة. و هذه هي نفسها خصائص ومميزات النظام الاقتصادي الإسلامي الذي باتت الممارسات الاقتصادية في الدول الغربية ذاتها تتحرك في ا تجاه إرساء قواعده حتى ولو لم تسم الأشياء بمسمياتها.

فهل سننتظر نحن المسلمون حتى تتبنى الاقتصادات الغربية قواعد وآليات الاقتصاد الإسلامي وتقدمها مشوهة في الغالب على أنها ترقيع للرأسمالية وتكييف لها مع تحديات المرحلة، دون أن تعترف بأنها خرجت على أسس النظام الرأسمالي، أم أننا سندرك أن توالي أزمات الرأسمالية وتقارب فترات ظهورها هو إيذان بأن نجم النظام الذي بني على أفكار آدام سميث قد بدأ في الأفول وسيختفي بغد حين وبالتالي فإنه يتعين علينا اليوم قبل الغد المسارعة إلى تحويل أفكار و أليات النظام الاقتصادي الاسلامي خالصة إلى واقع يحكم افتصاداتنا قبل أن نستوردها مشوهة من غيرنا؟!!


تحياتي