مشاهدة النسخة كاملة : مستخرج من سجل عقود الازدياد..


أبو فاطمة
03-14-2010, 02:36 PM
مستخرج من سجل عقود الازدياد..

ماموني ولد الحسن

كان الجو صحوا والسماء صافية، ليست هذه مقدمة تقرير الحادي عشر من سبتمبر بل هو واحد من صباحات مدينة انواكشوط، مقاطعة توجنين، السابعة وبضعة دقائق صباحا خرجت من البيت متوجها إلى البلدية وصلت بعد دقائق قليلة إذ كانت قريبة من البيت وجدت البواب واقفا مع شيخ يتبادلان أطراف الحديث بادرتهما بالسلام، سألت عن العامل المكلف بتوزيع الأرقام على الراغبين في الحصول على مستخرجات، أجابني البواب:
:<<مافات ج غير ادخلك هوك اكبظ الرنك ذاك فم>>، دخلت مبنى البلدية إذا قد سبقني عشرون بين رجل وامرأة ألقيت السلام واتخذت موقعي، دخل من بعدي رجل: <<الرنك آخر امنين؟>> أجابته الجماعة: <<أراعيه>> وأشارت إلي، وقف من خلفي يحمل أوراقه في يده ويقول: <<هذ المستخرجات ماتلاو ساوين كيف ذ كامل ألا نمرك موريتان ينكالن كل ش عاد زين ومتيسر والدولة صلحت، مزلن انكز في المطار ذهو ذ سراب>>، هزت الجماعة رؤوسها: <<والله أل حك>> وفي لحظة احتدم النقاش لكن كل المداخلات كانت منتقدة للوضع المزري الذي يعيشه بلدنا حتى في أبسط إداراته ومرافقه العمومية، في هذه الأثناء دخل عامل البلدية المكلف بتوزيع الأرقام، كانت الساعة تشير إلى الثامنة إلا دقائق فتح مكتبه، دخل ليخرج بعد قليل: <<وينه راس الرنك؟>> ، <<راعيني>> أجاب أحد الجماعة، بدأ بتقسيم الأرقام حسب الطابور، البواب يخرج من بين المصطفين وهو يحمل رقما في يده، أحدهم يسأله: <<أنت أخبارك؟>> البواب يجيبه وهو يسابق ليخرج من باب البلدية: <<ألا رقم كابظ الراجل ذوك الكدام>>، وصل عامل البلدية إلى الرقم 15 بدأ نوع من عدم النظام أحدهم يدعي موقعا والأخر رقما وسط تمتمات من نوع: <<ذ ماه صالح، خصرت الرنك.....>>، بدا العامل في حيرة من أمره أصبح يوزع الأرقام بنوع من العشوائية، وصل إلى الرقم 21 أخذه الرجل المنتقد الذي أتى من بعدي، قالت الجماعة: <<سبكك ذ امنادم>>، تعنيني، أخذت من العامل الرقم 22 أعطيته للرجل وسحبت منه الرقم 21، لم يحرك ساكنا، بدا مقتنعا بأنه أخطأ وعاد أدراجه، انتهى توزيع الأرقام على الحاضرين وانفض الجمع في حين علت أصوات التساؤلات: <<هوم ذ الكوم اللي إعدل المستخرجات أينت يطلع؟>>، أجاب آخرون: <<والله ما نعرف>>، انقسمت الجماعة بين من ذهب لقضاء حوائجه ريثما يبدأ النداء وبين من بقي في البلدية منتظرا، كنت من بين الذين بقوا داخل مقر البلدية أستمع للرجل المنتقد صاحب الرقم 22 وهو يواصل انتقاداته ليضيف: <<هذ لرقام اليعط الكل أركاج افتاغط فيهم ياسر من الفساد يستهلك ياسر من اتواغط و سحبهم من الطابعة كل انهار فساد أوخر>>، أحدهم أراد التعليق على كلامه، لم يتركه ليوصل فكرته حتى قاطعه قائلا: <<ما فهمتني....>> وأسهب في شرح فكرته وطرح الآليات الكفيلة بحل المشكل ...........، خرجت من مقر البلدية أحمل رقمي بيدي، وفقت عند الباب الأمامي لأجد شيخا ورجلا من الجماعة قد خرجا من قبلي، تبادلنا السلام، وكعادة كل الموريتانيين الطيبين عندما يلتقون دخلنا في حديث موسع دار حول ثغرات الإدارة الموريتانية ككل بما في ذالك البلديات....، في وسط الحديث حرسي يتجول، يبدو أنه كبير حرس الحاكم الذي يجاور مقره مقر البلدية، ذهب ثم عاد ومعه رجل بهيئة إدارية، سأل عن سائق البلدية في هذه الأثناء توقف سائق البلدية الذي لم يكن يسوق بأحد، أشار عليه الرجل وأعطاه مفاتيح سيارة كانت متوقفة داخل مقر البلدية وأضاف: <<مرك سيارة الحاكم إلاه وكفه كدام مقرو من يامس كاع ادركسيوه كاسي ما يتبرم>>، بدا مستاءا من وضعية السيارة، أخذ السائق المفتاح وقام بما طلب منه، لم يكد يخرج حتى توقف باص صغير كتب عليه "نقل عمال البلدية" وإذا به يحمل فوق طاقته، عنق على رقبه، بعض العمال قد ركب على بعض في ما بدا نوعا من الرضوخ للواقع تصاحبه أسئلة علت وجوههم: لماذا ننقل بهذه الطريقة؟ ألم يكن من واجب الدولة أو البلدية أن توفر نقلا مريحا؟ بدت أسئلة صامتة لكن جماعتي خرجت عن صمتها بعد كل هذه الأحداث التي مرت أمامها ليعلق أحدهم: <<هذه اروايه شنهي؟ ذ من العمال شعدل؟>>، أجابه آخر: <<ألا كيف ذ كامل ألا كله يخلص ما يعدل ش>>، ليضيف ثالث: <<ذاك اص ال خف كانت سيبه مانعة غير عاد يخلص في الغالب ألا حد يطلع وهذا الإحصاء التالي خفف ذاك>>، رد عليه الأول: <<حك اص>> وأضاف: <<كان عند قريب زمن ول الطايع اجيه اخلاص من ازويرات اهو الاه أط ش ابذ ......>>، طال الحديث، وفي أثناءه توقفت سيارة قديمة الطراز نزل منها رجل ملثم، توجه إلينا، تبادلنا السلام، أضاف: <<الناس ماجاو؟>>، <<مافات>>، دخل مباشرة في الموضوع يبدو أن لديه ما يضيفه في خانة الانتقادات: <<هذا ألا من نحن أهل توجنين ألا ذ نبتن ذ العمدة نحن لمنجحين غير مان مد لو كن خالكين نحصر هون ونكولولو يوخظ لعاد ماه امعدلن همن ذ ماه خيمت أهل>>، عامل التنظيف يصل أقدامنا عند الباب الأمامي بمكنسته الطويلة وعمامته السوداء يبدو أن لديه تعقيبا على كلام الرجل: <<والله أل حك ذ ألا منكم انتوم أهل توجنين ألا ساكتين اعل كل ش هذا الحاكم الكان هون ماخل ش ما تكلمت>>، لم يعلق أو لم يشأ أن يعلق على ما قيل في العمدة، ربما بحكم عمله في البلدية بل أسهب في الحديث عن اختلاسات الحاكم السابق لأطنان الأرز والقمح وانتقد عدم كرمه مقارنة بالذي قبله إذ كان حسب قوله بشوشا وكريما حيث أنه في إحدى المرات أعطاه هو وجماعة عملوا لديه في تفريغ شاحنة من الأرز والقمح وزعها على المواطنين، أعطاهم حسب قوله 15000 أوقية و 3 خنشات، في حين كان هذا الحاكم الذي تمادى في مدحه يرفض كل الهدايا التي بدأت تنهمر على مقره غداة تعيينه من ذبائح وغيرها في ما أصبح عادة سيئة لدى ذوي الدخل الميسور من المواطنين لإرضاء الحكام من أجل تحقيق مطالب خاصة، ليضيف عامل التنظيف: <<أم ذ لحريص التالي امتل اعليه الحيط امجيت هون من لكباش أكان كل انهار يذبح واحد امشيه لهل غير اجييه الا آن عيطلي انهار نذبحلو وكبظت كرعه اكبيره الراص>>، حتى عامل التنظيف يطبق مبدأ "اللي اتول ش ظاك!"....... العمدة يصل بسيارته، باص نقل عمال البلدية كان قد غادر بعد حط الفوج الأول وهاهو يعود بالفوج الثاني من العمال، حطهم، أحد الواقفين يسأل: <<صاحب المستخرجات ماه فيهم؟>>، آخر يجيبه: <<ماه فيهم.>>، يغادر الباص الصغير، الساعة تشير إلى التاسعة، يعود بفوج ثالث <<الحمد لله راعي امنادم ج>>، قالها أحدهم وهو يقف من مكان جلوسه الذي طال، دخل وكيل الحالة المدنية إلى مكتبه وهو يحمل حقيبته، رص أصحاب الأرقام الأولى أنفسهم ببابه في انتظار النداء عليهم، يبدو أن أحدهم تذكر أمرا مهما: الرسم البلدي!<<كتلكم تيمبرات امنين ينشراو؟>> أحدهم يجيبه: <<صاحبتهم لتبيعهم امكينه جات>>، اتجه معظمهم إليها بمن فيهم أنا، <<ذ باش؟>> تجيب 100 أوقية، يرد : <<هو كان ألا ب 40 أوقية>>، <<هذ امحامرين أهل تفرغ زينة>> يتساءل آخر، عادت الجماعة، بعد دقائق فتح أحدهم باب وكيل الحالة المدنية: <<1، 2 ،3 يدخل والحي لخر اتحاني>>، دخلوا ليخرجوا بعد قليل من باب خلفي يحملون مستخرجاتهم: <<وينه العمدة اوقعن مزالن توقيع؟>> أحدهم يشير إلى باب العمدة، هكذا استمرت العملية إلى أن وصلوا للرقم 8 الذي كان يقف بالباب خرج علينا الوكيل ليقول: <<الشكليات فرغ حانون انجيبوهم>> شيخ يسأل: <<هو ذ الصيد هو صاحب المستخرجات؟>> يبدو أنه سمعه ليجيب: <<ظاهرال>>، العاشرة تقترب خرج ليركب مع سائق البلدية على أمل أن يعودا بالشكليات بقينا في الانتظار ساعة وساعة، بدأ الملل يتسلل إلى البعض، أحدهم يغادر وهو يتمتم: <<هذا ماه ساو آن ماش افرغ وقتي>>، حذا حذوه آخرون في حين لم يبرح الباقي أمكنتهم في انتظار عودة الوكيل بالشكليات، في غضون ذالك تكونت تجمعات، كل جماعة اتخذت لنفسها موقعا من مقر البلدية أو حائطها لتفتح موضوعا للنقاش كان في الأغلب ينصب في نقد الأوضاع التي تعيشها مؤسساتنا العمومية ليتطرق إلى مواضيع أخرى سياسية واجتماعية يجمع الجمهور الموريتاني على الاستياء منها دون أن يحرك ساكنا أو يكون لديه الدافع أو الرغبة في تغييرها، حتى إن البعض ينتقد الخطأ ليقع فيه، مرت ساعات، الثانية عشر تزيد، الوكيل يأتي بالشكليات وبينما كان داخلا عاد الطابور إلى مواقعه، بقينا وقتا ننتظر فيما لوحظ البعض يدخل من الباب الخلفي دون المرور بالطابور بمن فيهم واحد من الجيش استقل بزته العسكرية للوصول إلى مبتغاه دون طابور، في حين انتظرنا وقتا حتى بدأ النداء من جديد، أخيرا وصلوا لرقمي، دخلت لأسأل عن بطاقة تعريفي حتى شككت في أني لا أريد سوى مستخرج من سجل عقود الازدياد، أخرجت بطاقتي لينظرها الوكيل ويأمر بدوره السكرتيرة باستخراج العقد، هكذا مررت بالعملية التي مر بها من قبلي، خرجت من مكتب الوكيل لأدخل للعمدة حتى يوقع بدوره، حينها تنفست الصعداء كغيري من أهل الطابور الذين تمكنوا أخيرا من الحصول على مستخرجات وها أنا أعود للبيت بعد يوم شاق، أنظر الساعة فإذا بها تشير إلى الواحدة إلا ربعا فهل كان من اللازم فعلا أن ينتظر الواحد منا خمس ساعات حتى يحصل على مستخرج؟ في حين أنني تركت من بعدي ما يربو على 70 رقما لم يتمكنوا من الدخول بعد، مع العلم أن البلدية تغلق مجال المستخرجات عند الساعة الواحدة مما يعني أنهم لن يتمكنوا من الحصول عليها، الأمر الذي سيضطرهم للعودة غدا ومن يدري؟ ربما يجدون يوما أصعب، هذا هو حال مؤسساتنا العمومية فلا تسأل المواطن حين تلقاه منهكا ما الذي أنهكه؟ فربما كان في "رنك" منذ الصباح، ومن كان منهكا فلا تطلب منه أن ينتج، أما أنا فلا أريد أن ألقي باللائمة على الدولة ومؤسساتها وعمالها بقدر ما أحمل المواطن مسئوليته كاملة، كما أرجوا أن يكون هذا النقد بناءا في سبيل نماء وطني الذي أحبه حتى الجنون، أما أنت عزيزي القارئ فلا شك أنك أنهكت من مجرد القراءة فما بالك بمن عاش هذه الأحداث؟ آه كم أنا متعب.
ترقبوني إن شاء الله في موضوع جديد.
الاسم الرسمي السابق للولد:ماموني ولد الحسن



نقلا عن السراج الموريتانية