مشاهدة النسخة كاملة : ما بعد الحوار ... هل يكون الداء في الدواء؟ { محمد الأمين ولد سيدي مولود }


twitter
10-20-2011, 05:05 PM
ما بعد الحوار ... هل يكون الداء في الدواء؟

http://img401.imageshack.us/img401/1914/indexphprexresize200wlm.jpg
محمد الأمين ولد سيدي مولود

"لا ينبغي أن نرى ما تم يوم أمس 19/11 بالأبيض أو الأسود فقط "
لقد تم اختتام الحوار يوم أمس 19/ 11 بين الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز وبعض الأحزاب (المعارض بعضها، والقادم بعضها لتوه من الأغلبية) وهو حوار أتى بنتائج فاقت توقع بعض المراقبين وذلك نتيجة المؤشرات التي سبقت الحوار والتي كانت تصب في فشله ...
وبما أن الجانب الإيجابي للحوار هو السائد في أذهان الكثيرين اليوم فإنني أود التوقف عند نقاط سلبية إلى حد كبير تجلت في بعض فقرات الاتفاق الموقع بين الطرفين ونقاط أخرى عبارة عن ملاحظات عامة ذات صلة بالموضوع:

ـ اسم على غير مسمى:
يبدو من خلال الحل السحري الذي أنقذ الحوار في آخر لحظة أن الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز هو من يمسك بجميع الأوراق وأن تسمية الأغلبية كطرف في الحوار مجرد اسم على غير مسمى ... فما رفضته هذه الأغلبية هو ما قبله عزيز بين عشية وضحاها، ولقد كان من المناسب فعلا القول أن الحوار كان بين أحزاب معارضة والرئيس كما أرادت هذه الأحزاب وكما هو واقع .
ثم إن عنونة الحوار "الحوار بين الأغلبية وأحزاب المعارضة" فيه تجاهل لحقيقة الخريطة السياسية حيث المشاركون في الحوار مجرد أربعة أحزاب ، وحيث غابت أهم أحزاب المعارضة (أكبر حزب معارض: التكتل، وأهم الأحزاب الموريتانية تنظيما وبنية أي الأحزاب الإيديولوجية: اتحاد قوى التقدم وحزب تواصل)، لقد كان من الأنسب تسمية الحوار ب"حوار بين الرئيس الموريتاني وبعض أحزاب المعارضة" حتى لا نظل ندور في نفس الحلقة المفرغة من تجاهل الآخر ونحن نسعى إلى زرع ثقافة الحوار والتعايش.

ـ الحسابات الضيقة :
يبدو أن الطرفين وقعا فيما يمكن أن يوصف بالحسابات الضيقة وذلك عند تقييد زعامة المعارضة وشرط كون من يقوده نائبا أو عضوا في مجلس الشيوخ ..وهو إبعاد واضح لأحمد ولد داداه الذي يمكن وصف طرفي الحوار ب"خصومه" السياسيين . ومن غير الواضح إن كان هذا الشرط يخدم الديمقراطية والحكم الرشيد فالعلاقة بين عضوية البرلمان وزعامة المعارضة كشرط تحتاج تبريرا مقنعا.

ـ الإصرار على الانقلاب في الوقت الخطأ:
من الغريب دفاع الرئيس عزيز في خطابه أمس عن الانقلابات في وقت يسعى فيه هو محاوروه إلى تجريم الانقلابات. لقد دافع الرئيس باستماتة عن انقلاب أغسطس 2005 وهو ما أجمع عليه جل الموريتانيين حينها ، لكن الطريف هو دفاعه مجددا عن انقلاب أغسطس 2008 الذي وضع البلد في أزمة كادت تعصف باستقراره، فبغض النظر عن المبررات الممجوجة لذلك الانقلاب من طرف مؤيديه، وسلبياته الموضحة من طرف مناوئيه، لم يكن أمس الوقت المناسب لنكء ذلك الجرح، لقد أحرج الرئيس أهم محاوريه من أحزاب المعارضة الذين كانوا أعضاء نشطين في الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، وذلك بتمجيده مجددا لانقلابه وكأنه يريهم كيف كان محقا حينها، ثم إنه أعاد إلى الأذهان أن الانقلابات عموما عندما تنجح يصبح فاعلوها محقون وتصبح أعمالهم شرعية حتى ولو جرموها بعد ذلك هم أنفسهم. ورغم تشبث الرئيس بشرعية انقلابه ـ وهو نفس نهج من سيخلفه إن أتى بالطريقة نفسها ـ فإن التعديلات الدستورية المزمعة ستكون محرجة له ولأنصاره خاصة الأحزاب السياسية (سواء من أيد ثم تراجع مثل التكتل أو من أيد واستمر ) والنواب البرلمانيين (الكتيبة) والشخصيات السياسية الأخرى التي سيلاحقهم تجريم فعلتهم أخلاقيا إلى حين حتى ولو لم يلاحقهم قانونا لكونهم من يقرر اليوم.

ـ المعارضة المقاطعة والفرصة الضائعة :
لقد ضيعت أحزاب المعارضة فرصة نادرة وذلك بعدم المشاركة في صناعة هذه التغييرات الجذرية المهمة ، ولقد كان غياب المعارضة مبررا لعدم تقديم ضمانات كافية ونتيجة لاكتوائها بعدم التزام النظام باتفاقيات سابقة (اتفاق داكار) وهو ما يجعل مخاوف من هذا النوع ما تزال قائمة حتى اللحظة وستظل حتى يتم تطبيق ما اتفق عليه أمس.
لكن المعارضة اليوم مطالبة باللحاق بما يجري ومواكبة الحدث حتى وإن فاتت فرصة صناعته، لكن النظام هو الآخر مطالب ببذل المزيد من الجهد لإقناع هذه المعارضة وذلك لتجنب القيام بتعديلات دستورية غير مجمع عليها لما في ذلك من خطورة على المستقبل السياسي في البلد.

خلاصة:
وختاما يمكن القول أن عزيز أمس أعاد الكرة إلى مرمى المعارضة واسترق منها الضوء مجددا ، لكن هل يستمر ذلك أم أن الرجل قد ينكص عن ما تم الاتفاق عليه؟
إلى ذلك تبقى نقطة التغييرات غير الدستورية هي الأهم والأخطر ، فتجريم القيام بانقلاب من طرف من قام بانقلابين لا يكفي لتفادي هذه التغييرات، بل لا بد من مجيء رئيس إلى السلطة بوسيلة أخرى غير الانقلابات من أجل قطيعة تامة معها ، ولن يتم ذلك إلا باحتمالين :
ـ أولهما : أن لا يترشح عزيز للانتخابات الرئاسية المقبلة ويفسح المجال أمام نظام مدني صرف وعندها ـ فقط ـ سيكون رائد الديمقراطية فعلا
ـ أما ثانيهما : فهو قيام آخرون بانقلاب لا يرشحون أنفسهم ولا يدعمون مرشحا معينا بل يتركون للشعب حق اختيار من يحكمه.
أما غير ذلك من التشريع والتشريع المضاد فسيظل مجرد حبر على ورق وتظل دوامة الانقلابات هي السائدة حتى قيام ثورة شعبية أو فوضى مدمرة لا قدر الله.


عن الأخبار