مشاهدة النسخة كاملة : صراع الأجندات الشخصية في الكويت


ام خديجة
10-14-2011, 11:14 AM
صراع الأجندات الشخصية في الكويت


الكويت - “الخليج”:

واضح تماماً أن جوهر الصراع السياسي في الكويت، تسمع عنه في التجمعات والدواوين والجلسات الخاصة، وتقرأ بعض تلميحاته في الصحف، لكن أحداً من طرفي الصراع “المعارضة والحكومة” لا يريد الإفصاح عنه صراحة، ويواصلان منذ شهور لعبة “عض الأصابع” بعد أن حدد كل طرف بدقة أهدافه المرحلية، فالمعارضة التي يقودها زعيم كتلة العمل الشعبي النائب أحمد السعدون أعلنت أن هدفها إقالة الحكومة ورئيسها الشيخ ناصر المحمد، وحل مجلس الأمة “البرلمان”، وهدفها “الإتيان بأغلبية نيابية تمكنها من قيادة المرحلة المقبلة، لكنها مختلفة ومتباينة داخل مكوناتها، فالسعدون يحلم بالعودة مجدداً إلى رئاسة البرلمان ولو يوماً واحداً، وينقل المقربون منه أنه يريد أن ينهي حياته السياسية رئيساً لمجلس الأمة، ونواب كتلته لا بديل أمامهم سوى المعارضة بضراوة، لأن تلك المعارضة هي التي قادتهم إلى قاعة عبدالله السالم ولا يمكنهم الاحتشاد في صفوف أخرى، أما كتلة “التنمية والإصلاح” التي تضم 4 نواب إسلاميين فيرون أن أجواء الربيع العربي هيأت لهم الظروف المناسبة لتحقيق الأغلبية التي ذهبت بعيداً عنهم في الانتخابات الماضية، بسبب المال السياسي والإعلام الفاسد الذي شوههم - كما يقولون- ويرون أن الفرصة مناسبة للانقضاض على الشارع وقيادته .

تبقى كتلة “العمل الوطني” بنوابها السبعة المحسوبين على التيار الليبرالي والعلماني هم “رمانة الميزان” والقادرون على تغيير المعادلة تماماً وقلب الطاولة إذا اصطفوا إلى جانب أي من الفريقين، لذلك جرت محاولات شد وجذب مستمرين لنواب التكتل للاصطفاف إلى جوار المعارضة أو الحكومة، وهو الأمر الذي وظفته الكتلة جيداً طوال المرحلة الماضية واستطاعت أن تزيح من أمامها “ألد أعدائها” وهو نائب رئيس مجلس الوزراء وزير التنمية والإسكان السابق الشيخ أحمد الفهد، بتأييد من كتلتي “الشعبي والتنمية والإصلاح” وبمباركة حكومية غير معلنة .

وفي لعب الشد والجذب، تخرج الحكومة الممسكة بخيوط كثيرة وفق متطلبات المرحلة، فلديها أغلبية نيابية كافية لتمرير ما تريده من مشاريع قوانين، وهى نفسها الأغلبية التي تتولى الدفاع عنها علناً عبر التصريحات الصحافية، وهي التي تحبط أي طلب لسحب الثقة من أي وزير، أو “عدم التعاون” مع رئيس مجلس الوزراء، لكن تبقى معضلة تلك الأغلبية في أمرين . . الأول: إن معظمهم لا يملك “الكاريزما” أو التاريخ والشعبية التي يملكها نواب المعارضة والقادرون على حشد الشارع وفرض أجندتهم، الثاني: إن معظمهم طالتهم شبهة “الرشوة” التي باتت معروفة إعلامياً باسم “الإيداعات المليونية” وهو ما أثر كثيراً في شعبيتهم وسط قواعدهم الانتخابية، وبات سقوطهم في حال إعادة ترشحهم أمراً ميسراً كما تتصور المعارضة .

الحكومة لم تكتفِ بالأغلبية النيابية فقط، فلديها أدوات أخرى جاهزة للمواجهة مثل إحالة الاستجوابات إلى المحكمة الدستورية، وهو “التكتيك” الذي اتبعته في الاستجواب الأخير المقدم إلى رئيسها، وهو في الغالب “التكتيك” نفسه الذي ستلجأ إليه في حال استجوابه عن الإيداعات المليونية، كما أن لديها قنوات فضائية وصحف موالية مكنتها إلى حد كبير من كسب شعبية كبيرة والسحب من رصيد نواب المعارضة .

صراع أجندات إذاً في الكويت، أجندة معارضة مصممة على إطاحة الحكومة وحل البرلمان لإجراء انتخابات مبكرة تعيد إليها زمام الأمور، وأجندة حكومية ترى أن هذه هي فرصتها الأخيرة لإكمال البرلمان دورته وعدم إجبارها على استقالة قد لا تعيد رئيسها وبعض وزرائه إلى سدة الحكم، ما بين الأجندتين تتداخل أطراف فاعلة ومتنفذه لمصلحة أحد السيناريوهين وفق مصلحتها الخاصة .

هذه صورة مشهد جديد قديم، تضاف إليه أسبوعياً تفاصيل جديدة من الطرفين، آخرها إعلان المعارضة عن تجمع شعبي حاشد الأربعاء المقبل في ساحة الإرادة سمته “أربعاء الصمت”، قررت عدم الحديث فيه والاكتفاء بالصمت، وشجعت مجموعات شبابية موالية لها على عقد مهرجانات خطابية وندوات جماهيرية ترفع مطالبها نفسها، وأعلنت عن سلسلة من الاستجوابات تبدأ بتقديم استجواب الرئيس اليوم (الخميس)، فإن فشل فستنتقل إلى وزراء الحكومة واحداً تلو الآخر، وهددت باستجواب ثلاثة وزراء شيوخ إلى أن تسقط الحكومة .

وحاول نواب المعارضة عرقلة إقرار مشروع الحكومة لمكافحة الفساد وإقرار الذمة المالية الذي وصل إلى مجلس الأمة، وبدأت اللجنة التشريعية مناقشته بحجة عدم نصه على الأثر الرجعي لإقرار الذمة المالية . وفي ردود الأفعال النيابية، أكدت النائبة د .رولا دشتي ضرورة إقرار منظومة كاملة لمكافحة الفساد وليس إقرار قوانين فقط، وأن تكون المواد القانونية لتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد واضحة، مشيرة إلى أنها قدمت اقتراحاً بقانون بهذا الشأن، وقالت: آن الأوان لإقرار القانون وأن يكون شعار البلد مكافحة الفساد والقضاء عليه .

وحذر النائب عدنان المطوع من استغلال بعض النواب للأجواء السياسية بالداخل والخارج بالنزول إلى الشارع وإطلاق تصريحات رنانة تدغدغ المشاعر في دعايات انتخابية ترمي إلى “خربطة” الساحة السياسية وخلط الأوراق للتكسب السياسي، خاصة أن الاتهامات النيابية تلقى عشوائياً وجزافاً، وذكر أن بعض هذه التجمعات أتتها الفرصة لتنفيذ أجندتها القديمة وفتح المجال على مصراعيه للتظاهر في هذا الوقت الحرج، وأن تقديم الاستجوابات كان متوقعاً، لأن الأجندة السياسية للبعض موجهة لتقديم الاستجواب تلو الآخر لرئيس الوزراء . وقال المطوع: إن من يؤجج الشارع يتصور أنه سيحقق مكاسب عظمى بحل المجلس وتغيير الحكومة، ولا يعلم أن ذلك سيعود عليه بالضرر لأنه يشعل الفتيل ويضرب استقرار البلد .

وقال النائب صالح عاشور إن مجلس الأمة يصدر قراراته باعتماد مبدأ الأغلبية التي تحدد قبول أو رفض أي قانون أو مقترح يطرح في قاعة عبدالله السالم، وبالتالي فإن رفض قانون أو مقترح ما لعدم حصوله على موافقة الأغلبية لا يقلل من قيمة العمل النيابي، ولا يجعل من مجلس الأمة مؤسسة مختطفة كما يدعي البعض . وشدد على أن العمل البرلماني لا يستطيع أحد أن يغيّر مساره أو يختطفه أو يعطل عمله، لأنه يعتمد عملاً ممنهجاً ودستورياً .

وأشارت النائبة د . سلوى الجسار إلى أنها تعلم جيداً الأداء المتواضع لبعض أعضاء مجلس الأمة وأضافت: أما القول إن المجلس مختطف فهذا القول مستهلك، لأن العصفور أكبر من الفخ فإذا عرف السبب بطل العجب ولنتوخى الحذر لأجل الكويت، وأعلنت عزمها التقدم بطلب للمحكمة الدستورية لتفسير الحصانة البرلمانية لعضو مجلس الأمة مع بداية دور الانعقاد المقبل، كمحاولة لإيقاف الممارسات التي شهدتها الساحة مؤخراً من قبل بعض النواب الذين يفترض أن يكونوا القدوة للمجتمع، مؤكدة أن هؤلاء النواب أصبحوا يرسخون عادات ومفاهيم دخيلة على المجتمع الكويتي وتؤدي إلى هدم المفاهيم الأخلاقية الراقية بدلاً من تعزيزها .

من جانبها قالت مقررة لجنة الشؤون التشريعية النائبة د .معصومة المبارك: إن رفض بعض النواب للقوانين الحكومية لمكافحة الفساد لا يعدو كونه “كلام في كلام”، وشككت في اطلاع بعضهم على المشروع الذي أقره مجلس الوزراء، وأضافت: إن اللجنة تتعامل مع الموضوع وفق الإجراءات المتبعة وبعيداً عن “الشوشرة” والأمر متروك لهذه اللجنة التي وضع المجلس ثقته بها لدراسة المشروعات والقوانين ثم رفع تقاريرها إلى المجلس ليصدر قرار الأغلبية .

آراء

وعبر سياسيون ومحامون في تصريحات متفرقة ل “الخليج” عن بالغ أسفهم لتردي أداء الحكومة، ولتهييج النواب ومطالباتهم بالنزول إلى الشارع، على الرغم من وجود مجلس الأمة، داعين إياهم إلى ممارسة دورهم في البرلمان بالعمل على إقرار القوانين، ورأوا أن المعارضة في الكويت هي “معارضة لأجل المعارضة”، متسائلين: “هل قدمت المعارضة برامج للحل؟”، وبينوا أن حل المشكلة في إطار الفهم الواقعي لخصوصية العمل السياسي الموجود في الكويت بعيداً عن “استنساخ” ما يحدث في العديد من الدول العربية، مؤكدين أن الحوار المسؤول وتطبيق القانون أسلم شيء للخروج من هذه المحن .

* قال المحلل السياسي الدكتور عبدالواحد الخلفان: “نتابع حديث الإعلام عن تجمعات ساحة الإرادة”، وتساءل: “لماذا نحاول اللجوء إلى الشارع، فما سيحدث خلال هذه التجمعات هو أن العدد لن يختلف عن سابقه، ولن يحدث غير الذي حدث في المرات السابقة، فهو مهرجان خطابي سيتحدث فيه عدد من النواب، وأعتقد أن هناك من يريد إيصال رسالة معينة عن طريق استخدام ضغط الشارع” .

وتابع: “نحن في الكويت لم نمر بحالة من الصخب والاضطراب السياسي من قبل، كما الحالة اليوم، خاصة مع ظهور قضية الإيداعات المليونية”، متسائلاً: هل أصبح مجلس الأمة بوابة للتنفيع أم لا؟ فعلى طول التاريخ يؤكد أن هناك مجموعة في المجلس دخلوا فقراء وخرجوا أغنياء عن طريق الحصول على مناقصات وإسقاط مخالفات على الشركات الكبيرة والحصول على مناصب قيادية وتمرير المعاملات المخالفة، فليست الرشوة مالية فقط، ولا يصح أن يكون مجلس الأمة مكاناً للفساد والرشوة .

وأضاف الخلفان: “نعم، نحن مثلهم نريد معرفة الحقيقة، ولكن وفق الأطر القانونية، فالمعارضة عندنا في الكويت هي معارضة لأجل المعارضة، فهل قدمت المعارضة برامج للحل؟ مع الأسف الشديد الكل يبحثون فقط عن كيفية إسقاط رئيس مجلس الوزراء، فبعض النواب خلال دور الانعقاد الماضي ذهب إلى الشارع من أجل الصراخ والمطالبة بمناقشة قانون مكافحة الفساد، لكنهم لم يحضروا حتى اجتماعات اللجنة التشريعية، ماذا يعني ذلك؟

* وقال المحامي عبدالله الأيوب: يفترض أننا نعيش في دولة ذات نظام ديمقراطي، وعندنا منظومة قوانين تتبع عند حدوث مخالفة عن طريق النيابة العامة، وبعدها تأخذ المخالفات الشق القضائي في ما تقرره النيابة العامة، هذا هو الطريق الديموقراطي الصحيح، وما هو خارج هذا الطريق فهو الفوضى .

وأشار الأيوب إلى أن هناك صراعات في الوقت الحالي ولا توجد عدالة ولا مساواة، فالنواب المؤزمون هم قلة من كثرة والنظرية الديمقراطية تقول إن الرأي للأغلبية، ومادام أخذ برأي الأغلبية، فلا يجوز للأقلية أن تقوم بالهجوم والخروج على الدستور، فهذا لا يجوز في أدب الممارسة الديمقراطية .

* وقال عميد المعهد العالي للتكنولوجيا الدكتور وائل الحساوي إن النزول إلى الشارع يأتي ضمن أساليب الإثارة، وأراه أسلوباً غير حضاري قد يؤدي إلى إفساد البلد في النهاية، وهذه الأساليب ستنعكس سلباً على مستوى البلد، فاليأس والإحباط أصابا الناس، ولا حلول قريبة، وهذه الأساليب هي أحد أسباب المرض وليس العلاج .

وتابع الحساوي: إن نزول النائب إلى الشارع أكبر خطيئة، فهو عنده مجلس الأمة يستطيع أن يشرع ويقدم المقترحات والحلول للأزمات التي تعانيها البلد، وإذا لم يستطع فعليه أن يقدم استقالته، فما نشهده في هذه التجمعات من ألفاظ متدنية وركيكة في مستوى الحوار أمور لا تصح أن تخرج من نائب يعتبره الناس قدوة لهم، وكما قلت يجب أن نضع حلولاً لهذه الأمراض على وجه السرعة، فالمزايدات دائماً ما تحدث في مثل هذه التجمعات، فالحرية التي كفلها الدستور هي حرية مسؤولة لها ضوابط يجب على الجميع التقيد بها .

وبيّن الحساوي أن الشارع يغلي من الداخل، فالقضية ليست محصورة في مسألة خروج النواب إلى الشارع، فهي أصبحت أبلغ من ذلك بكثير، فنحن أمامنا قضية الإيداعات المليونية ونواب مرتشون قد نقول إن القضية مازالت في مرحلة التحقيقات، ولم يقل القضاء كلمته، لكن لا يوجد دخان من غير نار، فالقضية أبلغ من ذلك بكثير وأبعد من إثارة الشارع هي قضية فساد سياسي واجتماعي، ويجب تداركه لوضع الحلول، فنحن نحتاج إلى تشخيص لهذه الأمراض المزمنة التي نعانيها، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يسير مجلس الأمة بهذه الطريقة؟ وما أوجه الصراع التي تؤدي في النهاية إلى رشوة النواب؟ فهذه أمور تحتاج إلى تشخيص جاد ووضع حلول لها .

* من ناحيته قال المحامي يعقوب الصانع إن بعض النواب لا يستمعون لصوت العقل ويبحثون عن الإثارة أينما وجدت، فهم بطريقتهم قد تركوا بيئة خصبة لبعض الناس والناخبين الذين يعتبرون هؤلاء النواب قدوة لهم في البحث عن الإثارة، فما يحدث من النواب في الوقت الحالي أنهم تركوا ثقافة سيئة في المجتمع، فالنائب رجل دولة وله ناخبوه الذين صوتوا له، وبالتالي فهو من الممكن أن يرفع ثقافة المجتمع والعكس صحيح .

وتابع الصانع: المواطن في الوقت نفسه قد أصابه اليأس والإحباط، فالمواطن عندما يجد الحكومة غير قادرة على احتواء الموظفين، بينما النواب يبحثون عن الإثارة، فهو قد يصيبه اليأس جراء ما يحدث على الساحة من أوجاع، فالنواب صاروا يبحثون عن التكسب السياسي بكل ما أوتوا من قوة .

وأكد المحامي عادل قربان أن الاستجواب حق مطلق للنائب، كفله الدستور لطرح أي قضية يرى أنها من الأولى أن تكون مادة استجواب، وأن هذه الاجتماعات تكتيكات سياسية من بعض الكتل للوصول بالاستجواب إلى طريق النجاح، ولكن الهدف من هذا الاستجواب هو تحريك البوصلة نحو الإثارة، وإلا فلماذا يذهبون إلى استجواب رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد، رغم أنه كان الأولى بهم استجواب الوزير المختص وهو وزير المالية، فهدفهم الأسمى إذاً هو تحريك البوصلة نحو الإثارة، ونحو رئيس الحكومة، وهدفهم من هذا الاستجواب إحداث ضجة وبلبلة وإثارة نحن في غنى عنها .


نقلا عن الخليج