مشاهدة النسخة كاملة : الأسرى يتحدّون الاحتلال من وراء القضبان ... { رائد لافي}


ام خديجة
10-14-2011, 11:05 AM
الأسرى يتحدّون الاحتلال من وراء القضبان

غزة - رائد لافي:

الأسير المناضل من أجل الحرية يستطيع الغناء، ويغني باستمرار من داخل الزنزانة وخلف القضبان، يغني للأم والحبيبة، للابن والأب، للفجر والبحر، لفلسطين والشعب . الجلاد لا يستطيع الغناء أبداً، فقط يصرخ ويشتم ويزمجر ويضرب ويحطم، يغلق الأبواب، يضع القيود، يطفئ الأنوار، يمنع الغناء . الأسير يحلم بالحرية، بالفجر والربيع، بفلسطين حرة من دون احتلال ومعسكرات وجدران ومعتقلات، بفلسطين مفتوحة لكل شعوب الأرض . السجان يحلم بالكوابيس، بالقتل والدمار والحرائق والبراكين، بالموت والاعتقال والزنازين . و(الغيتو) . الأسير يحب، يحب كل إنسان لا يقتل ولا يعتدي ولا يقمع ولا ينهب ولا يضطهد . الجلاد لا يحب ولا يستطيع الحب ولا يثق بالناس ولا يأمن لهم . “الأسير الذي يغني ويحلم بالحرية أقوى من الجلاد الذي لا يستطيع الغناء ويحلم فقط بالكوابيس”، قول مأثور للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش .

إن المناضلين من أجل الحرية يتفوقون على الجلادين معنوياً وإنسانياً رغم إجراءات التنكيل والتعذيب والترهيب التي يتعرضون لها . سلطات الاحتلال تخشى هؤلاء الأبطال، فتعلن حرباً مفتوحة عليهم . تعتقد أنها إذا استطاعت إذلالهم وقهرهم وإسكاتهم فإنها ستهزم الشعب الفلسطيني برمته .

بعد إخفاقها في قمع الانتفاضة الأولى (1987-1993) رغم استخدامها كل أدوات القمع، اعتقلت الآلاف المؤلفة من الشباب والمناضلين والشابات ما يفوق سعة معتقلاتها أضعافاً مضاعفة . وبدأت المعركة الأهم داخل السجون، وكانت النتيجة أبلغ وأهم، صمد الأسرى البواسل وقدموا نموذجاً في حرب الإرادات لا يقل أهمية عن حرب الإرادات خارج السجن . إن إخفاق دوائر الأمن داخل السجون دفع المستوى السياسي “الإسرائيلي” للبحث عن أساليب أخرى في التعامل مع انتفاضة شعب وإرادة مناضليه الشجعان، بدأ بالتفاوض السياسي مع المعتقلين تمهيداً للتفاوض خارج المعتقلات .

الآن، وفي سياق التنكّر “الإسرائيلي” للحقوق الوطنية الفلسطينية، فتحت مصلحة السجون “الإسرائيلية” معركة كسر إرادة الأسرى عبر سلسلة من الإجراءات الفاشية والقوانين المستحدثة، وأبرزها قانون شاليت (نسبة للجندي “الإسرائيلي” جلعاد شاليت الأسير في غزة منذ خمسة أعوام)، وهي قوانين تتناقض مع المواثيق الدولية .

الأسرى في مواجهة العنصرية

يقول الباحث والكاتب الصحفي مهند عبد الحميد إن سلطات الاحتلال أرادت تحطيم الرموز النضالية أولاً بعزل عشرين مناضلاً ومناضلةً (بينهم قادة ونواب)، عزلاً مفتوحاً، من أجل النيل من عزيمة جميع الأسرى . وقرنت هذا الإجراء الاستفزازي الخطر، بعقوبات جماعية ضد جميع الأسرى، فقامت باقتحام الغرف وممارسة التفتيش الاستفزازي، ومنعت زيارة العائلات والمحامين، وحرمت الأسرى من متابعة تعليمهم، ومن الحصول على الصحف والكتب ومشاهدة التلفزيون، وأعادت العمل بالسجن الإداري الاعتباطي، بمعنى آخر تراجعت سلطات السجن عن كل المكتسبات التي انتزعتها الحركة الأسيرة بفعل نضالاتها وتضحياتها الطويلة . والأخطر من ذلك يكمن في محاولة سلطات الاحتلال كسر إرادة المعتقلين الوطنية والإنسانية داخل المعتقلات، كجزء من معركتها لكسر إرادة الشعب الوطنية .

إن الحكومة “الإسرائيلية” التي داست على القانون الدولي والشرعية الدولية، ومضت في معركة تهويد القدس ومضاعفة الاستيطان وسرقة الأرض وتقويض مقومات الدولة والكيان الفلسطيني المادية والمعنوية، هذه الحكومة تدوس أيضاً في الوقت نفسه على المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان أثناء الحرب والسلم، تدوس على أبسط حقوق الأسرى وتضعهم في شروط غير إنسانية، وفي ظروف تشكل تهديداً لحياتهم .

وإذا كانت الإدارة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية وضعت الحكومة “الإسرائيلية” فوق القانون، ودعمت استباحتها للشرعية والقانون الدوليين في كل ما يخص الحقوق الفلسطينية المشروعة، فلا يجوز للمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان وبحماية الشعوب أثناء الحرب والاحتلال، أن تتواطأ مع الانتهاك “الإسرائيلي” السافر لتلك المواثيق والاتفاقات الدولية . للأسف أن مستوى تدخل الهيئات ذات الاختصاص لا يزال غائباً أو غير مؤثر . ولا يتناسب مطلقاً مع مستوى الانتهاك “الإسرائيلي” .

إن الأسرى والأسيرات يخوضون معركة بطولية، بالإضراب المفتوح وبالإضراب الجزئي عن الطعام، من أجل مطالب مشروعة ومنسجمة مع كل المواثيق الدولية ذات الصلة . الأسرى الأبطال يخوضون الآن معركة حرية وكرامة شعب بأكمله . تحاول حكومة الاحتلال أن تستفرد بكتيبة الأسرى الباسلة التي تضم كل الأسرى والأسيرات من أجل قهرها وهزيمتها توطئة لقهر وهزيمة الشعب والمجتمع، من أجل أن تضعنا في سجون كبيرة اسمها “كنتونات الفصل العنصري” .

ومن المنطقي والطبيعي أن يخوض الشعب الفلسطيني بكامله معركة الأسرى، معركة الوطن والمصير . إن خسارة الأسرى ستؤدي إلى خسارة الشعب، فلا ينبغي السماح بالخسارة . الصمود وكسب هذه المعركة يستدعي تدخلاً بمستوى شجاعة وبسالة كتيبة الأسرى . ما زال مستوى التدخل أقل، ما زالت المشاركة في الفعاليات محدودة وضعيفة . والنشاط الإعلامي يراوح في النطاق المحلي، والتحركات الشبابية ما زالت رمزية . وكلما كان التدخل محدوداً، كانت خسائر الأسرى أكبر وخسائر الشعب أكبر، ومدة المعاناة أطول، ومن أجل الانخراط في هذه المعركة:

- نحتاج إلى وحدة الأسرى على مواقف وتكتيكات موحدة ومكملة لبعضها بعضاً . وبصرف النظر عن البداية والمبادرة لا يجوز خوض المعركة منفردين . لا يجوز السماح باستفراد سلطات الاحتلال بمعتقلين، وتقسيم كتيبة الأسرى غير القابلة للقسمة .

- ثمة ضرورة لفتح معركة إعلامية على أوسع نطاق، معركة تعرف العالم بواقع الأسرى وبالانتهاكات “الإسرائيلية” الفادحة .

- ولا ننسى المعركة الحقوقية التي من المفترض أن تطرح عدم اعتراف “إسرائيل” بالمعتقلين السياسيين الفلسطينيين أسرى حرب، وخروجها ببدعة الأيدي الملطخة بالدماء من طرف واحد، والمحاكمة خارج الأعراف الدولية، ورفض الإفراج عن معتقلين فلسطينيين وأردنيين حتى ضمن اتفاقات سلام، كاتفاق أوسلو واتفاق وادي عربة، المعاهدة الأردنية “الإسرائيلية” .

ولأن الاحتلال “الإسرائيلي” لفلسطين هو آخر احتلال وأسوأ احتلال، وربما أطول احتلال أيضاً، فإنه لا يوجد هناك فلسطيني واحد، أينما وجد وأياً كانت أفكاره ومعتقداته السياسية، لم يتعرض إلى انتهاك مباشر في حقوقه الشخصية والمدنية، على يد هذا الاحتلال، كما أنه -ربما- لا يسجل التاريخ احتلالاً آخر قام بقتل واعتقال كم من البشر، كما فعل الاحتلال “الإسرائيلي” .

وبلغة الأرقام، فإنها تسجّل، في سجل الاحتلال “الإسرائيلي” القائم منذ العام ،1967 أي ذلك الذي يحتل الضفة الغربية والقدس وغزة -فقط- أنه قام باعتقال قرابة ربع سكان هذه المناطق على مدار هذه السنوات، لمددٍ مختلفة، ومنذ توقيع اتفاقات “السلام” وحتى الآن، هناك نحو عشرة آلاف أسير ومعتقل، ما زالوا يقبعون وراء القضبان في سجونه ومعتقلاته التي تكاد تملأ البلاد طولاً وعرضاً .

وإذا كان هذا الكم الهائل من الاعتقال دليلاً في أحد جوانبه على المقاومة المستمرة من قبل الفلسطينيين، فإن بقاء هذا العدد الكبير من الأسرى في سجونه دليل آخر على عبثية ذلك الشكل من التفاوض، الذي استمر معه منذ توقيع اتفاقات أوسلو، والتي يريد “الإسرائيليون” استمرارها بالطريقة نفسها وتؤيدهم في ذلك الولايات المتحدة، حين يدّعي “الإسرائيليون” والأمريكيون بأن المفاوضات الثنائية هي الشكل الوحيد للحل، ويتعللون بها لقطع الطريق على المحاولات الفلسطينية السياسية للانعتاق .

وهؤلاء الأسرى والمعتقلون، هم جميعاً معتقلون لأسباب سياسية بحتة وعلى خلفية مقاومتهم لاحتلال غير شرعي في كل الأعراف الإنسانية، وربما كان مئات منهم من لهم علاقة بسقوط ضحايا، لكن من المؤكد أن غالبيتهم الساحقة، ليست لها علاقة بذلك، وبالتالي فإن أبسط مستويات العدالة، لا تقتضي الاستمرار في أسرهم واعتقالهم كل هذه السنين، بسبب ممارستهم حقهم الإنساني في المقاومة المشروعة للاحتلال .

ويرى الكاتب الصحفي رجب أبو سرية أن قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين فضلاً عن كونها تمس عشرات آلاف البيوت والأسر الفلسطينية بشكل مباشر، فإنها تمثل كلمة السر، وتمس وجدان كل الفلسطينيين، لأنها قضية حرية بالدرجة الأولى، وكل الفلسطينيين ضحايا حرية لهذا الاحتلال، لذا فإن قضية الأسرى هي قضية مركزية وقضية موحّدة للفلسطينيين، لا خلاف حولها، لا من بعيد ولا من قريب .

أما ظروف الاعتقال، بدءاً من الكيفية العشوائية والضيقة التي تتم بها، وليس مروراً فقط بالمحاكم العسكرية ذاتها، التي تستند إلى قانون احتلال غير شرعي أساساً وتتناقض مع كل الاتفاقيات والمواثيق الدولية، وتتعاكس بالذات مع اتفاقيات جنيف للتعامل مع البشر في ظل الاحتلال، فإنها من أسوأ ما يكون، لذا فإن الحركة الأسيرة، سجلت على مدار العقود، واحدة من مستويات المقاومة المباشرة بين الأسير والجلاّد .

ولا يجد الأسرى، بين فترة وأخرى، سوى الإضراب عن الطعام والمغامرة بالحياة ذاتها، حين تفتقر حياتهم في الأسر لأدنى مقومات الحياة، وحين يجعل منهم الاحتلال “الإسرائيلي” “رهائن” للعملية السياسية، يمارس بحقهم كل “عقده” النفسية، ويفكر في معاقبة الشعب الفلسطيني، على صموده ومقاومته، عبرهم وفيهم، ومن خلالهم .

وحين يلجأ الأسرى للدفاع عن بعض حقوقهم الإنسانية، “يثور” الجلاد ويغضب، ويلجأ إلى كل الأساليب الفاشية لقمعهم وفرض اليأس والإحباط في نفوسهم، فيقوم -كما يفعل هذه الأيام- باقتحام السجون بقواته العسكرية، ويقوم بنقل الأسرى، وتشتبك قواته معهم، فتطلق عليهم- وهم العزل من كل شيء إلاّ الإرادة- الرصاص المطاطي وقنابل الغاز السام .

كما يلجأ إلى “عزلهم” عن العالم الخارجي، حتى يشعروا بالوحدة، ويفقدوا أسباب قوتهم في مواجهته، فيمنع زيارات الأقارب والمحامين، وحتى الصليب الأحمر والمنظمات الدولية الإنسانية .

يفتح الاحتلال الآن المعركة من بوابتها المركزية -قضية الأسرى- فيما الأسرى أنفسهم الذين ملّوا حياة الأسر والاعتقال، من دون أفق في المدى المنظور بالانعتاق، يبدأون بإضرابهم معركة تحررهم، وليس لديهم سوى حياتهم ذاتها يقاتلون بها .

إن إعلان الأسرى دخولهم في إضراب مفتوح عن الطعام جاء رداً على انسداد أفق حل هذه القضية، بعد أن عجزت المفاوضات والمقاومة معاً في وضع حدّ لمعاناتهم، فخلال نحو سبعة عشر عاماً من التفاوض، لم ينغلق هذا الملف خلالها، بل إن وصوله إلى الطريق المسدود، يعني أنه ليست هناك أية بارقة أمل في أنه سيجري تبييض السجون، في المدى المنظور، على خلفية حل الصراع، كذلك فإن تعثر المفاوضات الخاصة بتبادل الأسرى، وعدم نجاح مجموعات المقاومة في أسر جنود “إسرائيليين” آخرين، بعد شاليت، كما وعدت مراراً، يدفع الآن الأسرى لأن يدقوا جدران خزانهم بأنفسهم .

الأسرى مفتاح الربيع الفلسطيني

ويقول أبو سرية: كما كان الأسرى كوكبة الكفاح من أجل الحرية، وكما كانوا كتيبة الحرية المتقدمة على مدار العقود الماضية، وحيث كان الأسرى الموجودون حالياً في السجون “الإسرائيلية” ضحايا المواجهة الأخيرة، بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين”، التي اندلعت منذ العام ،2000 فإن انتفاضتهم الآن، هي مفتاح الربيع الفلسطيني، من دون مجاز في اللغة، وربما تكون رداً على “تقاعس” الفصائل التي تتذرع بالخلافات السياسية الداخلية، وتتأثر بها، في إطلاق المقاومة الشعبية السلمية، التي ستضع حداً نهائياً للاحتلال، ففي معركة الدفاع عن الأسرى، وإسنادهم شعبياً، يتوحد جميع الفلسطينيين في الشارع وفي الموقف السياسي .

الفلسطينيون مدعوون جميعاً للخروج إلى الشوارع والميادين العامة، دفاعاً عن أسرى الحرية، ومدعوون لتنظيم صفوفهم وفق المنطق الإنساني بتشكيل جماعات الكفاح عن الحقوق المدنية والإنسانية، ذلك لأن الاحتلال مسّ هذه الحقوق مباشرة، والاحتلال ليس شعاراً ولا مجازاً لغوياً .

يمكن تشكيل مجموعات الدفاع عن الأسرى، مجموعات لإزالة الحواجز، مجموعات مكافحة جدار الفصل، مجموعات الحق في التعليم والتنقل والسفر، وما إلى ذلك .

كما أنه لا بد من رفع سقف الشروط الفلسطينية للتفاوض، فلا تقتصر على وقف الاستيطان وعلى الإقرار بحدود العام 1967 كمرجعية لها، وعلى تحديد سقف زمني، بل على “تبييض” السجون “الإسرائيلية” أيضاً وإطلاق سراح أسرى الحرب، حتى يحل السلام الممكن، لكن دون ذلك ثورة شعبية، لا بد منها، أياً يكن اسمها، لكنها ستكون مع الفلسطينيين على موعد مع الحرية التي طال انتظارها، والتي لابد أن تشمل كل الفلسطينيين، وأن تضع حداً لمعاناتهم على كافة المستويات والصعد .

نقلا عن الخليج