مشاهدة النسخة كاملة : حكاية القسام يرويها شاليط! (كمال جابر)


أبوسمية
10-13-2011, 08:13 PM
حكاية القسام يرويها شاليط! (كمال جابر)

حكاية المجد التليد هذه لم تبدأ بإلقاء القبض على الجندي شاليط من قلب دبابته التي تحصن بها، ولن تنتهي قطعا بإطلاقه عبر صفقة مشرفة كهذه التي تم الحديث عنها الليلة، ولا تقتصر فصولها على عملية الأسر المجردة وإنما تتسع دلالاتها لتفسح المجال للعين بالإطلال على مساحات واسعة تحتدم فيها معركة طاحنة لا سلاح فيها ولا دماء، إنها معركة كي الوعي للاحتلال الذي اعتاد على الغطرسة والتيه، وعدم التسليم في أن رجال القسام قادرون على وضع أياديهم مباشرة في صلب الصراع.
إن الحدث المتعلق بشاليط بدءا بأسره، ومرورا بالقدرة على الاحتفاظ به خمسة أعوام ونيف، ومن ثم إطلاقه عبر اتفاق مبادلة، لهو قادر على تجلية جملة من الحقائق، وإزاحة الركام عن الكثير من المسلمات، وهذا ما يهمنا في المقام الأول، فلئن تأسر جنديا في جيش الاحتلال على صعوبته ربما كان أسهل من الاحتفاظ به حيا في مساحة ضيقة ومحاصرة برا وجوا وبحرا، كما أن الإرادة المبيتة لتنفيذ الأسر هي محاولة جادة للشب عن الطوق، واجتياز الخطوط الحمر، وتخطي منطق العجز والإستكانة.
أقصد طوق السطوة، واستشعار العظمة التي يميز سلوك المحتل بينما يتعامل مع شعبنا المكلوم، فما يفرضه من حصار صارم على غزة وتغول غير مسبوق لالتهام الأرض في الضفة، لا سيما في القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك، يعكس شعوره بالهيمنة من جهة وخوفه على تبددها من جهة اخرى،، إنه يعيش حالة الشعور بالتفوق، والإحساس بالجدارة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في الأذهان، يعززها بثقافة الاستعلاء المستحكمة في خيالاته ووجدانه، فمثل هذه الحالة لا تصلح مناطحتها إلا بالطريقة التي تفهمها وتشفي وساوسها، فأرطبون صهيون يجب أن يقابله أرطبون القسام.
وعندما يحاول المحتل أن يؤكد هيمنته وتفوقه، يتوجب حينها تلقينه الدرس العملي بقدرتنا على المس بمقومات هذه الهيمنة وأساسات هذا التفوق، وهكذا يكون الرد المباشر على محاولات الاحتلال إملاء حضورة الطاغي، والتأكيد على هيمنته في كل اتجاه، هذا هو قانون الصراع، وهذه هي قواعد المواجهة، وبمثل عملية شاليط أسرا واحتفاظا وإطلاقا يتم إجبار هذا المحتل على إعادة التفكير في مقومات هيمنته وتفوقه وأحقية شعوره بالتفرد والاستعلاء.
لقد وقع شاليط في الأسر، أثناء عملية عسكرية معقدة الإعداد والتنفيذ، وهي المرة الأولى التي يقع فيها عسكري صهيوني في قبضة المقاومة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية كنتيجة للاشتباك المباشر، لقد توقع الكثيرون من بني جلدتنا بل راهنوا وتمنوا خلاص شاليط دون أن تجني المقاومة مكاسب مقابلة، وفي ذات الوقت فقد أكد الصهاينة العزم على إطلاق أسيرهم دون ثمن يدفعوه، والمغزى الذي دفع هذين الطرفان للالتقاء على ذات الهدف، هو عدم الرغبة بتسجيل سابقة سيكون لها ما بعدها، إذ أن سابقة كهذه لكفيلة بجب الكثير من المسالك، وخليقة بإهالة التراب على برامج بعينها بعد أن أرتهنت لها جهات، وربطت مصيرها بها جماعات.
لذلك فقد رأينا جهودا تُبذل واقتراحات تُقدم لإطلاق شاليط دون مقابل وكان آخرها قبل أيام وعلى لسان رئيس السلطة وتحت لافتة حسن النوايا، وهل يعقل في منطق السياسة أن يتم التضحية بمكاسب إستراتيجية من أجل إبداء حسن النية تجاه عدو لا يعترف بنا أصلا ولا بحقوقنا ؟ أم أن حسابات الربح والخسارة يجب أن تُعتمد دائما من خلال النافذة الفصائلية الضيقة ؟ لا شك أن ما يخيف الصهاينة في واقع الأمر عند إنجاز صفقة كهذه،لا يتوقف في المقام الأول على إطلاق مئات السجناء الأبطال من ذوي الأحكام العالية -وإن شابه الأمر تجرع العلقم بالنسبة للمحتلين- وإنما مرد ذلك بشكل أساس لاختراق قواعد اللعبة،في ذات اللحظة التي يتم فيها توقيع إتفاق التبادل.
تلك القواعد التي تحكم علاقة الاحتلال بالأطراف المحلية الفلسطينية، بل والإقليمية والدولية، إن أحسن الجميع استيعاب واستثمار مثل هكذا تحول، ومن أدرى من الاحتلال ذاته بمعاني هذا الكسر وتداعياته المحتملة، وهل يغيب عنه حقا مثل هذا المغزى الذي لا يدركه الكثير من سياسيينا ومقدمينا.
ألا يعني قبول الاحتلال بصفقة التبادل وبالطريقة التي أرادتها حماس منذ اللحظة الاولى، إقرارا بفشل كل إجراءات المساومة والحصار والخنق والتضييق وحرب الإبادة التي اتخذتها في مواجهتها؟، وإذا كان الأمر كذلك ألا يعني ذلك أن دولة الاحتلال باتت ناضجة الوعي كي تتقبل أن فكرة التغيير ستجري عليها هي هذه المرة؟ ألم أقل إن شاليط كان عنوانا مختلفا، لأن حالته مثلت مفارقة فريدة ينبغي التوقف عندها مليا في أبعادها السياسية والأمنية والمخابراتية.
صحيح أنه كان لجلعاد أصدقاء كثر سبقوه على ذات الدرب وخاضوا تجربة مماثلة بين يدي القسام، فهذا آفي ساسبورتس وذاك إيلان سعدون، ونسيم توليدانو ويرون حن وشارون أدري وغيرهم الكثير حاول كل منهم أن يحوز قصب السبق بتجسيل فصول حكاية القسام، ولكن شاليط كان الأوفر حظا كي يروي هذه الحكاية الرائعة، فبورك القسام، وهنيئا للأسرى الأبطال، وكل عام وشاليط جديد.

نقلا عن المركز الفلسطني