مشاهدة النسخة كاملة : العراق في انتظار زفاف لايعلم إلا الله نتيجته


أبوسمية
03-10-2010, 02:49 AM
ليس ثمة شك بأن الانتخابات العراقية الأخيرة دشّنت بالفعل ولادة ثقافة سياسية جديدة في البلاد.



قد لاتكون هذه هي نفسها الثقافة الديمقراطية (لأنه يمكن إجراء انتخابات من دون ديمقراطية)، لكنها على الأقل ثقافة مُنفتحة على الديمقراطية ومُتقبّلة لبعض شروطها.



فأن يكون هناك 86 كياناً سياسياً متنافساً، ومعهم 6529 مرشحاً، يتقدمون ببرامج سياسية واقتصادية ويخطبون ود كل عراقي وعراقية، فهذا أمر مستجد في تاريخ العراق الحديث الذي لم يعرف طيلة سنواته السبعين الماضية سوى الملوك مطلقي الصلاحيات، أو المستبدين غير العادلين، أو الحزب الواحد القائد للدولة والمجتمع. هذا علاوة على الحروب الخارجية والأهلية المُتّصلة، والانقسامات المذهبية والإثنية.



وإذا لم يجر التشكيك بنتائج الانتخابات، أو تبرز اتهامات عن تزوير واسع النطاق، فإن المجال سيكون مفتوحاً أمام انتقال العراق من الكرنفال الانتخابي إلى السياسات الديمقراطية.



نقول المجال سيكون مفتوحاً وليس حتمياً، لأن الديمقراطية في العراق لاتزال تفتقد إلى أمرين أساسيين لا غنى عنهما: سياسيين ديمقراطيين حقيقيين يضعون المصالح العليا للدولة فوق “الغنائم” الدنيا للطائفة أو القبيلة، وإلى رواية وطنية عراقية واحدة وموحّدة تقود إلى هوية وطنية واحدة وموحّدة.



مرحلة ما بعد الانتخابات ستكون مقياساً مهماً لمدى إمكان تبلور هذين العاملين، أو على الأقل التحرّك باتجاههما. فإذا ما غرقت البلاد بعد الانتخابات بصراعات لا تنتهي بين السياسيين حول المناصب والمنافع والمواقع في الحكومة الجديدة، واستغرق هذا الأمر وقتاً طويلاً، فإن العواقب ستكون وخيمة على الجميع.



وبالمثل، إذا لم تؤد النتائج إلى إدارة الظهر نهائياً للسياسات الطائفية والمذهبية لصالح العمل الوطني المشترك، فالعواقب ستكون أشد مضاضة.



بكلمات أوضح: الثقافة السياسية الجديدة، على رغم إيجابياتها، أشبه بأنبوب مفتوح من طرفيه. ففي الطرف الأول تبرز فرص المزيد من التفتح الديمقراطي وبناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية وحديثة. وفي الطرف الثاني تكمن احتمالات تواصل الشلل الحكومي والبرلماني والانهيارات السياسية وحتى الحروب الأهلية.



ثم هناك بالطبع الصراعات الإقليمية والدولية على مستقبل العراق. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، ستمارس “حق الفيتو” على أي حكومة عراقية جديدة ترى أنها لن تخدم تماماً مصالحها النفطية والاستراتيجية، خاصة بعد سحب 50 ألفاً من قواتها المقاتلة في نهاية هذا الصيف. وإيران، وبسبب توقعها تشديد الحصار الاقتصادي والدبلوماسي عليها خلال هذا العام، ستكون حريصة كل الحرص على تحصين نفوذها في بلاد الرافدين. وقل الأمر نفسه عن سوريا وتركيا.



وهذا يعني أن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة سيكون في الواقع مشروعاً “أممياً” قد يتخطى بكثير الوقائع السياسية العراقية البحتة، ما سيضيف إلى تعقيد السياسات العراقية في شأن تشكيل الحكومة التي يُرجّح أن تكون ائتلافية، عقد الصراعات الإقليمية والدولية.



هل ثمة مخرج من هذه المعمعة اللجوج؟



أجل. لكنه مخرج يتيم: الانتقال بالديمقراطية العراقية الوليدة من مرحلة الانفتاح والانتخابات (أو بالأحرى من واجهة العمارة الديمقراطية) إلى مرحلة التثبيت ( أي بناء العمارة نفسها).



كيف؟ عبر تزويج المؤسسات الحديثة وحكم القانون وقوانين من أين لك هذا، إلى الرواية الوطنية العراقية الموحّدة والمشتركة.



وحده مثل هذا الزفاف السعيد قادر على استيلاد عراق حديث، وعلى تحويل الثقافة السياسية الوليدة إلى نمط حياة ديمقراطي جديد.






نقلا عن الخليج الاماراتية