مشاهدة النسخة كاملة : لماذا تُستهدف إيران؟


ام خديجة
03-09-2010, 05:14 AM
لماذا تُستهدف إيران؟
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2010/3/4/1_975695_1_34.jpg


إذا تحررنا من أنماط التفسير التآمري الخرافي للأحداث الذي يسيطر – وا أسفاه- على قطاع غير قليل من الساحة الإسلامية في موضوع إيران وغيره، والذي هو شبيه بالتفسير الباطني لنصوص الدين، في إعراض عن الوقائع الصارخة، تماما كما يفعل أصحاب التفسير الباطني إذ يعرضون عن المدلولات اللغوية الصريحة للنصوص، باحثين عما وراءها من معان بديلة ومناقضة بالكامل لظواهرها الصارخة.. فليس أمامنا غير الإقرار بما ينطق به كل شيء من أن نظام الجمهورية في إيران مستهدف بالتفكيك والتدمير.http://www.aljazeera.net/KNOWLEDGEGATE/KEngine/imgs/top-page.gif (http://www.aljazeera.net/NR/exeres/F860D9F2-845E-4EF9-A8BF-B800F88C8EF5.htm#)
"
ليس أمامنا غير الإقرار بما ينطق به كل شيء من أن نظام الجمهورية في إيران مستهدف بالتفكيك والتدمير, وذلك عبر خطط تبدأ ككل الحروب الغربية بالحملات الإعلامية التشويهية للوصول بالأمر إلى فرض الحصار
"وذلك عبر خطط تبدأ ككل الحروب الغربية بالحملات الإعلامية التشويهية للنظام المستهدف لإظهاره في مظهر الخطر الماحق الثابت المهدد للسلام وللأمن!! حتى لكأنه مصدر كل بلاء في العالم، للوصول به في طور ثان إلى فرض حصار عليه يبدأ عادة محدودا ثم تشتد قبضته في محاولة لإرضاخ المستهدف وفرض الاستسلام عليه أو تفجير بنيته الداخلية من خلال تشديد الضغط والحصار والنفخ في كير المعارضين وتفجير كل التناقضات الداخلية، فإن صمد المستهدف وتماسكت بنيته الداخلية فلم تنفجر، لم يبق غير تحيّن الفرص والتربّص به وإعداد العدة لإنزال أعتى الضربات التدميرية به، فإذا استسلم تولوا وضع أيديهم على مقدّراته مفككين بنيانه تفكيكا، سبيلا لإعادة البناء على أعينهم، بما يقلب قيمه وشرائعه وثقافته وقوانينه رأسا على عقب، ويكسر شوكته وكرامته بتدنيس أرضه بالقواعد العسكرية الأجنبية .. كما فعلوا بدولة الألمان واليابان والعراق، إثر انهزام جيوشها.
كل المؤشرات دالة اليوم على أن القوى الغربية بزعامة الولايات المتحدة هي مع إيران في مرحلة متقدمة من استهدافها بالتطويع عبر آليتيْ الضغط والحصار والحملات الإعلامية، وصولا إلى التفجير الداخلي أو الحرب المدمرة، وكأنهم معها في سباق مع الزمن، وهذه التعبئة الإعلامية والدبلوماسية والسياسية والثقافية ليست سوى المقدمات التي غدت مألوفة من قبل كل المتابعين للسياسات الغربية في المنطقة، إنها التمهيد المكرور لحروب الغرب على من وُضعوا موضع العداء والاستهداف باعتبارهم الخطر الذي تجب مواجهته بالحرب الباردة (الحصار والدعاية والاختراق)، فإن لم يجد ذلك في إخضاع العدو كانت الحلول العسكرية.. وهو ما فعلوه مع العراق. والسؤال هنا: لماذا هي إيران مستهدفة من قبل قوى الهيمنة؟
1- أما كون نظام الجمهورية مستهدفا من قبل قوى الهيمنة وفي طليعتها الولايات المتحدة وكلب حراستها الإسرائيلي، فذاك أمر واقع تشهد عليه سياسات الحصار والمقاطعة الاقتصادية وغيرها التي فرضوها على نظام الجمهورية منذ قيامه، كما شهدت وتشهد عليه التعبئة العسكرية الهائلة التي بلغت حد قيام البنتاغون بغارة جوية في صحراء طبس خلال السنوات الأولى للثورة وتولت عناية الله إفشالها، لتتعدد بعدها وقائع الاستهداف العسكري، وظل التحشيد العسكري حول إيران في تصاعد لم يفتر، مستخدما شتى التسهيلات وضروب التواطؤ التي يجدها في النظام الإقليمي.
ولم يتأخر التحريض الإعلامي الغربي عن أداء وظيفته في تشويه صورة نظام الجمهورية وربطه بالإرهاب واستعداء العالم ضده، والعمل الدؤوب على خلخلة بنيانه المجتمعي، مستغلا ما يتوفر عليه من ثغرات وحتى مظالم، لا يكاد يخلو منها نظام. لقد حرضوا شعوب إيران بعضها على بعض إلى حد الدفع إلى التمرد المسلح، بإمداد المتمردين بالسلاح والتغطية الإعلامية، التي تمتعت بها كل جماعة معارضة للنظام ورموزه، حتى الجماعات الوطنية المستقلة لم يبخلوا عليها بالدعم الإعلامي من أجل هزّ الاستقرار في البلد وفتح ثغرات في بنيانه.. وكل ذلك لا يدع مجالا للشك لدى كل "من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" في أن نظام الجمهورية الإسلامية مستهدف بالتفكيك والتدمير من قبل قوى الهيمنة الدولية، وذلك بصرف النظر عن أخطاء هنا أو هناك أتاها هذا النظام مما يطالب بمعالجته بعض الإصلاحيين، وقد يعترف بها حتى رموز النظام ويشجبونها، من تجاوز لبعض السلطات الأمنية على حقوق بعض المعارضين، إلى حد القتل والتعذيب، إلا أن التنديد الخارجي بتلك الاعتداءات ليس باعثه غالبا إصلاحيا، وإلا فإن في نظام الجمهورية كما في كل نظام بشري الكثير مما يستحق ويجب إصلاحه.
2- فما بواعث هذا الاستهداف الثابت ضد نظام الجمهورية، الاستهداف الذي لم يتغير بتغيير الأحزاب الحاكمة في الغرب من يمين إلى يسار، ولا بتداول السلطة في إيران بين إصلاحي ومحافظ؟
أ- حرص نظام الجمهورية الذي أرساه الإمام الخميني -رحمه الله- على القرار المستقل عن قوى الهيمنة الدولية، تجسيدا للشعار الذي رفعه "لا شرقية ولا غربية"، وهو القرار الذي جسده بدءا بنظام الجمهورية الإسلامية الذي تم إقراره في استفتاء عام منذ الأيام الأولى للثورة، والذي أخرج إلى الوجود نظاما متميزا عن كل نظام قائم في العالم، قد جمع بين قيم الإسلام كما يترجمها بخاصة فقه آل البيت عليهم السلام، متفاعلة مع تراث الحداثة السياسية المعاصرة، بناء على أصل "الاقتباس" مما هو نافع من حكمة الأمم الأخرى ويتساوق مع تعاليم الإسلام ومقاصده، وهو الأصل الذي أقره زعماء الإصلاح الإسلامي على اختلاف مدارسهم.
كما قد تمت ترجمة مبدأ القرار الشعبي المستقل في نظام الجمهورية في السياسات التربوية والثقافية والتشريعية، وفي المواقف الدولية التي انتهجها نظام الجمهورية بصرف النظر عن مدى الصواب والخطأ فيها، ولكنها كانت في الجملة تعبر عن إرادة شعبية مستقلة واسعة تترجمها انتخابات دورية منتظمة حققت تناوبا للسلطة في انتخابات تعددية نسبية قلّ أن تعرضت للتشكيك من قبل الخاسرين، الأمر الذي منيت معه بالفشل حتى الآن كل محاولات زعزعة النظام من قبل القوى الدولية والإقليمية المستهدفة له.
هذا القرار الشعبي المستقل يعتبر عملة نادرة في دول الإقليم لدرجة أن صرح مسؤول سياسي كبير بأن الرئيس المستقبلي لبلاده يجب أن يحظى برضا أميركي وعدم اعتراض إسرائيلي، ولا تسل عن قرارات أقل أهمية أو أكثر.
ب- التنمية المستقلة: حرص نظام الجمهورية على تجسيد قراره المستقل في مجال التنمية التقنية، بالعمل الدؤوب على تطوير مجال معرفي وتقني حديث قمين بتوفير كل احتياجات دولة عظمى حديثة اقتصاديا وثقافيا وعسكريا، ولقد عزز هذه السياسة ما تعرض له نظام الجمهورية منذ مولده من حصار واستهداف من قبل الولايات المتحدة وحليفها الصهيوني المدلل والدول الدائرة في الفلك، الاستهداف الذي تجاوز الحصار الخانق إلى التهديد المستمر بالاجتياح العسكري.http://www.aljazeera.net/KNOWLEDGEGATE/KEngine/imgs/top-page.gif (http://www.aljazeera.net/NR/exeres/F860D9F2-845E-4EF9-A8BF-B800F88C8EF5.htm#)
"
لا يزال نظام الجمهورية الإيرانية وكأنه في سباق مع الزمن، دائبا على تطوير دفاعاته، يبادل أعداءه التهديد بالرد القاصم، تاركا باستمرار للصلح مكانا، على أساس الاحترام المتبادل والاعتراف بدوره ومكانه في المنطقة
"ولا يزال نظام الجمهورية وكأنه في سباق مع الزمن، دائبا على تطوير دفاعاته، يبادل أعداءه التهديد بالرد القاصم، تاركا باستمرار للصلح مكانا، على أساس الاحترام المتبادل والاعتراف بدوره ومكانه في المنطقة والعالم ومن موقع الندية وليس التبعية، منطلقا من مبدأ أساسي في علوم السياسة: أنه لا سياسة لا تعززها القوة، إذ الحرب ذاتها هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، كما يقال.
وكان من ذلك حرص نظام الجمهورية على تطوير وامتلاك تقنية الطاقة النووية، وهي الطاقة الأهم في العصر إن في مستوى الاستخدام المدني الذي تؤكد إيران حاجتها إليه ويسمح به القانون الدولي، ومع ذلك تصر قوى الهيمنة على حرمانها منه، أو في المستوى العسكري الذي تؤكد إيران أنه ليس من أهدافها، فاتحة منشآتها للتفتيش الدولي الظالم المتحيز الدائب على إشاعة الشبهات حول برنامجها النووي واستخداماته العسكرية!!، بينما توصد عدوة إيران والمسلمين إسرائيل الباب في وجه كل تفتيش دولي لمخزونها النووي المدمر، دون أن تتعرض لأي مساءلة غربية، وهو كاف في منطق العدل والمساواة بين الدول، ليس فقط لتشريع حق إيران وكل دول المنطقة في السعي لامتلاك القوة النووية بكل استعمالاتها، بل يوجب عليها ذلك حماية لأمنها القومي بردع هذا الصائل المتربص المتلمظ للسيطرة والتوسع عبر الغزو والتهديد به.
والحقيقة أن تاريخ سياسات الغرب إزاء تجارب أمتنا التنموية يؤكد أن استهداف إيران هو جزء من سياسة غربية ثابتة لكل مشروع تنموي عربي أو إسلامي مستقل بصرف النظر عن مذهب أو إيدولوجية القائم عليه: وطنيا كان مثل المشروع التنموي للمصري محمد علي في القرن التاسع عشر، أو قوميا مثل مشروع عبد الناصر أو مشروع صدام حسين، أو وطنيا إيرانيا مثل مشروع محمد مصدق أو شيعيا مثل مشروع الخميني.. هذه تفاصيل لا تهم المخطط الغربي الذي يركز نظره على أمة -هي أمة الإسلام- محظور عليها أي تطوير ناجح لتجربة نمو مستقل عن المركز الغربي، وذلك بصرف النظر عن إيدولوجية الفريق الذي يتولى تطوير تلك التجربة.
هذه تفاصيل يقف عندها أصحاب النظر القصير والحسير وليس صانع السياسات الغربية الذي يبسط على طاولته خريطة عالم الإسلام والباقي تفاصيل، تجربة باكستان التي أفلتت في ظروف الحرب الباردة بسرقة النار المقدسة هي اليوم مستهدفة بالتدمير، الكيان الباكستاني ذاته مهدد بالتفكيك، بسبب نجاحه في سرقة النار المقدسة.
ج- دعم نظام الجمهورية للمقاومة الفلسطينية: ذلك الدعم الذي جاء منذ الأيام الأولى واستمر رغم كل الضغوط للتخلي عنه، جاء ترجمة لتراث الإمام الخميني المشبع في كل أطواره قبل الثورة وبعد نجاحها بالتحريض على الكيان الصهيوني ووصفه بالسرطان المزروع في قلب الأمة والذي يجب اجتثاثه، وكان ذلك التحريض من أهم الأسلحة التي شهرها الخميني في وجه نظام الشاه المقبور، معبئا الأمة الإيرانية في مواجهته رافضا كل تسويل للنفس بإمكان إصلاحه، وهو المتورط في هذه الخيانة الشنيعة بالتحالف مع الكيان السرطاني ووليه الأميركاني، ولذلك لم يتردد لحظة في طرده شر طردة منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة، مورّثا سفارته لمستحقها الفلسطيني، ممثلا في منظمة التحرير، حتى إذا وهن عظمها فأخذت تساوم على أساسيات القضية غارقة في تيه مفاوضات بلا نهاية جريا وراء السراب لم يتردد نظام الجمهورية في بذل الدعم سخيا لجماعات المقاومة للكيان الصهيوني شيعية كانت أم سنية، إسلامية كانت أم علمانية، وهو ما أكسب نظام الجمهورية شرعية أخرى في نظر الأمة حيث تحتل المسألة الفلسطينية المركز بين كل قضاياها، غير مبالية بالعواقب المنجرة عن ذلك باعتبار أهمية وحساسية المسألة اليهودية في الثقافة الغربية، وما يتمتع به اللوبي اليهودي من نفوذ واسع وعميق في مؤسسات القرار الغربي، وأهمية الدور الاستراتيجي الذي ينهض به في خدمة المصالح الغربية ومنها وأد كل مشروع لنهوض الأمة، بصرف النظر عن الفريق الذي يقود، فضلا عما أخذ يثيره دعم نظام الجمهورية لجماعات المقاومة في لبنان وفلسطين من مشاكل داخلية، حيث رفعت جماعات للمعارضة الإصلاحية شعار "إيران قبل غزة والضاحية"، لا سيما أن الدول العربية الأساسية أخذت تتفصّى من مسؤوليتها في تحرير فلسطين لدرجة الإسهام في محاصرة غزة وبناء الجدران الفولاذية حولها لخنقها وتمهيد استسلامها للعدو إزاء حملات في الأفق القريب، فبأي مبرر تكون إيران أحرص على تحرير فلسطين من العرب أصحاب القضية!!!؟، ذلك لسان حال معارضة إصلاحية "إسلامية" وقومية علمانية في إيران قد يممت وجهها شطر الغرب بدل القبلة، وهو ما يزيد الضغوط على نظام الجمهورية كثافة وحدة.
"
مثل اندلاع الثورة الإسلامية في إيران حدثا من أعظم وقائع التاريخ المعاصر وطورا متقدما في تاريخ جديد للأمة وللمنطقة وللعالم، يبشر بالاستقلال والتحرر من قوى الهيمنة واستعادة وحدة الأمة واستنهاض قواها الخامدة ودعم قوى المقاومة
"د- تشكيل محور الممانعة والمقاومة: لم يكتف نظام الجمهورية بدعم المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، بل عمل على تطوير وتنمية ورعاية لمحور أو لمعسكر عرف بمعسكر الممانعة والمقاومة، تشكّل من دول وجماعات سياسية وقوى مقاومة ذات توجهات مختلفة، تلتقي حول محور دعم المقاومة الفلسطينية والتصدي لخيار التطبيع والخضوع لقوى الهيمنة في المنطقة وعلى امتداد العالم، حيث لا يزال هذا المعسكر يجتذب دولا وجماعات على امتداد القارات ذات توجهات إيديولوجية متعددة، منها الإسلامي والنصراني واليساري وجماعات مناهضة العولمة والمحافظة على البيئة، وفيها حتى بعض الجماعات اليهودية المناهضة للصهيونية سواء أكانت متدينة مثل جماعة ناتوري كارتا أم كانت يسارية.
لقد كان خطاب الإمام الخميني -رحمه الله- مؤسسا لهذا المعسكر الدولي من خلال طرحه لمحور الصراع بين المستضعفين على امتداد العالم والمستكبرين، استلهاما مما ورد في الذكر الحكيم من سورة القصص "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكّن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون".
وبالجملة: لقد مثل اندلاع الثورة الإسلامية في إيران حدثا من أعظم وقائع التاريخ المعاصر وطورا متقدما في تاريخ جديد للأمة وللمنطقة وللعالم، يبشر بالاستقلال والتحرر من قوى الهيمنة واستعادة وحدة الأمة واستنهاض قواها الخامدة ودعم قوى المقاومة في فلسطين، ولكن مع صبغة مذهبية، لا ضير منها إن بقيت في حدود الاعتدال محترمة لقواعد العدل والتعدد والسماحة مع المخالف المذهبي أو السياسي، إلا أنه يُخشى من أن الإغراق فيها وتفشي نزوعات التشدد السياسي وتنامي توجهات الأغنوص والخرافة والطائفية، وتصاعد وتائر الغرور في أوساط قطاعات واسعة، والضيق بالاختلاف.. قد يمثل عائقا أو إرباكا في وجه تحقيق ما به تبشّر من تحرير ونهوض ووحدة للصف الإسلامي.
الثابت أن المستهدف في إيران هو نفس الذي استهدف غربيا في كل تجاربنا التنموية المجهضة في لحظة التفرد بها وعزلها عن شعبها وعن الأمة، الحاضن الحقيقي المضمون لكل مشروع نهضوي. فهل نسمح له بتكرار التجربة؟ قال تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا


الجزيرة نت