مشاهدة النسخة كاملة : نعم المعلم أنت يا رسول الله


أبوسمية
03-08-2010, 07:14 PM
نعم المعلم أنت يا رسول الله


احمد حلمي سيف النصر

نعم المعلم أنت يا رسول الله، فقد كنت كاملا في كل نواحيك، وأنت القائل: “إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق” فأنت خير زوج لأزواجك، وخير صديق لأصدقائك، وخير صاحب لأصحابك، وخير شريك لشركائك، وخير جار لجيرانك، وفي النهاية خير رسول لأمته .



صلى الله عليك وعلى آلك وأزواجك الطيبات الطاهرات اللاتي صحبنك في هذه الحياة الدنيا أتم صحبة فكن خير النساء، ومن أجل ذلك جعلهن الله أمهات لكل مؤمن بمنزلة الأم الرؤوم الحنون . كما كنت يا رسول الله أبا لكل مؤمن بمنزلة الوالد الرؤوف الرحيم (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهن ) .



لقد فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا يوم فارقها وهو في ثوبه الخشن، ومنزله المتواضع، وعيشه الكفاف، ولم يترك دينارا ولا درهما، وأخرجت عائشة رضي الله عنها للناس رداء وكساء غليظا فقالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين!!



فسلام الله ورحمته وبركاته عليك يا رسول الله في العالمين .



يَا خيرَ مَنْ دُفِنَتْ في القاعِ أَعْظُمُهُ



وطابَ مِنْ طيبِهِن القاعُ والأكَمُ



نفسي الفداءُ لِقَبرٍ أنتَ سَاكِنُه



فيهِ العفافُ وفيهِ الجودُ والكَرَمُ



أنتَ الشفيعُ الذي تُرجى شَفَاعَتُه



عندَ الصِراطِ إذا ما زَلتِ القَدَمُ



وَصَاحِبَاكَ فَلا أنسَاهُما أبدا



مِني السلامُ عَلَيكُمْ ما جَرى القَلَمُ



ومَا من نبيٍ إلا واخذَ اللهُ عليهِ العهدَ والميثاقَ أنْ يؤمنَ بنبيِ آخرِ الزمانِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وما من نبيٍ إلا وبلّغَ قَومَهُ “من أدرَكَ منكم محمدا صلى الله عليه وسلم فَليُؤمِنْ بِهِ وليناصِرْهُ وليؤازِرْه” .



(وإذْ أخذَ اللهُ ميثاقَ النبيين لمَا آتيتُكُم من كتابٍ وحكمةٍ ثم جاءَكُم رسولٌ مصدقٌ لما معكم لتُؤمِنُن به ولَتَنصُرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكمْ إصري قالوا أقررنا قالَ فاشهدوا وأَنَا معكم من الشاهدين) .



بعث الله نبيه بالهدى والنور، فهدى البرية وزكى البشرية، واطمأنت إليه القلوب وانشرحت به الصدور، بعثه رحمة للعالمين وقدوة للأخيار والصالحين، بعثه ليتمم من الأخلاق مكارمها، ومن المكارم أجملها، فكان صلوات ربي وسلامه عليه إمامها وهاديها، فأقسم له ربه - جل وعلا - من فوق سبع سموات أنه قد حاز أفضلها وأشرفها وأعظمها فقال جل وعلا: “وإنك لعلى خلق عظيم” .



نعم . . كان عظيما وإماما في الأخلاق، كَمُلَ أدبُهُ مع ذي العزة والجلال، فزينه وكمله بأفضل الشمائل والخصال، فهو مع ربه أكمل الناس أدبا وأشدهم خشية له وخوفا منه “إني أخشاكم لله وأتقاكم” قام في جوف الليل حتى تورمت قدماه من القيام وصام النهار فما مل ولا سَئم بل واصل الصيام . . كان دائم البِشْر طليق الوجه بالسرور، يقول جرير بن عبد الله (ما لقيت النبي إلا تبسم في وجهي ) .



سيد الأنبياء وإمام الرحماء، كان يرحم الصغير والكبير ويعطف على الجليل والحقير، قال أنس بن مالك: (ما لمست حريرا ولا ديباجا ألين من كف رسول الله ولقد صحبت رسول الله عشر سنين، ما قال لي يوما لم فعلت أو لم لم تفعل؟)



كان جوادا كريما، يُعطي الشاة والبعير وما كان في بيته صاع من شعير وما سُئل - عليه الصلاة والسلام - شيئا فقال: لا يقول عنه تلميذه حبر الأمة وترجمان القرآن القبس والنبراس عبد الله بن عباس وعن أبيه (كان النبي أجودُ بالخير من الريح المرسلة) .



حسن الخلق



على الرغم من حسن خلقه صلى الله عليه وسلم إلا أنه كان يدعو الله بأن يحسّن أخلاقه، ويتعوذ من سوء الأخلاق، وتسمعه عائشة رضي الله عنها يقول: (اللهم كما أحسنت خَلْقِي فأْحسِن خُلقي) .



ويخبرنا أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول:



( اللهُم إني أعوذ بِكَ مِنَ الشقَاقِ وَالنفَاقِ وَسُوءِ الأَخْلاَقِ)، وهو الذي تجمعت فيه محامد الأخلاق ولكنه كثير الدعاء في كل صلاة ( . . وَاهْدِنِي لأحسن الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأحسنها إلا أنت وَاصْرِفْ عَني سَيئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَني سَيئَهَا إلا أنت) .



سأله النواس بن سمعان رضي الله عنه عن البر والإثم فقال صلى الله عليه وسلم: (البر حسن الخلق، والإثم: ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: (تقوى الله وحسن الخلق)، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: (اللسان والفرج) .



وكان صلى الله عليه وسلم يقول لصحابته ولنا من بعدهم: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم)، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حَسُنَ خُلُقه)، وذكر لنا صلى الله عليه وسلم أنه ( . .ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حُسْنِ الخلق)، وروى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أحبكم إلي، وأقربَكُم مني مَجْلِسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطأون أكنافا الذين يألفون ويألفون ) .



مع الأهل والأطفال



ما عاب طعاما وُضع بين يديه، ولا سب امرأة ولا شتمها ولا ضربها ولا أهانها، كان يُكرم ولا يهين، يُعز ولا يُذل، إذا جاءت زوجته بالشراب أقسم عليها أن تشرب قبله، وإذا شربت من الإناء وضع فمه حيث وضعت فمها، وكان يؤتى له بالمرق والعظم فيه اللحم فيقسم عليها أن تنهش منه قبله فإذا نهشت منه وضع فمه حيث وضعت فمها .



لم يستثن أحدا من حسن خلقه معه حتى مع الأطفال فكان صلى الله عليه وسلم يمر بالصبيان فيسلم عليهم، وإذا سمع بكاء الصبي فيسرع في الصلاة مخافة أن تفتتن أمه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب التيسير على أمته فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم صلى الله عليه وسلم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم) .



وسع الناس بخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا فحاش، ولا عياب ولا مداح، وكان لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا في ما يرجو ثوابه، وجمع له الحلم صلى الله عليه وسلم في الصبر، فكان لا يغضبه شيء يستفزه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم باشّا لطيف المعشر متسامحا رحيما، لا يقسو ولا يعنت أحدا، ولا يغضب ولا يسب، وما ضرب أحدا بيده قط، وكان سهلا في معاملاته متسامحا، وكان طلق الوجه دائما، رآه أعرابي، فاسترعت انتباهه بشاشته محياه، فقال له: أأنت الذي تقول عنه قريش إنه كذاب؟ والله ما هذا الوجه وجه كذاب! وأسلم إذ دعاه النبي صلى الله عليه وسلم .



دفع السيئة بالحسنة



كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، وكان حليما لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، قال زيد بن سعية: لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم إلا اثنتين يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما .



قال زيد فقلت يا محمد، هل لك أن تبيعني ثمرا معلوما لي فباعني فأعطيته ثمانين مثقالا من ذهب، فلما حل الأجل أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه وهو في جنازة مع أصحابه، ونظرت إليه بوجه غليظ وقلت له يا محمد ألا تقضيني حقي؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب إلا مُطلا، ونظرت إلى عمر وعيناه تدوران في وجهه ثم رماني ببصره فقال يا عدو الله أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع وتصنع به ما أرى؟ فلولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، وقال: أنا وهو كنا أحوج إلى غير ذلك منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزد عشرين صاعا من تمر مكان ما روعته فذهب بي عمر فأعطاني حقي وزادني عشرين صاعا، وقال لي ما دعاك إلى أن فعلت ما فعلت وقلت ما قلت؟



قلت يا عمر لم يكن من علامات النبوة شيء إلا عرفته في وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، وقد خبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، وأشهدك أن شطر مالي صدقة على أمة محمد ثم توفي في غزوة تبوك مقبلا غير مدبر .



سيد المتواضعين



كان صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عن الكبر، وكان يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ فقولوا عبد الله ورسوله)، كيف لا وهو الذي كان يقول: (آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد) وكان يجيب الدعوة، ولو إلى خبز الشعير ويقبل الهدية، فعن انس رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة (الدهن الجامد المتغير الريح من طوال المكث) فيجيب، وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة الحر والعبد والغني والفقير ويعود المرضى في أقصى المدينة ويقبل عذر المعتذر، ومن مكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم في المصافحة والمحادثة والمجالسة أنه كان إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهه من وجهه حتى يكون الرجل هو يصرفه، ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس له، وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: كان صلى الله عليه وسلم يقبل بوجهه وحديثه على أشر القوم يتألفهم بذلك . . .صلى الله على محمد فقد كان قرآنا يمشي على الأرض .



كان برا بالعباد، رحيما في دعوته، رحيما في توجيهه وحكمته رحيما بالأمة حتى في صلاته وإمامته، كان يصلي في الفجر بالستين إلى المائة آية، فدخل ذات يوم يريد أن يطول فسمع بكاء صبي فقرأ ب “إنا أعطيناك الكوثر” فلما انفتل من صلاته قال (إني سمعت بكاء صبي فأشفقت على أمه “وكان يوصي الأئمة ويقول” إذا أمّ أحدكم بالناس فليخفف، فإن وراءه الضعيف والسقيم والشيخ الكبير وذا الحاجة . .) .



على منبره كان يُفصّلُ الشريعةَ والأحكام ويأخذ بمجامع القلوب إلى طريق السلم والرحمة والسلام، فما كان يجرّح ولا يعنف ولا يُشهرُ ولا يكسر الخواطر، لم يكن جبارا ولا فظا ولا سخابا ولا لعانا، كان يقول - عليه الصلاة والسلام (ما بال أقوام، ما بال أقوام )



وما كان يُعرف من بين صحابته من تواضعه حتى كان القادم يقول: أيكم محمد؟ أيكم محمد . .؟



كان رحيما بالأحياء والأموات، إذا جن الليل وأرخى سدوله، خرج إلى بقيع الغرقد يقف على قبور المؤمنين والمؤمنات، يسأل ربه بصالح الدعوات أن يُسبغ عليهم الرحمات،



ولما توفيت المرأة السوداء التي كانت تَنظف المسجد قال أوما أخبرتموني، فصلى عليها ودعا لها . . . وكان إذا دخل بيته ملك قلوب أزواجه بالعطف والإحسان والرحمة والحنان، فقد كان خير الأزواج وأبرهم وأفضلهم .



حينما دخل عليه الأعرابي فبال في مسجده وهو جالس والصحابة ينظرون وينهرون ويمنعون، قال لهم “لا تزرموه” حتى إذا انتهى أمر بذنوب من ماء فصب على بوله ثم دعاه فوجهه وعلمه وأرشده .



صلى بأصحابه يوما فصاح رجل وتكلم في الصلاة، فما زال الصحابة يسكتونه حتى رمقوه بأبصارهم، فصاح الرجل: واثُكل أماه، فلما سلم قال الصحابي: فبأبي وأمي ما رأيت معلما كرسول الله فوالله ما كهرني ولا شتمني، ولكن قال لي: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والاستغفار وقراءة القرآن)



ما أكرمه من نبي وما أحلمه من رسول وما أرحمه من إنسان صلوات ربي وسلامه عليه .

نقلا عن الخليج الإماراتية