مشاهدة النسخة كاملة : الهجرة إلى آنغولا


أبو فاطمة
03-08-2010, 02:19 AM
الهجرة إلى آنغولا.. بقية قصة

محمد محمود ولد الشيخ أحمد "دحمود"

دعوني أترك المقدمات والتعليقات الجانبية وأدخل مباشرة وبدون أية مبالغة في واقع الموريتانيين هنا متمثلا في إحدى القصص التي تتكرر عندنا بشكل يومي .

روي لي أحد الشباب هنا قصة مأساة جديدة ألهبت مشاعري بشكل لا يوصف.. على جسمه أثر بكاء صامت تواصل لأكثر من ثلاثين يوما.. حاولت أن أصغي له.. أن أسمعه بكامل "حواسي" وأسمع صوته ـ كما أراد ـ عسى أن أخفف عليه بذلك ما كان يعانيه من جهد وعناء نفسي لعلي أن أضمد بعض جراحه النفسية التي مازالت نازفة..

روى لي قصصا عايشها طيلة الشهر الماضي لم أسمع لها مثيلا في الأساطير البطولية الخيالية فضلا عن الوقائع الآدمية...

بدأ الفتى المنهك التحدث عن رحلته الأسطورية: بعد أن اعتقلت في المحاولة الأولى صحبة اثني عشر موريتانيا آخرين، وطال علي الجلوس في الكونكو قررت أن أدخل آنغولا مهما كلفني ذلك من ثمن..

لكن الرحلة كانت رهيبة,, كان أسوأ الاحتمالات وأكثرها خطورة ومغامرة في ذهني لا يبلغ واحدا في المائة مما شاهدت..

(حتى لو انبهرت قليلا وتحرك قلبك فهذا لأن عندك قلب رجل وقلوب الرجال هي هكذا دوما). قلت له هذا مجاملة.. قبل أن أتركه يواصل الحديث.

الخيانة هي "الضربة" الوحيدة التي كنت أتوقعها من المهربين المتنكرين دوما عندما يكونون أمامي في النهار..

البعض من رفاقي السابقين فضل اصطحاب مهربين آخرين، وتواروا عني إلى الأبد خلف إحدى الغابات الاستوائية ذات ليلة من شهر يناير الماضي آخذين طريقا آخر .

وجماعة أخرى تراجعت خوفا من الغرق في أحد الأنهار المزدحمة بالحيوانات المفترسة والثعابين السامة .. لأنهم يظنون أنهم إما "لا يستحقون" الوصول إلى آنغولا أو لا يستطيعون الوصول إليها.. القلوب تتحرك بمجرد الوقوف على شاطئ النهر الذي يفصل "جمهورية الكنكو الديمقراطية" عن الحدود البحرية لجمهورية "آنغولا".

أنا انطلقت في البداية وحدي أحمل جواز سفري الأخضر إلى الحدود بين "زائير" و"آنغولا" قبل أن أرميه غير نادم في عرض البحر . اختطفني رئيس المهربين بنفسه وأغلق علي أحد البيوت المتهالكة في إحدى القُريات الحدودية لمدة أحد عشر يوما .. في كل يوم أو يومين يأتيني بمتسلل جديد؛ "أصدقائي" المتسللون من دول متعددة : اتشاد والصومال ومالي ودول أخرى .. كلهم يسعى لدخول آنغولا ومستعد للموت في سبيل ذلك..

قلت له إن كتابا اسمه "باولو اكويلو" تحدث في رواية "الخيميائي" الشهيرة عن مغارة شاب أندلسي عبر الصحراء بحثا عن ما يسميه "الأسطورة الشخصية" يقول: إن "الحياة" هي التي تتحمل مسؤولية قيادة كل واحد منا نحو قدره . ولسوء الحظ فإن قليلا من البشر يتبعون الدرب الذي خطته لهم "الحياة" والذي هو سبيل الوصول إلى الأسطورة الشخصية وإلى السعادة. لكنه أبى أن يحمل المسؤولية للحياة .. تتحملها فقط موريتانيا..

ثم تابع من جديد: حظي لم يكن عاثرا عندما لم تبتلعني إحدى الكائنات الكبيرة عندما بقيت لمدة يومين وليلتين معلقا على شجرة قربها في إحدى الجزر المطمورة في نهر "الكونكو"..
سائق المركب الصغير تركنا جالسين على جذوع شجيرات داخل جزيرة مطمورة وسط النهر.. قال إنه سيصلح المركب ويعود في نفس اليوم لكنه تركنا 48 ساعة .

كانت عندي علبتان من "السردين " وعند صديقًي الاثنين بقايا بسكويت كانوا يخفونها في ثيابهم عن المهربين..

بعد أن جاء المركب تابعنا الإبحار حتى وصلنا شبه قتلى بعد أسبوع لشواطئ العاصمة "لوندا" ..

هذا الشاب يمثل ـ في نظري ـ صورة حية للآلاف من الشباب الموريتاني الذي يفضل جحيم الموت البطيء في عرض البحار ـ جنوبا وشمالا ـ على البقاء في وطن منهوب اسمه موريتانيا ..

و لأن الدولة الإفريقية الوحيدة التي عندها هنا آلاف الرعايا والمواطنين وليست عندها أبسط تمثيل رسمي هنا هي موريتانيا.. لذلك لا أحد يحافظ على كرامته يمكنه هنا أن يعلن أنه موريتاني ، ببساطة لأنك عندما تكون موريتانيا في آنغولا فهذا يعني أنك مستعد للمكوث هنا بلا أوراق وأنك مستعد بالتالي للتحول إلى "وغد" لأنك ستكون محروما من العمل ـ على الأقل من الناحية القانونية ـ ومن الإقامة . ولا شيء سيكون مضمونا بالنسبة إليك.. ليس لديك الحق في تقديم شكوى ضد من قد يكون سلبك كل ما تملك جهارا ، أو استغلك ، أو احتال عليك.. أو حتى صفعك على الوجه .. للترويح عن نفسه برؤيتك تتهاوى لتسقط على الأرض. لأنك شخص سري. وسريتك يجب أن تظل مطلقة إلى أن يقرروا في إدارة الهجرة أن يجعلوا منك شخصا علنيا.. ببطاقة تحمل صورتك.. ورقما تعالج به نفسك إذا اصطدمت مع عوامل الطقس غير المتوازنة هنا..

عليك إذا أن تختار بين هذا وبين أن تتخلى عن جنسيتك الموريتانية .. لذلك لا أحد هنا يعلن انتماءه لموريتانيا.. البعض يدعي في "وثيقة اللجوء" (التي يحملها الجميع بالمناسبة ما عدا واحدا أوثنين دخلوا هنا قبل عشر سنوات على الأقل) أنه صومالي ـ والبعض الآخر سوداني واتشادي .. وبقية دول الاتحاد الافريقي "المنكوبة" ما عدا موريتانيا..

للأسف الدولة الموريتانية لا يهمها انتماء أي من أبنائها لها.. ولا يهمها مصيرهم ولا أي شيء آخر.. كلما يهمها هو ملايين الدولارات التي تدخل خزينتها كل شهر من عرق أبنائها المتشتتين عبر قارات العالم.. أما هم فلينتموا إلى أي بلد شاءوا أو يذهبوا إلى الجحيم ..


مع كل ذلك هناك المئات من الشباب الآخرين مازالوا لحد الساعة في طريقهم للهجرة إلى هنا.. أو إلى أي مكان آخر في العالم..

مغادرة موريتانيا ولو كانت إلى الجحيم خير من البقاء هناك وسط الضياع والفقر.. بلا أمل ولا مستقبل.. يستكر الواحد منهم حكومته جواز سفر يشتريه بضعف ثمنه عشر مرات ثم ينطلق ...

أخجل من نفسي هنا كثيرا عندما أرى شخصا عليه ملامح مثقف مطلع خوفا من أن يظن أنني واحد من أبناء موريتانيا البؤساء الذين تطردهم كل يوم من على صحرائها القاحلة ليأتوا هنا على ظهر مراكب سخيفة حاملين أرواحهم على أكفهم. كما في الأزمنة السحيقة. أحب أن أشرح لبعضهم أحيانا أنني لست من أولئك. وأنني دخلت هذه البلاد التعيسة بشكل طبيعي، وكما يدخل أي شخص محتاج إلى لجوء اقتصادي صغير.

أعرف أن الأمر أعقد بكثير مما أحاول شرحه . وأعرف أيضا أن مستواي في اللغة البرتغالية لا يسمح لي بالاسترسال في الحديث عن أشياء كثيرة أعتبرها أسبابا مبررة لتواجدي في هذه الدويلات والقٌريات البائسة التي أرغمها القدر على الضياع وسط هذه الجبال والأودية المترامية الأطراف.

لا أحد في الدولة الموريتانية ولا خارجها يعرف شيئا عن عشرات الموريتانيين الذي فقدوا هنا في الأشهر الماضية فقط ..

البعض منهم مازال داخل السجون والبعض الآخر ابتلعته الحيوانات المفترسة داخل الغابات الاستوائية القريبة من هنا .



نقلا عن الأخبار

فتى
03-08-2010, 05:17 AM
لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم

هذه رواية لمأساة من مسلسل مآسي شعبنا المسكين

توجع القلوب