مشاهدة النسخة كاملة : ...ويكتبنا الحرف في تشكله


عبدالله ولد محمدعبدالرحمن
09-11-2011, 12:58 PM
تموج في فضاء التيه شاردة تماما شرودي أنا بينها، تلعب لعبة إغراء ماهرة في أدائها تتوقف بي في محطات تعطيها عناوينها على مزاجها ، ترفض التدخل في شؤونها الداخلية، ترفض المعاملة بالتقسيط، تقف بي على دمعة المتسول وأنة المريض، ونظرة العاجز، وكلمة الرافض ، ومسحة الملامح التي تجف على وجوه البائسين ، تقف بي على فبركات المشهد و رتوش الصورة التي تخفي عيوبها، تجرد لك الحقائق حتى تبدو الحياة على حقيقتها العارية، لا تأبه كثيرا لطبيعة هذه الحقيقة ، حين تنتابها صمتة التشكل وبعدها ترمي صرخة الميلاد من جديد، ميلاد يولد معه عالم تتكشف معالمه ، أسقطت الحروف أقنعته، وفتشت أمتعته ، هاهو يرمي أوراقه أمام إصرار الحرف ، جلسة تأمل في مشهد يتركب شيئا فشيئا أمام ورقة بيضاء ، يتحداك بياض الورقة، تشعر بالعجز وأنت تضعف أمام التحدي، ثم تقرر رفعه فيشعر الحرف بالقيمة التي تكنها له ، حينها يتشكل كلمة فتتشكل الكلمة فكرة فتصير الفكر فقرة ومن الفقرات تتشكل الأنا الأخرى على الورق ، فأنت لست أكثر من ردة فعل على فعل ولست أكثر من كلمة تعبر عن ذات لا تكاد تتكشف ملامحها أمام تعدد الذوات وبين الذات والذوات شعور و أداة قنص و تراكيب نص.
تشعر مرة أنك نبي وتشعر أخرى انك غبي، أنك تجسد إنسانية الاحتراق التي تقف أمام احتراق الإنسانية، ينتابك الغرور مرة وأنت تنساب بين الكلمات و سفينتك تتهادى بموسيقية تخوض عباب القواميس، تشعر أنك ضرورة كونية، وفجأة ينتابك شعور بالبرد بالوحشة ، قشعريرة فظيعة لكنها لن تتجلى في أكثر من صمتة أثناءها يتجمد البصر في ما تعبر البصيرة كل الحدود وتجوب كل الفضاء ، فضاء الفكرة والحرف الافتراضي، تشعر أنك لست أكثر من مصارع من اجل وجوده ، ولست أكثر من إنسان تلاشى أو يكاد أمام تحولات و أحداث تتسارع حتى حين لا يبالي لها هو فهي ستلقي له بالا وتلعب به بين ثنائية المرسل والمتلقي في عالم صار عقدا وستفرض حضورها في معطياته على ارتباكها وبعثرتها، ويحاول التشكل من جديد وكأنة يمزج بالحروف روحا وجسدا، ثم تجد نفسك مرتاحا وأنت تقف على معالم المكان و تطبق عليه نظرية ديكارت بالزمان ،وتوزع الإحداثيات الزمكانية بكل حرية، لكن سرعان ما تكتشف أنها لحظة عابرة تماما مثل ما حياتك، إلا أن حياتك لحظة عليك أن تفترض طولها لتعرف أن تكون، وتعود المسألة لأصلها ليست أكثر من صراع للوجود، وتجلي أخر بسيط لوجودية فلسفية ستصل بك كل مرة لحيرة و سؤال.من أنت إذن ؟ انت لست أكثر من صدى صوت ومدى صمت ، وتجليات حروف تحاول التعاطي مع الصروف والظروف، انت رسول لا يصل وفصول لا تكتمل، قد لا يؤمن بك ولكن لن يكفر بك كفرا مطلقا، قد لا تبدو نبي جبران ولا هوود الانجليز ، لكن ستجد فيك دوما شيئا من هذا وشيئا من ذاك، لكن لا يمنع ذلك أبدا أن كلماتك حين تتجرد في خيالك من قدسيتها ويتكسر صليبها في روحك ، قد تتحول إلى نار نيرون وتفعل بالحق فعل نيرون بروما ، لكن ستدرك لاحقا آن روما احترقت أما الحقيقة حين تظن أنها تفحمت تبرز لك ناصعة لامعة، لان الشعور والانعكاس الذاتي الصادق اجل من أن يخفى في ضباب المظهر ، وبين متاهات التصنع أو التطبع. تدرك أخيرا وأنت عائد بعد ما تخطفتك الطرق المتعرجة و انزلق بك التيار وتخطفك الزيغ وأغرتك هدايا السدنة و أموال القافلة و خالط صفاء تأملك في محرابك طقوس المشككين وحاولت آن تكون ما ليس انت بمحاولتك آن تتجلى بعكس ما أنت عليه، تدرك وتتأكد انك حامل هم ورسالة وان كل الصعاب ما هي إلا إرهاصات نبوة و مخاضات ميلاد، وأنك ستضطر لتتذكر قصة يوسف وصبر أيوب...
نعم مخاضات ميلاد لأن الحروف و الأفكار ما هي إلا أنت تولد لكل ظرف وتتجدد لكل حدث لأن هذه رسالتك أن تتشكل مع كل تغير وفي النهاية ستبقى انت انكشافات حياة جرة قلم يغيظها بياض الصفحات، فأنت كاتب لست هاوي ركوب أمواج تختار يوم الإبحار، فالكتابة مغامرة مؤامرة انتصار انكسار انتظار انتحار احتيار ، حب وحشي وطقس صوفي ، مكتوب عليك أن تبكي الدمعة وتحمل مسحة الحزن و أن تبتسم ولو من غير سبب فملكك هنا كله بنظام الشراكة والمساهمة بالمنطق الاقتصادي، ومكتوب على ملامحك أن تجرب كل ملمح عليها يرتسم لأنها في النهاية ستعرف كيف تفرزه حرفا، ، لأنك لا تملك إلا ذلك الحرف الشارد و تلك الكلمة التي لا تقبل الترويض ولا أن تكون عبث هوى ولكن لا تستهن بما تملك فالبداية كلمة والنهاية كلمة وبين الكلمتين تجرب تجليات الكلام الصوت والصمت فالحياة صوت والموت صمت.

mushahed
09-11-2011, 08:21 PM
تقف بي على دمعة المتسول وأنة المريض، ونظرة العاجز، وكلمة الرافض ، ومسحة الملامح التي تجف على وجوه البائسين

شكرا على هذه المقالة الرائعة التي أدخلتني عالمها فقرأتها من ألفها إلى يائها وأعجبتني سلاسة ألفاظها وجزالة بنائها

التكرار هنا يفقد الاستدعاء رمزيته "التصريح ما يبغيه الاستاذ"
قد تتحول إلى نار نيرون وتفعل بالحق فعل نيرون بروما

يعجبني في كتاباتك الاختصار غير المخل، والمقال الطويل يجبر القارئ المشغول على وضعه في الرف لحين وجود وقت لقراءته قد لاتسمح به زحمة المشاغل

تقبل تحياتي