مشاهدة النسخة كاملة : تنوير العقل المسلم


أبو فاطمة
03-03-2010, 02:41 AM
تنوير العقل المسلم آخر


أ . د . أحمد فؤاد باشا




من الأهمية بمكان أن يشعر المسلم بعزة وفخار لأنه مسلم، وأن يعرف في شيء من الوضوح أن الإسلام في العهد الحاضر هو الدين الوحيد الذي يعد حقا دينا عالميا، وأن يستبين من قبل ذلك ومن بعد ذلك واجبه نحو هذا الدين، سواء كان من ناحية تحقيقه نقيا صفيا في نفسه، أو كان من ناحية الدعوة إليه ونشره . هكذا بكل وضوح حدد فضيلة الدكتور عبدالحليم محمود رحمه الله الهدف من تأليف كتابه القيم بعنوان “أوروبا والإسلام” (دار المعارف، القاهرة 1982م)، وكأني به يريد أن يحدد في ما نرى من جانبنا الأسلوب الأمثل للإصلاح والتغيير واستعادة أمجاد الأجداد عن طريق التنوير الحقيقي للمسلم المعاصر .



نعم يحتاج العقل المسلم في عصرنا إلى تنوير حقيقي يوصل إلى امتلاك القدرة ونحن ندعو إلى النهوض على الوعي بالمنهج الرباني وبيانه النبوي في التغيير والبناء الحضاري، وإدراك مراحله بدقة، ومقاصده في كل مرحلة، ومرونته في التعامل مع الواقع المعيشي، بما فيه التعامل مع الآخر، في ضوء تلك المقاصد، أمرًا ونهياً، وحظرًا وإباحة، ورخصة، وعزيمة، بحسب الظروف والأحوال، والاستطلاعات، وتوفر الأسباب، ومن ثم القدرة على تحقيق خلوده، وذلك بتجريده من حدود وقيود الزمان والمكان، وتوليد الرؤى، والأحكام الشرعية، والحلول النبوية، للحالات مع مراعاة الأعمار التي يمر بها المجتمع، وتنزيل هذه الحلول على الواقع في ضوء ظروفه وإمكاناته، وموقعه من مسيرة المجتمع الأول وسيرته، مع الأخذ في الاعتبار أن اعتماد المرحلية والتدرج لا يعني بحال من الأحوال تجزؤ المنهج وتقطيع الرؤية الكلية الإسلامية، بمقدار ما يعني استصحاب المراحل كلها، التي مر فيها المجتمع القدوة، للوصول إلى مرحلة الكمال والاكتمال التي يشير إليها قوله تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً” (المائدة: 3)، ويعني في الوقت ذاته الإدراك الكامل لأبعاد حركة النهوض الشاملة، ومستلزماتها، من خلال المرحلة والموقع الذي يكون عليه المجتمع اليوم، لتجيء هذه المرحلة في عمرها وموقعها ومكانها مستقبلا، لبنة في البناء الكامل المأمول .



إن العودة إلى بعض مراحل السيرة في ما قبل مرحلة الاكتمال والكمال للمجتمع القدوة ومحاولة الاستضاءة بها، لحل المشكلات المشابهة، من واقع المجتمع واستطاعته، لا تعني هنا النكوص والتراجع، بمقدار ما تعني المراجعة للواقع وظروفه واستطاعته، ومحاولة تحضيره والنهوض به في ضوء الرؤية الشاملة لمسيرة مجتمع القدوة (راجع: برغوث عبدالعزيز بن مبارك، المنهج النبوي والتغيير الحضاري، كتاب الأمة، قطر 1995م) .



وعلى هذا الأساس يبطل زعم الذين يشيعون ويدعون أن أزمة العقل المسلم المعاصر هي أزمة منهج، والأصوب فيما نرى أن يقال إنها أزمة في فهم المنهج والتعامل معه . أزمة تنزيل للمنهج على الواقع وتقويمه به . فالأمة الإسلامية لم تتمكن من تفعيل المنهج الإسلامي الذي يوجه المجتمع نحو الوحدة العقيدية والاجتماعية، ويرسم له الخصائص الأخلاقية التي تحافظ عليه من أن يتحول إلى مجتمع التمزق والصراع والإباحية، أو ينتهي به التطور غير الموجه إلى مجتمع الغاب الذي يفقد فيه الإنسان الأمن والحفاظ على حقوقه وسمات آدميته المكرمة عند الله تعالى . ومن أهم أسباب تعطيل هذا المنهج ظهور قوى اجتماعية متشبعة بروح الثقافات الوافدة وتعمل جاهدة على الترويج لها، خاصة في أوساط الشباب المحرومين من الثقافة الإسلامية الرشيدة، بل أصبح هناك من يدعو جهارا إلى استدعاء مناهج الآخر بدعوى التحديث والمعاصرة والقطيعة مع الماضي .



ولكي يتمكن المجتمع الإسلامي من الدخول إلى مرحلة النهوض الحضاري بخطى ثابتة عليه أن يشرع في إعداد العقل المسلم المستنير بمراعاة التوازن المطلوب والوسطية الحكيمة بين الجانبين المادي والروحي على النحو الذي يجعل من الفرد المسلم لبنة سليمة في أمة تتحرى الوسطية بين المتقابلات، فتفعل المعروف وتأمر به، وتتجنب المنكر وتنهى عنه . قال تعالى: “وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (آل عمران: 104) . ويحدد التصور الإسلامي أبعاد هذه التنشئة الصالحة في تنمية ملكات الفرد المعرفية، وتوجيه طاقاته الفكرية والمادية والروحية للارتقاء بحياته وحياة المجتمع الذي يعيش فيه . ومن ضرورات بناء الفرد وتنميته كذلك تذوقه حلاوة الإيمان الخالص بالله على هدى وبصيرة، وتثبيت الأسس الأخلاقية التي تهذب سلوكه وتسمو به إلى درجات العلا، كالرحمة والتسامح والصدق ولين الجانب والصبر والعدل وغيرها .



وبعد: فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون . وإن الأمل لكبير في أن يوفق الله الأمة الإسلامية لاتخاذ طريقه قولا وعملا . . فإذا حققوا ذلك فإنهم يومئذ يفرحون بنصر الله، “ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز” .



نقلا عن الخليج الإماراتية

أبوسمية
03-03-2010, 10:29 AM
شكرا لك أبو فاطمة على نقل هذا المقال الرائع الذي يؤكد أن الأزمة ليست في المنهج بل في عدم تطبيقه أو تطبيقه بصورة لاتليق فعلى الذين يتشدقون بالقول: إن الإسلامين لايملكون برنامجا ولا منهجا أن يعودوا لإلى رشدهم ويدرسو المنهج الإسلامي ليعرفوا حقيقة الأزمة وأنها ليست في غياب البرامج والمناهج بل في غياب المبرمج والمرشد والموجه الذي يؤمن بالوحي ودور العقل.