مشاهدة النسخة كاملة : تركيا وفضاء المصالح (أمجد عرار)


أبوسمية
07-23-2011, 10:53 AM
تركيا وفضاء المصالح (أمجد عرار)

عندما تجدد "إسرائيل" رفضها الاعتذار لتركيا عن قتل تسعة أتراك في مجزرة سفينة "ما في مرمرة"، فإنها توجّه رسالة صلف وتعال وغرور وتنكّر لذوي الشهداء الذين أريقت دماؤهم عقاباً لهم على حسّهم الإنساني.
وزير الشؤون الاستراتيجية الصهيوني موشيه يعالون كان واضحاً في سوقه أعذاراً أقبح من ذنوب لرفض الاعتذار الذي رأى فيه تحمّلاً للمسؤولية. "إسرائيل" بذلك تتعمّد عدم نفي الجريمة، بل تقول للعالم إنها تريد أن تفعل كل شيء يخطر ببالها وعلى العالم أن يسلّم بذلك، وألا يفكّر بالإدانة أو تحصيل حتى الاعتذار، وأن يتجنّب فتح تحقيق في أي جريمة ترتكبها.
ليس ذلك استنتاجاً متخيّلاً، بل ربط للمواقف الصادرة عن القادة "الإسرائيليين"، وأحدهم أيالون الذي جاءت مواقفه العنصرية والعنجهية رداً على تصريحات السفير التركي أوزدم سانبرك عضو لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في مجزرة أسطول الحرية، ذلك أن التقرير عن التحقيق الذي أجرته لجنة مكلفة من الأمم المتحدة، سينشر في 27 من الشهر الحالي.
يأتي الموقف "الإسرائيلي" المتعجرف أيضاً بعد تقرير نشرته صحيفة "حرية ديلي نيوز" التركية، وقالت فيه إن رئيس الحكومة "الإسرائيلية" بنيامين نتنياهو ورئيس الوزراء التركي يدرسان مسودة اتفاق لإنهاء "الأزمة" بين الجانبين قبل موعد نشر تقرير التحقيق.
لكن ما هو غير مفهوم تأجيل أردوغان زيارته المرتقبة إلى قطاع غزة وربطها بنتائج المحادثات مع "إسرائيل". فهل الأمر، كما تستنتج صحيفة "هآرتس" الصهيونية، بأن الحديث يدور عن محاولة لتوظيف الزيارة، أو بالأحرى معاناة غزة، كورقة مساومة في حل المشكلة مع "إسرائيل" والحصول على أقصى المطلوب تركياً، وهو الاعتذار؟ حتى مذكرة التفاهم لإنهاء الأزمة، تتحدّث عن جاهزية "إسرائيلية" لتقديم الاعتذار عمّا سمّي "الخلل العملاني" الذي أدى إلى استشهاد 9 أتراك، وليس الفعل الإجرامي الذي استهدف مبادرة إنسانية وأراق دماء أشخاص مسالمين وعزّلاً من السلاح. ورغم هذا العلاج المشوّه للمشكلة، فإن أردوغان صادق على المذكرة، في حين أن نتنياهو يتمنّع ولم يقدم رده النهائي بعد.
كنا نأمل أن تستمر القيادة التركية في إعادة صياغة سياستها بناء على استنباطها للفضاء الحيوي لتركيا ومصالحها في المنطقة، وليس وفق سياسة ترى في "إسرائيل" ثابتاً من ثوابت العلاقات الدولية التركية، الأمر الذي يميل أكثر إلى التعبير عن طريق شقّته المؤسسة العسكرية في أنقرة أكثر مما يعبر عن التحوّل المدني للنظام التركي.
لا تحتاج تركيا إلى من يقنعها بأن ما ارتكبته "إسرائيل" بحقها أكبر من أن يحلّه اعتذار حتى لو جاء الآن سيكون متأخّراً لأكثر من أربعة عشر شهراً. ولا نريد أن نطالب تركيا بأن تحصر موقفها في الاعتبار المبدئي الصرف، لكن حتى استناداً إلى الاعتبارات المصلحية، فإن قراءة المشهد توجب الاستنتاج الجازم بأن "إسرائيل" لا تبحث عن أصدقاء بل عن داعمين من جانب واحد وبلا شروط، وعن أغطية لاحتلالها واستيطانها وجرائمها المستمرة بحق الشعب الفلسطيني وشعوب عربية وغير عربية أخرى.
لقد كنا نغضب حين نسمع مواقف مشككة في حقيقة المبادرات السياسية والإنسانية التركية، ولا نرغب في أن نرى السياسة التركية نهراً يصب في بحر التشكيك بها، ذلك أن المواقف المشرقة إذا انتهت بالغروب تختفي مع تواري الشمس خلف الأفق.

نقلا عن المركز الفلسطيني