مشاهدة النسخة كاملة : الإسلاميون في زمن الربيع (محمد ولد عبد الرحمن)


ابو نسيبة
07-20-2011, 09:12 AM
الإسلاميون في زمن الربيع (محمد ولد عبد الرحمن)

يتألق بعض الإسلاميين تألقا يكشف عن نفاسة معدنهم في الأمة وعن تصورهم المدرك للواقع من حولهم كما هو.. فيتصرفون كما يتصورن، فيكون الفعل حكيما والاجتهاد مصيبا .
وربيع الثورات العربية ما زالت سفنه تمخر عباب بحر هائج ذي أمواج متصاعدة، يحتاج -للتعامل معه- إلى قدر من الفقه ونور البصيرة.
فالأحداث تولد على مدار الساعة والأمة في شتات مشين والأطماع المعادية جاهزة لركوب الموج الصاعد وتطويعه لخدمتها .
قد لا يكون الإسلاميون أصحاب تنسيق فيما بينهم ولا أصحاب قراءة موحدة للأحداث الجارية من حولهم، وذالك خلل بالتأكيد.. لكن الإسلاميين المصريين تبين أنهم جوهرة نفيسة وأنهم ذخر لأهل الكنانة وكنز للأمة جمعاء.
فما إن انطلقت بشائر الثورة المصرية في الخامس والعشرين من يناير على يد شباب يبحثون عن العزة والكرامة قبل أي شيء، ولا تجمعهم سوى السباحة الحرة عبر الشبكة العنكبوتية حتى كان الإخوان المسلمون عند حسن ظن المصرين بهم ..
تحرك الثوار وكانوا قلة قليلة بالنسبة لأعداد المصرين، نزلوا الميدان تحملهم سفينة الحلم
بالتغيير.. لكن الرياح أتت بما لا تشتهيه السفن، اختفت الشرطة فجأة من الشوارع تاركة مواقعها لبلطجية لا ترحم أحدا، همها الوحيد هو استئصال شباب الثورة ووأد الثورة نفسها قبل اكتمال خلقتها..
تحرك الإخوان المسلمون حين دب الخوف والذعر في نفوس الناس واحتضنوا الثورة كاشفين بذلك عن نصاعتهم الباسلة.. فكانوا شجعانا حين أحاطوا بالثوار واحتضنوهم وحين تقدموا للصفوف الأمامية لامتصاص الضربات الموجعة التي تسددها البلطجية نحو الثوار..
فقد أخذوا عهدا على أنفسهم أن يحموا هذه الثورة مهما كلف الثمن وعظمت التضحيات ...
موقف تاريخي يتذكره المصريون بكل الفخر والاعتزاز، ولا يختلف على تثمينه من النـــاس اثنان، فقد حدثتني الدكتورة أمينة شريف وهي نائبة رئيس قناة النيل الفضائية ومراسلة سي ان ان في القاهرة أن الإخوان المسلمين تميزوا عن غيرهم في احتضان الثورة والدفاع عن الثوار لأنهم يعرفون جيدا مكائد الأمن وحيل السلطة.. فهم أهل تجارب سابقة مع المضايقات التي طالما تعرضوا لها في ظل قانون الطوارئ الظالم ...
كما حدثتني الدكتورة لمياء وهي نائب رئيس إذاعة صوت العرب في الموضوع، وكانت تشير بيدها إلى ميدان التحرير حيث كنا في ما سبيرو وتقول: لقد أثبت الإخوان للعالم - بدفاعهم عن الثوار- أنهم رسل حضارة وحملة مبادئ، فقد كانوا حماة للثورة وكانوا لها حضنا آمنا وحصنا منيعا، انتهى الاستشهاد .
وهكذا هم الإخوان المسلمون - كما يعرفهم المصريون- يقلون عند الطمع ويكثرون عند الفزع، إنها سجية أنصارية معلومة يتحلون بها...
حظي هذا الدور البارز بزخم إعلامي منقطع النظير لكن الإخوان كانوا يفكرون وهم يتصرفون، فيا لها من قولة جامعة في المعنى ومانعة من الزلل ..جاءت على لسان المرشد العام للإخوان المسلمين حين سأله الصحفيون وهو في ميدان التحرير: أنتم ماذا تريدون ؟ وكأنهم كانوا يتوقعون أن يقول: نريد الإنصاف والمشاركة في الحكم أو... أو.. الخ، لكنه فاجأهم بالقول نحن نريد أرضا الله تعالى، فبهت الذي سأل ...
نجحت الثورة وفتحت أبواب السياسة والإعلام أمام الجماعة وكان حضور الإخوان بارزا في كل حدث، بعد سنين دأبا من التعتيم والتكميم، بل من الظلم والسجون والمحن ثم جاءت أحداث أمبابه المشهورة وكانت في واقع أمرها مجرد وقيعة مدبرة لإشعال فتيل الحرب بين الأقباط والسلفيين، لم يحد الإخوان عن خطابهم القاضي بالعدل والمفعم بالرحمة والإنصاف، فكانوا على درجة من الحكمة جعلتهم موضع تقدير من لدن الأقباط والسلفيين على حد سواء ..
فقد سمعت أحدهم يتحدث في طاولة مستديرة على الهواء مباشرة عن هذه الأحداث ويقول بالحرف الواحد {إن السلفيين بحكم ارتباطهم بالوحي ودراستهم له وبفضل حكمة دعاتهم ومشايخهم كمحمد حسان لا يمكن أن يقتلوا أحدا أو يظلموه}
فياله من دفاع مستميت عن قوم آخرين؟ ويا ليت هذا الخلق الكريم والمسلك الواعي يكون له مثيل في بلاد المنكب البرزخي، فلا يكون الإخوان والسلفيون يقبل بعضهم على بعض يتلاومون ...
ظهر الإخوان كالجسد الواحد وفي أكثر من مناسبة مع شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية وغيرهم من رموز المؤسسة الدينية، في مشهد يوحي بأنهم أصحاب رسالة وليسوا أصحاب أهواء.. خلق رفيع لا بأس إن تعلم منه شباب الإسلاميين على أرض شنقيط، فيضعون كل
المشايخ على رؤوسهم تكريما وإجلالا مهما تباينت المواقف في فترة من الفترات .
اجتمع مجلس شورى الجماعة وقرروا المشاركة في الانتخابات المقبلة، لكنهم نفوا أن تكون لهم رغبة المشاركة في السباق الرئاسي المنتظم، وفي ذالك الموقف ما فيه من وعي بالواقع وحكمة في الأسلوب وحنكة في التخطيط... إنهم قوما لا يستعجلون.
لم يكن الإخوان المسلمون في يوم من الأيام أهل حزب سياسي معترف به في مصر، لكنهم كانوا يتبوءون فضاءفسيحا في قلوب المصريين كدعاة ومحسنين وكساسة أفراد ونقابيين، ولعل من يمتلكون فضاء القلوب في عهد الثورات لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، حقيقة ما
أروع أن يتعلمها الإسلاميون في كل مكان، فالعمل من أجل تبوئ مكانة مكينة في القلوب خير وأجدى من العمل لتبوئ أي مكانة في مكان أخر ...
فهل يمتلك العاملون للإسلام علي أرض الملثمين القدرة علي فك رموز متطلبات الثورة كما فهمها الإسلاميون في مصر؟.
لم يكن الإسلاميون الموريتانيون أقل إدراكا للواقع من غيرهم، لكن رياح الثورات التي تطرق
الأبواب من كل اتجاه ربما تتطلب نمط تفكير جديد ومقاربه ميدانية أكثر حداثة، فتحيز من تحيز من الإسلاميين اليوم إلي صف المعارضة هو خطوة تقليدية يعبرون عنها وعن مثيلاتها من الفعل السياسي بالترحال ولا شية فيه ما دام مبنيا على رؤية واقعية.. لكن البعض يرى أن القاموس السياسي الجديد في عهد الثورات يشهد بعض التغيرات الدالة، فلم يعد الولاء للنظام ولا التحيز للمعارضة تصرفا ذا دلالة في ميدان التأثير، بل الولاء المجدي هو ما كان
للحق والتحيز الضار هو ما كان للباطل، أيا كان مصدر هذا أو ذاك ...
فمثلا، قد رفع النظام الحالي في موريتانيا شعار محاربة الفساد وقام بخطوات تذكر له في مستهل أمره ولامس هموم الفقراء، فكان تأهيل للعشوائيات وإنشاء لبعض البني التحتية.. وقبل ذلك وضع حدا للعلاقة مع الصهاينة وقام بإنجاز ملموس لصالح الأمة وإذاعة القرآن الكريم..
ولكن في وجه العملة الآخر كانت هناك أخطاء عديدة قد يكون منها أن وتيرة الإصلاح
تراجعت وأن مافيا الفساد لم تستأصل يوما من الإدارات والمؤسسات وقد نقول إنها منتعشة هذه الأيام بفعل الإحباط المخيم على الأجواء... وقد نزيد على ذلك فنعدد أخطاء كثيرة لكن المهم ألا نختصر على رؤية النصف الفارغ من الكأس
و الشيء نفسه يقال عن المعارضة فهي بتشكيلاته الحالية فيها رجال نظيفون وشخصيات معتبرة وقوم لهم باع طويل في مجال النضال والإصلاح.. لكن هذا لا يمنع من القول بأن المعارضة فيها قوم آخرون وضعوا على المحك من ذي قبل وكانوا مع أنظمة سابقة ولم
يكونوا إلا من "غزية" يدورون مع النظام الحاكم حيث دار، بل كانوا يتولون الشؤون العامة للبلد وكانوا إذ اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالهم أو وزنوهم يخسرون، بل إن بعضهم - والأسماء معروفة- قد شاركوا في استئصال الإسلاميين وغلق مؤسساتهم وشن حملة دعائية ضدهم في السنوات لتي تم استهدافهم فيها وهي سنوات: 1994-2001-2003-2005، فريقان وجهان لعملة واحدة فلا ينبغي أن نقتصر على رؤية النصف الممتلئ من الكأس فقط.
فالوسطية المطلوبة أن تقول لمن أحسن أحسنت ولمن أساء أسأت، أيا كان هذا المحسن وأيا كان هذا المسيء، وأن تعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال، وأن يكون الولاء للأمر بقدر ما فيه من الحق، والبراءة منه بقدر ما فيه من الباطل.. ولعلنا بذالك نجدد التحية لنشيدنا الوطني الخالد لذي يقول:
كن للإله ناصرا *** وأنكر المناكرا..
وكن مع الحق الذي *** يرضاه منك دائرا.
ولعل رسالة الثورات وهي في عز ربيعها تعلن هذه الحقيقة مدوية وهي أن الولاء إنما يكون للقضايا العادلة وعلى رأسها حقوق الشعوب في الكرامة والعزة، فلا تؤمن هذه الثورات فيما يبدو من حالها بمعادلة الحكومة والمعارضة بقدر ما تؤمن بالشعوب وضمائرها الحية وتفكر بالحيف والاستبداد ونحوه، حقيقة وعاها الإسلاميون في مصر حين ابتعدوا عن المعارضة في المنازلة السياسية قبيل الثورة وحين التفوا حول الثورة بعد اندلاع شرارتها الأولى وحصنوها تحصينا فتحقق لهم الشرف في الحالين وكانوا تاجا على رأس أجمل وأنبل ثورة عربية حتى الآن، فهل من مدكر..؟.

نقلا عن الأخبار