مشاهدة النسخة كاملة : رب ضارة نافعة (سيدي محمد ولد يونس)


أبو فاطمة
07-19-2011, 05:18 PM
رب ضارة نافعة (سيدي محمد ولد يونس)

طالعت؛ بحر الأسبوع المنصرم، مقالا موقعا باسمي، خصص للتحامل على النائب المعارض والرائد السابق بالجيش الموريتاني صالح ولد حننه؛ رئيس حزب "حاتم"، الخارج للتو من عباءة الموالاة، وربما كانت خطوته الجديدة المتمثلة في الانصهار ضمن قائمة الأحزاب المشكلة لمنسقية المعارضة، الدافع الرئيس وراء نشر الكاتب المنتحل لمقاله.
وفي جزء غير يسير من المقال ركز الكاتب على إطراء نظام ولد عبد العزيز، واعتباره "رائدا" في تنمية البلد، رغم أن "الرائد" انسلخ من موالاته "للجنرال".
ثم إن المنتحل عرف نفسه بالفاعل السياسي، في إشارة ربما سعى من خلالها إلى التمويه، قبل أن يضيف اسما ثلاثيا بمجرد الشعور بفداحة الجرم.
تريثت كثيرا قبل أن أقرر الرد الذي يهدف بالأساس إلى إقناع من باتوا يتهمونني بتغيير قناعاتي المعهودة، في زمن تتبدل فيه الولاءات كتبدل ألوان الحرباء، بعد أن اعتبر الكاتب سكوتي، خلال الفترة الأخيرة، إقرارا بأهمية نهج الانقلابيين، بلغة القضاء، أو رضى بما يصنعون، بحسب عرف الفقهاء.
لن أطيل كثيرا في الاعتذار عما نسب إلى من تجريح للنائب صالح، فتفنيد الإساءة يحتاج إلى إطراء، وذلكم هو الفن الوحيد الذي لم أسع يوما لإتقانه.
كل ما يمكنني قوله في الرائد السابق، والحمد لله على أنه انتقل من صف الموالاة حتى لا يصنف قولي نفاقا، هو أنه استطاع اقتلاع جذور نظام تكفل محمد ولد عبد العزيز بسقيها لأكثر من عقدين من الزمن، قبل أن يحصد بطولات "فرسان التغيير"..
ما يحسب لولد حننه ورفاقه هو أن رحيل نظام ولد الطايع كان بالإمكان أن يتم بفاتورة مكلفة لولا التضحيات التي قدموها.. بمعنى أن حربا أهلية كانت تنتظر الجميع، فتم إخمادها بقرار التنازل عن النصر، الذي اتخذه الفرسان، ليتم إخلاء قواعد الأمن الرئاسي، وتعود كتيبة ولد عبد العزيز لاغتنام اللحظة السانحة التي أتاحت لقائدها الاحتماء بمكيفات القصر من لهيب أشعة الشمس التي تحيط بالمكان.
ورغم المكانة التي احتلها صالح في قلوب آلاف الطامحين لتغيير النظام حينها، وأنا واحد منهم، فلن ينال مني تزكية وقوفه إلى جانب المنقلبين على أول نظام ديمقراطي تعددي؛ على علاته، يشهده البلد، وفي أحسن الأحوال فسأعتبره كبوة حصان، استطاع النهوض منها أخيرا لاستعادة التوازن وإكمال المسير.
أما شق المقال المتعلق بتثمين النظام القائم، فقد ذكرني بالمقولة الشهيرة "رب ضارة نافعة".. فمنذ الانقلاب الأخير الذي أطاح بالرئيس المدني سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، لم أكتب مع ولا ضد الانقلاب، لاعتبارات أجبرني المقال المفترى على سرد أهمها:
ـ أن الانقلاب، في نظري، مجرد امتداد لانقلاب عسكريين تزعمه ولد عبد العزيز على إرادة التغيير في انتخابات 2007، من خلال استخدام النفوذ والمال العمومي لترجيح كفة مرشحهم القادم من خارج الدائرة السياسية التي ظلت تتفاعل طيلة 16 سنة، الرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، الذي أكن لشخصه الكثير من الاحترام والتقدير.
ـ أن البلاد أضحت بسبب انقلاب أغسطس الثاني على شفى فتنة، فضلت البعد إذكائها "...فإنها منتنة"، وحاولت النأي عن فسطاطيْ الجبهة والانقلابيين، لأن نكوص البلاد عن النهج الديمقراطي على يد عسكري وضع لنفسه ما يشاء من نياشين، يظل أقل خطرا من الدخول في نفق بلا نهاية؛ أو هكذا أعتقد.
ـ أن الطبقة السياسية المناهضة للانقلاب فوتت فرصة المرحلة الانتقالية الأولى، التي توفرت خلالها فرص ذهبية لإحداث تغيير جذري، فتغاضت وتمادت.. وكان عليها أن تتحمل النتائج المترتبة على ذلك، وأن تتوقع انتكاسة أكبر في مسار ديمقراطي لم تصحح بداياته التي هي شرط تصحيح نهاياته.
ـ أنني لم أشأ ركوب موجة السيل الجارف من المقالات التي تنتقد الانقلاب وتسعى جاهدة لإفشاله، فمعظم كتابها يثأرون لوظائف وامتيازات مفقودة، وتوقعت ساعتها أن تجف تلك الأقلام بمجرد تعويض الخسارة أو نجاح الانقلاب، وهو ما كان.
ـ أن الطغمة الانقلابية تسترت خلف شعارات براقة رأيت أنه من الحكمة ترك العامة التي اقتنعت بصدقها تتابع زيفها وانقشاعها الواحدة تلو الأخرى.
أما الآن وقد أصبح موقفي من الحكم الحالي موضع استفهام، بسبب المقال المزور، فأجدني مضطرا للقول إن ما يحكم البلد اليوم لا يستحق تسمية نظام، ولا يجوز لشباب الفيس بوك استخدام عبارة "إسقاط النظام" في موريتانيا، فهو لم يعد موجودا بمعناه الطبيعي، إلا إذا كان "نظاما انقطع سلكه".. فعلامات تهاويه تتابعت بأسرع مما توقعه أكثر المعارضين تشاؤما.
ومن نافلة القول، والعامة التي انخدعت بالشعارات الجوفاء أول الشاهدين، أن الدولة قد بادت، وأصبحت أثرا بعد عين، فلا قطاعات عمومية تخطط وتنفذ، وتتحكم في بلورة رؤية تنموية ثاقبة، ولو على خطى الأنظمة الشمولية التي عفا عليها الزمن.. ولا رأسمال خصوصي يستثمر.. فتنتعش حركة الإيراد والتصدير، وتكتمل الدورة الاقتصادية التي تشيع المال وتمتص البطالة، كما تطبق الدول الرأسمالية.
فالانعكاسات الاقتصادية السلبية على الحياة الاجتماعية للمواطن خلفت عجزا عن مواكبة الارتفاع الصاروخي للمواد الاستهلاكية، بالموازاة مع جمود في الرواتب، وارتفاع في معدلات البطالة، كما أفرزت منعا لحقوق المتعاونين مع قطاعات الدولة، وكسادا في رأس المال الحر.
قد يقول قائل إن "الدولة" خففت من آثار غلاء الأسعار على الفقراء بافتتاح مئات المحلات التجارية في إطار ما سمي ب"عملية التضامن"، إلا أنه، وباختصار شديد، يمكن الرد بسؤالين فقط: هل تخفف 600 دكان من وقع ارتفاع الأسعار على ثلاثة ملايين فقير، أغلبهم بلا دخل؟؟!!.. وهل بلغ بنا احتقار الفقراء إلى حد تركهم في طوابير تمتد عبر الشوارع، وتحت أشعة الشمس، وأمام العواصف المحملة بالأتربة، من أجل الحصول على قوت يوم واحد لا يسمن ولا يغني من جوع؟؟!!.. فإن كان في السلطة من تمرن على إجراء عملية القسمة، قبل أن يطرد من التعليم النظامي، فسيجيب على السؤال الأول ب"لا".. وإن كان فيها من صدق يوما "أسطورة رئيس الفقراء" فجوابه على السؤال الثاني سيكون بالطبع "نعم".. لكن لا أحد يستطيع الإجابة من غير تفويض، وإذا حصل التفويض فتح باب المغالطات التي ترشح بها بيانات وخطابات "الحزب المحكوم".. ففي بلادنا لا حاكم إلا رأس الهرم، ولسوء الحظ فالهرم مقلوب.
أما فيما يتعلق بتعاطي السلطة الحالية مع الملف الأمني، فأعتقد جازما أن تبرير إقحام الجيش في حرب خارج الحدود بالضربات الإستباقية، وتأمين الداخل، يمكن الرد عليه من ثلاثة أوجه:
ـ أن من يعد العدة لمهاجمة مسلحين متشددين انتحاريين، يعتقدون أنهم يخوضون جهادا، في مخابئهم التي اختاروها وخبروها، لم يكن بالمستوى الذي يؤهله لقراءة الحاضر قبل التاريخ، ولم يسمع بالهزائم المتلاحقة التي تكبدها أقوى جيش على ظهر البسيطة بمساعدة أعتى حلف عرفه التاريخ.. وهما الجيش الأمريكي وحلف "النيتو".
ـ أن مسلحي القاعدة أجهضوا، قبل أسبوعين، مبرر تأمين الداخل من خلال توجيه الضربات الاستباقية، عندما أدخلوا جهارا نهارا 20 سيارة، وصلت مشارف مدينة باسكنو.. صحيح أن الجيش تصدى لها ببسالة، إلا أن العملية أسقطت فاعلية ملاحقة التنظيم خارج الحدود؛ وربما كانت تلك هي الرسالة التي أرادت القاعدة إيصالها للرأي العام الموريتاني.
ـ أن أيا من الهجومات التي نفذناها ضد قواعد تنظيم القاعدة داخل الأراضي المالية، تمت خلال النصف الأخير من الشهر، وبالتزامن مع هبات وقروض فرنسية حملت عنوان دعم الميزانية الموريتانية، وهو ما يوحي بدورها في تسديد رواتب الموظفين، الشيئ الذي ينبئ بإفلاس الدولة ودحض الادعاءات التي يطلقها ولد عبد العزيز من حين لآخر، بأن الأموال موجودة... ولكن أين؟!
ثم إنه على من يقرر شن حرب على تنظيم "القاعدة"، أن يخمد حربا أخرى بدأها منذ استيلائه على السلطة ضد قاعدة أخرى؛ هي القاعدة الشعبية، التي أنهكتها الأسعار والبطالة والتهميش...
وأخيرا.. عرف الكاتب المنتحل نفسه على أنه فاعل سياسي، رغم أن أغلب من يمارس السياسة في بلادنا "مفعول به"، وليس "فاعلا"، إذ أن جبهة مناهضة الانقلاب الأخير وأبرز حزب معارض في البلد، عملوا على تشريع استيلاء "الجنرال" على السلطة من خلال قبولهم لمبدأ التفاوض الذي قاد لاتفاق دكار؛ وأن منسقية المعارضة اليوم لم تعدم؛ في صفوف قادتها، من يحاول إعادة إنتاج تشريع بقاء عسكري منقلب رئيسا للجمهورية، رغم ما يحيط به من أسباب الرحيل.

نقلا عن السراج الإخباري