مشاهدة النسخة كاملة : الطين عصب الحياة في قرى آفطوط


أبو فاطمة
07-12-2011, 05:22 AM
الطين عصب الحياة في قرى آفطوط

http://img577.imageshack.us/img577/5977/032jx.jpg

عندما تتراءى أمام ناظريك بيوتات الطين ، وأكواخ القش والخوص ، وتترامى حواليك حظائر وزرائب الحطب المجللة بأرواث البقر، ويتنامى إلى مسمعك من بعيد ثغاء شاة أو نباح كلب أو خوار بقرة ن وعندما تتحسس أنفك لتحد من نفاذ روائح دخان الحطب فاعلم أنك على مقربة من إحدى قرى آفطوط.
فالطين ومواقد الحطب: مقومان رئيسيان لحياة الناس في هذه القرى، وإذا كان الحصول على الطين لا يكلف عادة غير الحفر في عمق الوادي، فإن جلب الحطب اصبح معاناة حقيقية لانحسار الغابات وتراجع الغطاء النباتي مما يستدعى احيانا رحلة يوم كامل لمهام جمع الحطب. لكن العناق بين المقومين (الطين والخشب ) قد يصبح قدرا لا مفر منه رغم مصاعب الحصول على المقوم الأخير وذلك عندما يشيد القرويون مساكنهم من بيوت الطين والأعرشة والأكواخ ..
مندوب السراج يرصد في هذا التقرير جانبا من استخدامات الطين وبعضا من معاناة توفير مسكن لا ئق في قرى آفطوط.

الطين مادة البناء

http://www.essirage.net/images/img/news_img/Photo%20159.JPG

altإذا كان الماء اصل الحياة فإن الطين هو المادة البناء والإنتاج في قرى فم لكليته فمن سهول الطمي الطيني الخصبة يحصد الزرع والدخن والذرة وغيرها من منتوجات زراعية ومن وهاد الأودية الصلبة يستخرج الطين الخام الذي يشكل قوالب للبناء أو يمزج بالروث والأزبال فتغطى به واجهات المباني وتسوى بها أرضياتها وسقوفها ليظل اللون النبي الطين الأكثر حضورا في هذه القرى..
على مقربة من احد محافر الطين في قرية كوب اهل جعفر يتوزع الرجال أدوارهم في ورش انتاج طوب اللبن إنها طريقة العمل الجماعي التعاوني المتعارف عليها لدى القرويين هنا ، البعض يهيئ الطين ويسكب عليه المياه فيما يقوم آخرون بتخليطه وتقليبه ولا وسيلة لديهم سوى أرجلهم وأقدامهم العارية ، بعد ذلك يوضع الطين في قوالب خشبية مستطيلة ثم يجفف تحت أشعة الشمس..
عملية نقل اللبن تستقطب في العادة بعضا من أطفال القرية الذين لا يمنكهم تفويت مثل هذه الفرصة للترويج واللعب فضلا عن ما قدر تدر عليهم من مكسب مادي زهيد مقابل تعبهم في تحميل إلى العربات وإنزاله منها. الطفل محمود ورفاقة كانوا على موعد لنقل إحدى شحنات اللبن لبناء أحد مساكن القرية ، سرعان ما جذب المشهد أطفال آخرين أحاطوا بالعربة واخذوا يصيحون في مرح لدفع الحمار إلى الإسراع وبالتالي المشاركة في اكثر من جولة .
قال محمود إنه يحصل على 5اواق عن نقل كل لبنة لكن مشاركة زملائه يجعله أكثر سعادة بعمله.الوزن الخفيف نسبيا للبن والذي قد لا يزيد عن ثلث وزن اللبن المتعارف عليه في المدن تجعل الأهالي لا يمنعون أطفالهم ومن كلا الجنسين في المشاركة في جولات حمل اللبن بل ويصنفونه على انه عمل غير شاق رغم ما قد يتعرض له الصغار من مخاطر بسبب سقوط الطوب أو الاختناق بالغبار أو رفس الدواب!!

علامة مسجلة

http://img713.imageshack.us/img713/8120/photo20271.jpg

نقل الطين ليس سوى مرحلة أولى في عملية البناء كما يقول العامل أبهاه ولد اعبيد وهو يصف اللبن على طول الجدر ويحشو الفراغات بنوعية اخرى من الطين الممزوج بالزبل مضيفا عن بناء بيت بمساحة 10أمتار مربعة يتطلب حوالي 3000لبنة فيما تكلف اللبنة الواحدة 15اوقية.
ويشرح ولد باقي المراحل بالقول إنه بعد رص اللبن وحشو فراغاته يغطى من الخارج بالطين المقوى بمعجون الروث والأزبال فيما يشبه تسوية السطح الخارجي وإكسابه المنظر النبي الداكن الخشن، وبعد الانتهاء من رفع الاساسات يأتي الدور على وضع دعامات السقف وهي اخشاب غليظة تعرف محليا بآزغر وقد يحتاج البيت إلى ثمان من هذه الاخشاب ، ويقدر العامل تكلفة المتر الواحد بحوالي 1000اوقية.
وبعد وضع الدعامات الخشبية تمدد بينها اعمدة سيقان نبات "التورجه " أو الهليج أو النبات المعروف محليا ب"أوخاي " ثم يغطى الهيكل الخشبي بالقش ويطمر السطح بالطين. لا احد هنا يتوقع ان يجد أجرا ناجزا على مشاركته في البناء فظروف الفقر وانحدار السكان من عوائل ترتبط بقرابات وشائج تعززت على مر الأيام كل ذلك لا يدع مجالا للسؤال عن التعويض ، بل أحيانا يعد مجرد التلميح بمطلب كهذا قدحا في المروءة ووقاحة لا تغتفر فالعمل الجماعي هو روح الأخوة لدى القرويين .
ومع ذلك يقول أبهاه إن سنوات تراجع الزراعة في قرى فم لكليته دفعت الكثيرين إلى مزاولة أعمال خدمية كالبناء مثلا او النقل او الجزارة ..الخ وليس من الضروري ان يكون التعويض بالنقود حيث يتذكر ان أحد الاهالي عوضه بثلاث شياه وقبل لحاجته أنذاك إليها لكنه اليوم لم يعد يقبل بمثل هذه المقايضات العينية ويشترط من البداية أن تكون أجرته نقدية فقط .
بعد رمزي
وحدها المدارس أو مباني المنظمات غير الحكومية التي تشيد بالاسمنت ومع ذلك فقد يتعاون الاهالي –كما في آشكاطه –لإعادة ترميم المساجد وبنائها بطوب الاسمنت.أما في لكنيبه فقد شيد الاتحاد اللوثري العالمي بالتعاون مع برنامج الغذاء العالمي والسفارة الأمريكية أحدث مبنى اسمنتي بالقرية يحمل اسم "البنك متعدد الوظائف بلكنيبه" وقد زود المبنى مؤخرا بمشغل لأنتاج مسحوق الذرة المقلية وذلك بعد تدريب بعض من سكان القرية على هذا العمل كما يقول الوكيل الصحي بالقرية محمد ولد امينو .ومع ذلك يظل استخدام الاسمنت بدل الطين دليل القدرة المادية ولا تكاد تخلو كبريات القرى من منازل بطراز عصري، ولا يخفى في هذا المجال التأثر بالنمط المعماري في قرى السنغال المجاور كما تأثرت مساكن القرويين الطينية بالنمط السائد في قرى الفلان أو السوننكه المجاورة تقارب تفصح عنه حتى التسميات "جوكيه " أو لمبارات "أو إتيكيت ".
وإذا كانت مواقد الحطب تتهدد الغطاء النباتي ويكاد الاعتماد على الحطب أن يحيل الغابات إلى ارض جرداء مما يزيد من معاناة السكان فإن للطين في قرى آفطوط عدوه اللدود والمتمثل بشكل خاص في التصحر وطمر الاراضي الزراعية بالرمال مما يضاعف أيضا من الاعباء الملقاة على كواهل القرويين في بناء مساكنهم ويفرض عليهم جلب الطين من أماكن بعيدة كما يقول الشيخ ولد الفالح من وجهاء قرية كوبه اهل جعفر.
لاشك أن اللون المفضل لقرويي آفطوط سيظل اللون البني الدكن الذي يجلل الأفق في هذه القرى ويرمز لارتباط عضوي بين الانسان والأرض لكن يبقى سر هذا الارتباط هو "الطين" ، سواء أخرج ذرة أو قمحا ، أو كان مادة أولية في بناء مسكن مهيب أو مصلى مهيب!!
إن خلطة الطين في قرى آفطوط تتعدى بعدها الرمزي كأصل للانسان إلى أبعاد أخرى اجتماعية واقتصادية وحتى ثقافية لذا لن يكون من المبالغة في شيئ القول :"إن الطين عصب الحياة في هذه القرى" لكنه عصب مشدود بعيدان الحطب وجذوع الأشجار كالأسقف الواطئة لمساكن قرى فم لكليته بكوركل.

نقلا عن السراج الإخباري

محمد المصطفى ولد الزاكي
07-12-2011, 04:23 PM
سبحان الله العظيم " يوجد مثل عند البيظان يقول : كل ها حالتُ أتْلحقُ بالاخرة .


هنا نتذكر دعاء نبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم : اللهم اجعل كل أرض لأهلها شاما .

فسكان هذه المناطق لا يبغون عنها بدلا ، رغم مآسيها لتى لا يمكن حصرها وشغف العيش فيها والبؤس الذي لا يخفى على أحد .
فلو سألت أحدهم هل يريد السكنى في المدينة المنورة او مكة المكرمة او إحدى المدن المعاصرة مثل باريس أو لندن او جنيف مثلا لاختار البقاء في المنطقة التى يسكنها سواء فم لكليته أو أودي الغربان أو فرع لعشوشه أو أكراع الفيل ......الخ
فلا يسعنا هنا إلا أن نقول : الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين . فلله سبحانه وتعالى في خلقه شؤون .
رغم أن التقرير لم يتحدث عن جوانب أخر من الحياة أدهى وأمر ، منها على سبيل المثال : الجهل والتخلف وعدم توفر الرعاية الصحية ......
شكرا لك على هذا الموضوع ونرجوا من الدولة الإلتفات على هذا النوع من الناس لتقديم ما يمكن تقديمه لهم فهم لاشك بشر ويستحقوا ان يعشوا في وضعية أحسن من هذا .

دمتم بخير .