مشاهدة النسخة كاملة : واقع التعليم الفني في موريتانيا


ام خديجة
07-10-2011, 12:48 PM
واقع التعليم الفني في موريتانيا


لم يحظ التعليم الفني حتى الآن ـ رغم أهميته وجوهريته ـ بالعناية المطلوبة التي تزيح عنه غبار الإهمال، ومفعول السنين العجاف، وما يميزها من تلاعب إداري، وتجاهل مطلق لحقوق المدرسين، والشروط المهنية المطلوبة لمؤسسات هذا التعليم، الذي يعول عليه ـ في البرامج التنموية ـ للنهوض بالأجيال مسافات بعيدة عن طريق الممارسة العملية المنتظرة لنهضة الأوطان وتكوين الإنسان.

ولم تفلح صيحات الميدانيين، وأصحاب الاختصاص، والعارفين بالقطاع في إصلاح هذا اللون المميز من التعليم، المرتبط ـ في أغلب الأحيان ـ بالميدان التجريبي، الشيء الذي يجعل حاجته إلى الأجهزة والمعدات أكثر أساسية، بل ملحة وضرورية.

ورغم أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز كثيرا ما تحدث عن إصلاحات جوهرية في طليعتها التعليم الفني والتكوين المهني، شكلت موضع استحسان وتفاؤل من الكل وأصحاب هذا القطاع بشكل خاص، إلا أن بيكتيريا الفساد ظلت تعشش في خلايا ومفاصل التعليم الفني، عابثة بكل إرادات التغيير، ونوايا التحسين والإصلاح، وهو ما يشهد عليه واقع ثانوية التعليم الفني والتكوين المهني في نواذيبو التي نأخذها نموذجا على المعوقات المخلة بردح وجسم التعليم المذكور، وبالتالي غياب أي دليل ملموس للتجاوب مع توجيهات أعلى هرم في السلطة وهو رئيس الجمهورية بخصوص العناية بهذا القطاع.

ففي هذه الثانوية ـ بالذات ـ تقف الوزارة والإدارة عاجزة عن جملة أساسيات لا غنى عنها لعملية التعليم الفني، والتكوين المهني، وهي تأثيث الورشات بالمعدات والآلات الضرورية، والمطلوبة للتدريب والتكوين على مهارات وخبرات فنية وعملية، بل يعلن المدرسون عجزهم في كل حين عن استيفاء حقوقهم المشروعة من علاوات وتقدمات وغيرها، ويسجل الواقع حالا مزريا وغير متوقع في مؤسسة فنية يؤمل من خريجيها أن يصبحوا قادة المبادرات المهنية وغير مستسلمين للعنة الشارع.

لقد تراجع التعليم الفني وساء حاله، وحال العاملين فيه، وتحولت ثانوياته إلى (حدائق للكبار) كما يصفها البعض... وتبقى ثانوية التكوين الفني بنواذيبو ـ كما تقدم ـ خير مرشد إلى حال هذه صفاته وقسماته.

هذه الثانوية التي زاد عدد طلابها بنسبة 30% خلال السنة الدراسية 2010ـ2011 في الوقت الذي لم يزد فيه طاقم التدريس وهو شيء مستغرب، ولم تتوفر الورشات على التجهيزات، في الوقت الذي تدعي فيه الإدارة تخصيص أكثر من 20 مليون أوقية سنويا لذات الغرض حسب التقرير المالي لمجلس الإدارة المنعقد سنة 2010 الأمر الذي ينفيه الأساتذة المشرفون على هذه الورشات، إذا لا يقدرون حجم المصروف في تجهيز هذه الورشات بأزيد من 100 ألف أوقية سنويا فقط، ولا أدل على ذلك من كون إدارة المؤسسة تطلب من الأساتذة قبل إجراء امتحان التخرج قائمة المعدات الضرورية للإستخدام خلال الامتحان، على أمل توفيرها لهم، مما يبرهن على أنها لم تكن متوفرة طيلة السنة الدراسية، مما يثير التساؤل: كيف يمتحن التلاميذ بوسائل ومعدات لم يروها إلا لحظة الامتحان؟ !

وفي هذا الخصوص لاشك أن سكوت الأساتذة على هذا الأمر المخل بالأداء المهني، يجعل هؤلاء يتحملون بشكل بديهي جزءا من المسؤولية.

فالثانوية المذكورة ـ إضافة إلى ما سبق ـ سمح لها باستقبال راحة طبية لسنة دراسية من كل التلاميذ الراغبين في إجراء الامتحان، لعلمهم بحتمية النجاح بديهيا وبصفة مطلقة، حيث يتجاوز المترشحون لشهادتي bep و bt كل سنة تقريبا بنسبة 100% والأغرب من ذلك أن المترشحي يدرسون نفس البرنامج، وهذه ـ في نظري ـ مسؤولية الإدارة والأساتذة معا.

إن هذه الثانوية لا تتوفر على الماء، رغم الحاجة إليه من بعض التخصصات الموجودة كالبناء على سبيل المثال، وهي إضافة إلى قطار النواقص والخروقات والتجاوزات، تمنح فيها التقدمات لمن هم يعملون في الخارج، في حين يحرم منها من يعملون ميدانيا.

هكذا تبقى حقا هذه الثانوية من عيار خاص، يثير فيضا من التساؤلات التي من بينها:

ـ فيم تصرف ميزانية هذه المؤسسة؟
ـ كيف لم تتم معاينتها من قبل مفتشية الدولة؟

ـ لماذا بناء توسعة لهذه الثانوية تضم قاعات وورشات بما يناهز 150 مليون أوقية بتمويل الدولة، في حين تترك الورشات من دون تجهيز، رغم كونها سابقة الإلحاح إلى ذلك؟

هذه بعض جوانب الصورة القائمة في ثانوية التعليم الفني والتكوين المهني بنواذيبو، وما أخواتها في نواحي الوطن بأحسن حالا، ولا أوفر حظا... فهل هذا هو الإصلاح للتعليم الفني يا سيادة الرئيس؟ لماذا لم تنفذ توجيهاتكم وتعهداتكم؟ !

أين الرجل المناسب في المكان المناسب؟ وأين تطبيق مبدأ المكافأة والعقوبة؟ أين معاقبة المفسدين؟ أم أن كلمة الفساد مختلف على فهمها كشأن نظيرتها الإرهاب لدى بعض الدول.....


محمد ولد بلال، أستاذ تعليم فني


نقلا عن الأخبار