مشاهدة النسخة كاملة : فكر وقدر قبل أن تركب البحر!!(عبد الرحمن ولد أحمد)


أبو فاطمة
07-10-2011, 04:01 AM
فكر وقدر قبل أن تركب البحر!!(عبد الرحمن ولد أحمد)

البحر وما أدراك ما مجاهيله، وما مخاطره.. البحر ليس ذلك الماء الرقراق المتدفق تتكسر أمواجه على ضفاف الشاطئ المترامية..
البحر شيء آخر غير ذلك.. فهو بالنسبة لي كصاحب تجربة قادته الظروف لركوبه وخوض أغماره يختلف عما ينطبع في أذهان زواره المتفسحين على شواطئه، لقد دخلته ليس للفسحة، شأني في ذلك شأن الكثيرين من رواده – لقد عرفت البحر من بوابة خليج الراحة في نواذيبو حين قررت أن أعتاش على ما يجود به هذا المخلوق المتقلب الزاخر بالثروات..
كان اللحظات الأولى لركوبي لهذا المارد ضحوة يوم من أيام الشهر السادس من العام 2003، بعيد محاولة الفارس البطل صالح ولد حننا تغيير موريتانيا ولد الطايع إلى موريتانيا كل الموريتانيين..
كان الوقت جميلا جدا، وكان المنظر ممتعا ومغريا، وكان الرفقة طيبة للغاية، قدرتني ووفرت لي كل سبل الراحة لمعرفة أصحابها بأنه شتان بين من كان أكبر جهده أن يحرك "الماوس" ومن ينتظر جر الثقال من قاع البحر وسحبها إلى زورق صغير لا يساوي شيئا على ظهر المحيط الأطلسي..
بعدما تعالى النهار وابتعدنا كثيرا عن شاطئ خليج الراحة، ولم نعد نرى غير بساط أخضر تتكسر أشعة الشمس الحارقة على صفحاته.. كانت الصورة التي صاحبتنا عند دخولنا إلى البحر بدأت تتلاشى، وبدأت الشمس تلفحنا لفحا، ولم نجد بدا من أن نستظل ببعض الغطاءات التي تستخدم في صيد السمك، كانت حياتنا كلها يجب أن تنسجم من المكان الصغير الذي يجمعنا، وكل شيء يجب أن يؤخذ منه بالحاجة، فالماء والنار، والأكل والشرب، والنوم والراحة.. كلها أمور أخذ منها في الزورق بأدنى مستوى..
كنت عند دخولي البحر مشدوها بمنظره الخلاب، وبتلك النسمات القادمة من جنوب الجنوب لا يردها عني شجر ولا حجر، وكانت مناظر أسراب الزوارق في عرض البحر متوقفة بنسق متناغم، تثير في الإحساس بمتعة الرحلة، كنا نمخر عباب المحيظ وكأن ربان زورقنا الصغير نذر أن لا يرسو بزورقه إلا على الضفة الأخرى.. كان الجو جميلا ورائعا، غير أننا مع اشتداد وطأة الحر وعنف أشعة الشمس التي تحاصرنا من كل مكان، فهي فوق رؤوسنا وتحت أبصارنا يعكسها الماء كما لو أنه مرءاة صافية.. وكان السأم من منظر وحيد لا يتغير ولا يتبدل، كل ذلك جعلنا نبحث عن مأوى للراحة والإخلاد إلى النوم، وهنا كانت المفاجأة..
لم نكد نأخذ مجالسنا تحت الظل البسيط الذي وفرناه حتى بدأت النفوس تخبث، وبدأ الغثيان يطغى، وساد صمت عميق على البعض منا.. وكانت النظرات المترقبة تحاصرني في كل صوب وحدب، فأنا الوحيد من بين الرفقة الذي يدخل البحر لأول مرة في حياته، مما جعلني أرشح في ذلك اليوم لأكون مائدة للضحك والتسلية..
كان الوقت يمر ببطئ ثقيل، وكنت كلما اضطجعت باحثا عن سكون وهدوء يتسلل إلي صوت قادم من عمق المحيط يقول لي "قم أيها الراقد.. قم فقد اخترت أبوتي.. قم فأنا المحيط لا أسمح لأبنائي بالكسل، ولا أعطيهم من الراحة إلا ما انتزعوه بفعل التعب.. وتتالت الأصوات تقرع أذني من تحتي (قل.. قب.. قل.. قم)..
بعد ساعة عصيبة من التحمل والإجهاد العصبي كنت مع موعد آخر من أطوار التهيئة والإعداد التي لا ينجو منها راكب البحر.. فقد قمت إلى الصلاة بعد ما توضأت من ماء أجاج مر علقم، زاد من خبث النفس وقرفها.. فما كان مني عند السجود إلا أن هرعت إلى المحيط لأذيقه مما أذاقني، كان القيء الشديد قد بدأ مرحلته حين لم تبق طاقة للتحمل..
سارت الأمور بشكل فظيع، فكل شيء يبعث على الاشمئزاز، بدءا من طعم الماء الذي تأثر بالبنزين، إلى الطعام الذي يطبخ على فحم يوقد بالبنزين أيضا، إلى غير ذلك من سلوكيات يفرضها الوضع على أبناء البحر..
عند الصباح حين يقوم العمال من مضجع أشبه ما يكون بالأرجوحة حيث لا تعرف الزوارق الصغيرة أي استقرار لخفتها.. فيجدون أن كل شيء قد تعفن بفعل الملوحة الزائدة والأوساخ المتراكمة، وحين يبدأ العمل فلا مكان للكسالى ولا للفاشلين، فأينا أكثر نشاطا وأقوى جذبا فهو النجم الذي يقربه القبطان، وهو المقرب الذي يجد ثقة مميزة..
وبعد ثلاث ليال من التطواف في عمق المحيط كنت قد بلغت من الإجهاد والتعب مبلغا كبيرا قررت معه العودة إلى الشاطئ، فقررت الرفقة إيفادي مع أول مار عليهم، وقد كنت مع موعد جديد مع معاناة جديدة، فقد مر بنا زورق من الصنف القدي المعروف بـ "كالكي" فركبت مع أصحابه وهم ثلاثة، ومن المعلوم أن "كالكي" مصنوع من الخشب البحت وهو كثير الثقوب مما يجعل الماء يتسرب باستمرار إلى جوفه، وحين نزلت على الـ "كالكي" وانطلقنا بادر المراهق الذي كان يفرغ الزورق التعيس من الماء إلى النوم وكأنه في فراش وطيئ مريح، وغاب في سبات عميق.
بعدما لاحظت أن منسوب المياه بدأ يزداد باطراد لم أجد بدا من استلام المهمة وهو ما راق للرجل الكبير "القبطان" الذي أملت فيه خيرا مفقودا، فقد صمت صمت الشيطان، ولم يطلب من أي من عماله أن يساعدني، وهكذا رحت ضحية خوفي من غرق الزورق فبدأت بإفراغ الزورق ومراقبة الماء لمسافة تزيد عن الـ 100 كلم، حتى وصلت بحمد الله إلى خليج الراحة بعد ثلاثة أيام من الشوق إلى اليابسة..
كان مقامي على الشاطئ أيضا معاناة تمنيت معها لو عدت إلى البحر بعد ما روضني على الحياة فيه لمدة ثلاثة أيام بلياليها، فقد كانت وأنا جالس في بيت مريح أتوهم واتخيل أن الأرض تهتز من تحتي وأن البيت يتحرك كما يتحرك الزورق في المحيط، وكأنني أصبحت كائنا بحريا لا يستطيع العيش إلا بين الأمواج المتلاطمة..
تلك كانت رحلتي الأولى في المحيط طالبا رزقا لم يجمل الطلب من ركب البحر له، وكان من توفيق الله عز وجل أنني بعد ثلاثة أشهر من الكد والتعب خرجت بربح قدره 4000 اوقية فقط، فصدق أو لا تصدق!!! فتلك حقيقة عشتها واقعا.

نقلا عن الأخبار