مشاهدة النسخة كاملة : الاستعصاء الجمعوي ... { محمد ولد عبد الرحمن }


ام خديجة
07-09-2011, 03:05 PM
الاستعصاء الجمعوي

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=200w__images_29.jpg

بقلم : محمد ولد عبد الرحمن

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ((إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة))، ورواه أيضًا الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد وغيرهم.


في رواية مسلم من طريق معمر عن الزهري تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة (..) فالمعنى لا تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب لأن الذي يصلح للركوب ينبغي أن يكون وطيئا سهل الانقياد وكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة بأن يعاون رفيقه ويلين جانبه..


ويقول الدكتور إبراهيم الخولي وهو يتحدث في محاضرة له عن مفاهيم ينبغي أن تصحح: إن مفهومي( التقدم والتخلف) وطبقا للرؤية الإسلامية الصحيحة هو رشد الإنسانية في الأولى وطفولتها في الثانية.. فحين تصل الأمة إلى مستوى الرشد ويكون كل فرد من أفرادها صاحب إيثار لا أثرة ، وجماعيا بفكره وحركيته ، لا فردانيا بغريزته وجهده ، تكون الأمة متقدمة حتى ولو كان مستواها المادي متدنيا في عالم المدنية.. وحين يكون أفراد الأمة أطفالا في نزعاتهم يلهثون وراء المصلحة الخاصة ويدورن حول ذواتهم تكون الأمة متخلفة حضاريا حتى ولو غزت الفضاء وأتت بما لم تأت به الأوائل..


أردت بهذه التوطئة أن أشير إشارة عابرة إلى البعد الجمعوي الذي تتسم به دعوة الإسلاميين الوسطيين وإلى طبيعة هذه الدعوة والرافد الفكري لذي يحدوها ويوجهها خاصة من ذالك ما يتعلق بحق الفرد على الجماعة ومسؤولية النخبة والرواحل عن وضع إطار عام يحمي السائرين على الدرب من الانزلاق ويجنب الفرد مغبة الوقوع ضحية للصوارف وحيل إبليس..


دفعني لطرق هذا الباب ما رأيته من حال رجلين اثنين أحدهما قبل فترة و ثانيهما قبل أسابيع .. يجمع بين الاثنين أنهما من السابقين إلي الصحوة الإسلامية في موريتانيا وكان الشباب الإسلامي في تسعينيات القرن الماضي يتغنى بدورهما وبعطائهما ،حضرت مع الأول في حدث سياسي وطني فإذا به وقت الاستراحة يهتف لزوجته ويأمرها أن تفتح التلفزيون لمتابعة فنان كانت ترغب في مشاهدته ،يا سلام على الطرب! فهو يأمرها بالاستماع إلى الغناء ..أما الثاني فقد رأيته على قارعة الطريق يتجول بين دكاكين السجائر فاشترى من هذا ومن هذا ثم انطلق مليا يحمل هذا العبء وقد أثر المشهد على وقاره .. ياله من مسكين نبذته جماعته في العراء أو أعرض عنها وهو سقيم ولم تراوده !



صحيح قد يمرض الفرد ويفتر في العطاء وينزع إلي الإنفراد والابتعاد عن الجماعة وصحيح أيضا أن أحوالا وفتنا تمر على بني آدم و لا عصمة إلا للأنبياء وأن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي وأن جزاء السيئة سيئة مثلها وكذالك الحسنة.


ولكن السؤال المستساغ هنا في حق الجماعة هو :أين نظام العسعس الذي يتفقد الأحوال ويتحسس الأوضاع ؟ وأين الجماعة التي تتفقد المصلين وتستطلع أخبار المتخلفين؟ وأين هي الأخوة الصادقة والصحبة الصالحة والكلمة الناصحة؟ وأين هو التواصل والتكافل؟ وأين هو عمر الذي يخاف من السؤال غدا بين يدي الله عن وعكة أرملة أو عثرة بغلة؟ و أين هم الرواحل من إذا سقط السائرون حملوهم على ظهورهم؟

(لا يسلم ابن حرة زميلة.. حتى يموت أو يرى سبيله) وهل عجزت بلاد( نوق الشاطئ) أن تلد الرواحل ؟


لقد ضاع الكثيرون وتفرقت بهم السبل ، تركوا المنهج الإسلامي الوسطي المعتدل الكائن بين حدي الإفراط والتفريط ، ذهبوا من غير هدى أو راحوا يتلمسون طرائق قددا.. أو افترستهم ذئاب ضارية ، تفترس من كل غنم قاصية .


قد يقول قائل: إن الجمعيات التي يشرف عليها دعاة رواحل - والوسطيون من بينهم- كفيلة بالتصدي لظاهرة التساقط في وسط الطريق .. ، قول بليغ وادعاء ببينة ، لكن ربما كان الخرق قد اتسع على راقع يتنفس برئة واحدة ، فلا تستطيع جمعيات بمواصفات عادية أن تصل بنشاطها ولا حتى ببصرها إلي كل نفس عاصية ولا إلي كل شاة قاصية .


زد على ذالك أن الجمعيات في معظمها تصاب و تبتلى هي الأخرى ، فقد تحتاج إلى من ينتشلها من الغرق فبعضها قد يدار كما تدار المزرعة الخاصة ، فتنتفي عنها العمومية والشمولية ، وهذه ظاهرة عمت بها البلوى في قارتنا الإفريقية ، وأحيانا تسلك سنن ما نسمع عنه من ( المنتديات العكاظية) فيرتفع فيها منسوب الشحنة العاطفية وتلك ظاهرة عمت بها البلوى في أمتنا العربية . وربما كانت هذه الجمعيات من طراز معلوم ، يسوي في مقام البذل و التحفيز بين البشر والحجر فيكون إيجار المقر أهم من أجرة العامل ويكون البنيان قبل الإنسان وذالك هو السبب في تخلف العالم الثالث .. وهنا يكون عمال هذه الجمعيات ينشطون و كأنهم عمالة "جرنالية" قد لا يستشعرون -بالضرورة - ذالك البعد الرسالي المطلوب في المهام المنوطة بهم..


بل الأدهى من ذالك والأمر: أن بعض هذه الجمعيات لم تؤسس من أول يوم على قاعدة (إسناد الأمر إلى أهله )بمعنى: أن أي مصنع يجب أن يتصدره المهندسون والمشاريع الفلاحية قومها هم المتخصصون في الزراعة..وهكذا دواليك ،فهل تستطيع جمعية هداية و تبصير و ترشيد أن تقوم بمهامها على أكمل وجه إلا إذا كان أهل النفوذ فيها هم من الربانيين و الأحبار؟


إن الضعف الملحوظ في الأداء لدى بعض الجمعيات الدعوية يرجع في الأساس إلى غياب الربانيين عن الخط الأول للمواجهة مع الوسط المستهدف ، أو إلي محدودية الوسائل لتي يتحرك بها هؤلاء الربانيون الميدانيون.


كما أن البعض الآخر من هذه الجمعيات قد تصيبه " الحمى" السياسية من حيث لا يشعر؛ فتسبح في مداره عبارات واعتبارات دخيلة من قبيل ( التمثيل الفئوي) و(التوازن الجهوي) لتذهب معايير الصواب والإخلاص أدراج الرياح. هذا إضافة إلى أن بعض هذه الجمعيات تعاني من محدودية المتطوعين فتكرر نفسها أحيـــــــانا بذالك ..


واللافت للانتباه أن هيئة السلام الأمريكية تستقبل مئات المتطوعين الجدد في موريتانيا ولمدة سنتين فقط للدفعة الواحدة لتكوينهم ولينتشروا في المجتمع وليعلموا من أخباره و أحواله كل نقير وقطمير وفتيل.. وترتب على ذالك الخطط و الإستراتيجيات المستقبلية.


والجمعيات عندنا في القارة الإفريقية لا تستعين إلى بمتطوعين محدودين عددا وكفاءة و مجال تحرك.. و كأن هذه الجمعيات لا تسعى إلى التوسع و التمدد ولم شمل وغوث المتساقطين بل وهداية الضالين ..وهنا قد يعجز المتأمل الباحث عن سر هذا الصد للآخر والتصدي رفضا للعائذ ليذهب به الحال إلى افتراضات أو اتهامات قد لا تمت إلى الواقع بصلة بل قد لا تليق أصلا ، فيروح سائلا مع المتسائلين : بأي كتاب أم بأية سنة يحرم بعض ركاب السفينة الواحدة من ( نون الجمع ) ومن(واو الجماعة ) و من فضلها أيضا ؟ و في أي مذهب من المذاهب يحق للإمام أن يمنع الناس من الصلاة خلفه ما داموا لا يقبضون مثل قبضه أولا يؤمنون بنبرات صوتية تلهب حماسه؟ بل بأية شطحة (حلاجية) يكون (التصفيق وهز الرؤوس) لما يقوله الإمام شرطا لصحة الصلاة في الجماعة ؟ فهل تستطيع جمعيات باتت عرضة لهذه المعاناة ويصيبها ما يصيب الأفراد من المحدودية و التقوقع على الذات أن تكون ملاذا لقوم طلبتهم الدنيا فرادى فأرادوا الآخرة جماعات ؟ أو أن تكون حرما آمنا يتعلق بأستاره الخائفون من ذئاب شرسة تترصد وتفترس كل قاصية..؟


فعسي أهل الشفقة من علماء ورواحل الوسطيين في موريتانيا أن يكونوا عند حسن ظن الناس بهم وان يتخففوا من إكراهات الواقع ومغرياته المختلفة ليكونوا في جاهزية قصوى لغوث اللاجئين من المتساقطين والاستعانة بكل المتطوعين للخدمة ، لا فرق في ذلك بين طويل ، وقصير ، نأخذ من كل أحسن ما لديه .


نقلا عن الأخبار