مشاهدة النسخة كاملة : عيون على شنقيط "4" : القوة الثالثة الموريتانية { عامر الكبيسي }


أبو فاطمة
07-09-2011, 01:23 PM
القـوةُ الـثالثةُ الـموريـتانية عيون على شنقيط "4" (عامر الكبيسي)

لاحظت أن الموريتاني الفرد أفضل من غيره من الأفراد، والموريتانيون كمجموع أقل من غيرهم في أمر المجاميع لاسيما في أمر البداوة والحاضرة ثم التمدن، وذك أن الموريتاني الفرد يحمل صفات الأدب، ويغلب عليه ضعف القلب وسلطان الحب، إنهم كأفراد رحماء لطيفون للغاية، وإنما الراحة في الأنس بالناس وسكينة المنزل، أما الغضب فللدين بينما الغيرة على العرض، ومن هذه الصفات ما تحدث عنه الكواكبي.
ولأن الصحراء والبداوة لعبت لعبتها معهم، فإن الواحد فيهم صار بالأصل معتمدا على نفسه هو وما يملكه مع العائلة، وليس بمحتاج للدولة أو الحكومة في تسيير أمره، هذا فيما مضى حتى أن "انواكشوط " العاصمة كانت بدعة عليهم، لا يحبونها ولا يطيقون العيش فيها، حتى اضطر مؤسسها لرشوة الأهالي ليسكنوا بها أول الأمر، عندما كانت المدينة الوليدة تعافها النفوس ولعل هذا التدافع جعل من البدوي لا يرتهن أمره بيد الوظيفة الحكومية ولا يلقي بالا للتنمية في بلاده بشكل عام لا سيما في بداية الطريق.
ومع بزوغ فجر الوعي في المجتمع، وخروج نخبة تفهم معاني التنمية وتحارب الفساد، حوصر الجديد الحيوي باستبداد معاوية ولد سيد أحمد الطايع، وإلى اليوم ظل الجهاز الحكومي مرتبكا في الإدارة والتخطيط ومعرفة كنه الثروات الموريتانية من معادن وثروة بحيرة واستثمارات أين تذهب.
تنمو الظاهرة السياسية في البلد عرجاء، وربانها في الغالب من الحرس القديم، وتنقسم بين الناس إلى قسمين وفي حقيقتها إلى أربع..
أولها يرتبط بالدولة والرئيس وكل ما يندرج تحت ذلك المسمى، ويعلم الرئيس ومن دونه أن الشعب غاضب للغاية، ليس على الرئيس وما حوله، بل على وضع البلد ككتلة واحدة لا يرتبط منبع الغضب بشخص الحاكم أو عشيرته ولو روجت المعارضة لذلك، وإنما من تخبط مشاريع التنمية والفساد المستشري، وهي موجودة في موريتانيا منذ سنين، بل يسعدني أن أقول إن الفساد المالي وسوء التخطيط هي الحقيقة الوحيدة الماثلة في البلد.
كل شاب في موريتانيا يعتقد أن بلده لم يزل مستعمرا اقتصاديا من غيره. ولك أن تفتش في خبر شركات البحث عن المعادن، لا تراها العيون، ولا ترى العيون ما تخرجه من الأرض، ولا يعرف الحاسب كم خرج من الأرض ليودعه الحساب
وأخرى، تستأجر ساحل المحيط طولا وعرضا، تجني الخير من ثروة السمك ويبقى الموريتاني فقيرا في نفسه فقيرا في بنية بلده التحتية، يأكلون اللحم ويلقون على الشباب العظم.
فموريتانيا كما يقولون – دولة غنية وشعب فقير – هذا إذا ما قارنا ثروات البلد بعدد السكان، ولذلك لم تفلح كل الحكومات في الناحية الاقتصادية وهي الأهم اليوم تقديم شيء ملموس للمواطن سوى بعض الطرق التي رصفت، ويقول عنها الأهالي إنها بأسوء أنواع الإسفلت وفي أصل المدن أنها يجب أن تبلط منذ100 عام.
أما في ثنايا السياسة فإن أمر الحكم غريب، وهو قادم من مدرسة تسير وفق أمواج كالظلل، أو عكس التيار في كثير من الأحيان، إنها وعلى أقل تقدير لا تشبه مدرسة الشرق، وإنها في آخر طبعاتها لم تمد جسورا في الصلح مع منطقة الخليج الغنية والمؤثرة، بل وحتى في حسابات اللحظات الأخيرة من الوقوف إلى جانب القذافي وصالح، بيد أن ما هو أكبر من ذلك، هو اللعب على متناقضات خطرة، وهنا لابد لي من إفراد مساحة جيدة لهذا الباب ، وأهمها العلاقة المتنامية بين إيران وموريتانيا.. ولا أتحدث فقط في حسابات المصلحة المنظورة، إنما في باب آخر دول تفكير مؤسسات الحكم.
تلكم إيران يا سادة، المقبلة على كل أمة في الأرض، تريد أن تجعل لها وتداً في تربتها.. ولكل بلد لإيران فيه طريقه، وهكذا مع موريتانيا، يبدأ مع الفقراء بالتبرع بأمور قل ثمنها وزادت سمعتها في العيون، كما فعلت حين أهدت عشرات من سيارات النقل الجماعي إلى موريتانيا، ثم يتبع ذلك إن ظل الطريق مفتوحا إنشاء ملحقية ثقافية سخية في المطبوع والملبوس والمعروض، هذا من باب الداخل وعلاقتها مع الجماهير، حتى تبدأ مرحلة جديدة، وهي تفريخ أبناء صالحين يحملون منهجية الانتصار لفكر الممانعة والوقوف بوجه إسرائيل، ومن منا لا يقول: الأمر على العين والرأس.. يا حيا الله الممانعة، ولا سيما عند أعتاب موريتانيا التي يحمل أهلها أرق العواطف في الأرض، لكن الأمر كمن يقرا نصف الآية ويسكت .
أما عن خبر زيارة وزير الدفاع الإيراني الى موريتانيا، فقد بان الحديث فيه، فاعرض ما سبق وحلل ما يلحق .
أما القوة الثانية، وأعني المعارضة.. فإنها في غالبها تمارس سياستها بشيء من الاستعراض القديم، ولا أظن أن لديها القدرة على صناعة جديد لصالح البلد، ذاك أن الحديث ما زال ينصب على شخص الرئيس وجداول الميزانية ونقد الاتفاقيات هنا وهناك.
إن ما تحتاجه موريتانيا قبل السلطة وبلاويها، هو الشروع بصناعة مؤسسات حقيقية من خارج جسد الدولة، وهذا أكبر تحد سيواجه المعارضة لأنها باستلامها اليوم أو غدا لمقاليد السلطة على سبيل المثال، فإنها ستجد نفسها عند أعتاب ميزانيات فارغة من الدرهم والدينار بل وديون عريضة، ومؤسسات دب مرض الوظيفة الحكومية المتكاسلة في جسدها والفساد، ولو أرادت الإصلاح حين السلطة ستحتاج إلى سني حكم خمس لتضع أوراقا في الميزانية وتقيم المؤسسات،
فالمعارضة الموريتانية تسبح في شاطئ ديمقراطية المعارضة بدون مؤسسات، فلن يفرق عند القوم، إن حكم عزيز أو غير عزيز، فالأمر أكبر من ذلك، إنه أمر دولة كاملة تحتاج إلى إعادة خلط الأوراق .
القوة الثالثة... وهي عنوان المقال، إنهم الشباب، أمل موريتانيا، والمعول عليهم في إيجاد التغيير والتنمية، وهم من ينتظر منهم كذلك حل مشاكل الوحدة وتركة ولد الطايع 87\89\91.
وجيل الشباب في موريتانيا مثقف وهو مرتفع علميا ومدنيا على الجيل والأجيال التي سبقته، وفيه طبقة جيدة من المتعلمين والمفكرين والسياسيين الجدد، إنما ينقصه اليسير من التضحية.
وهنا جاء الدور على صراع يأخذ شكل موريتانيا المستقبل .
إن الحديث عن الشباب هناك يعني كذلك الحديث عن الهجرة من أرض الوطن لدواع اقتصادية ومدنية، ولو فكر الحاكمون والمعارضون أن الاستنزاف الأكبر لمشروع موريتانيا المستقبل إنما يأتي من هجرة العقول، أو من عدم القدرة في إرجاع العقول الذكية المهاجرة، وكأنما كل أحد وجد في نفسه بعضا من الذكاء والقدرة على إيجاد وظيفة في الخارج، فكر في إيداع عقله لجهة أخرى، ودائما خارج موريتانيا.
إن فئة الشباب والعقول الشابة في موريتانيا وخارجها ينبغي أن توضع من الآن في حسابات الحكومة التي ستأتي بعد سنوات في صالح مشروع تنمية موريتانيا أفقيا وعموديا.
أما القوة الرابعة، فإنما هي عائمة، و مستمدة من الجماهير، تلك التي تشكو الحالة الاقتصادية بالدرجة الأولى وغياب التنمية، وهذه الفئة صارت أكثر وعيا ويمكن التأثير عليها بخطاب العقل والدين والمشاريع، بعد أن كان خطاب القبيلة المنتشر هناك أو التوزيع المجتمعي للطبقات هو السيد دون غيره.

نقلا عن الأخبار