مشاهدة النسخة كاملة : مصر وتحولات المرحلة.. هلع وعدم يقين في "إسرائيل" (علي بدوان)


أبو فاطمة
07-07-2011, 06:09 PM
مصر وتحولات المرحلة.. هلع وعدم يقين في "إسرائيل" (علي بدوان)

من الطبيعي القول، بأن لمصر دوراً وحضوراً وتأثيراً ومن الزاوية (الجيو استراتيجية) ليست (حبة صغيرة) وليست الصومال أو هاييتي، أو الدومينيكان، أو بنما... أو حتى إيران وملفها النووي، أو لبنان... فمصر نظام مبارك كانت (الممر والمعبر والعراب) و(ميزان القبان) في الرؤية الأميركية لتكريس وتمرير السياسات الأميركية في المنطقة، وتحديداً فيما يخص الصراع العربي والفلسطيني مع العدو الصهيوني. فمصر وتحت سقف نظام حسني مبارك، كانت وما زالت حتى لحظات اندلاع انتفاضة شعبها العظيم، هي حجز الزاوية لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال العقود الثلاثة الماضية.
ففي التقدير الأميركي و"الإسرائيلي" أن انتفاضة الشعب المصري ونجاحها في المرحلة الأولى منها بإزاحة نظام مبارك ضربت بالصميم المشروع الإسرائيلي الأميركي للتسوية في المنطقة.
فمصر تمثل من الزاوية الأميركية و"الإسرائيلية"، النافذة العريضة التي فتحت أبواب العالم العربي والإسلامي أمام الحل السياسي التسووي منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، كما كانت ركناً أساسياً لبناء الحل المنشود للتسوية المطروحة في المنطقة منذ أعمال مؤتمر مدريد أواخر العام 1991.
وانطلاقاً من ذلك، إن ثمة حالة عالية من القلق والمخاوف في "إسرائيل" إزاء عدم اليقين في ما يحدث في مصر وما قد تصل إليه التحولات الجارية في الداخل المصري، وهي مخاوف تبدأ أولاً بالقلق على مصير "اتفاق السلام" الذي ولد مع توقيع اتفاقية "سلام" كامب ديفيد عام 1979.
إن القلق "الإسرائيلي" من إمكانية واحتمال انهيار التسوية مع مصر، يعني بالنسبة لتل أبيب، عودة مصر إلى خطها الماضي، خطها الأبوي للأسرة العربية، وكحاضنة للحالة العربية الرسمية وعلى كل مستوياتها، وهو ما قد يستولد إعادة بناء الاصطفافات في المنطقة، وعودة الصراع إلى بداياته الأولى بين المشروع الوطني التحرري الفلسطيني والعربي والمشروع الصهيوني.
فمعاهدة كامب ديفيد شكلت نجاحاً كبيراً للسياسات الخارجية الأميركية، واختراقاً نوعيّاً لمسار الأحداث في المنطقة منذ ثلاثة عقود خلت، إذ حيدت مصر بطاقاتها وإمكاناتها وحضورها وثقلها، وأخرجتها إلى خارج دائرة الصراع الفعلي مع المشروع الصهيوني. ومنحت "إسرائيل" حدوداً طويلة هادئة، بل وفتحت أمامها نوافذ وأبواب في العالمين العربي والإسلامي كانت موصدة أمامها على الدوام. وبالتالي من الطبيعي أن يندب بعض قادة "إسرائيل" حظهم مع انتفاضة الشعب المصري وإزاحة نظام مبارك، بقولهم إن "إسرائيل مَدينة كثيراً لمبارك ورجاله، لما فعلوه علناً وأيضاً بما فعلوه في الخفاء" طوال العقود الثلاثة الماضية من "السلام بين البلدين". بل وذهب بعض القادة "الإسرائيليين" للقول إن من شأن أي تحول حقيقي في مصر، أن يفقد "إسرائيل" حليفيها في المنطقة وهما الأردن ومصر، اللذين يرى أنهما "أكبر كنوز إسرائيل الاستراتيجية بعد تأييد الولايات المتحدة".
إن احتمالات انهيار معاهدة التسوية مع مصر، تشكل الآن جوهر القلق والهلع "الإسرائيلي" للأسباب التي تم عرضها أعلاه، مضافاً إليها مسألتين اثنتين، أولهما ما يتعلق بالغاز الطبيعي المصري المستخرج من سيناء والذي تستهلكه "إسرائيل" مستورداً من مصر وبأسعار زهيدة جداً وتكاد تكون مجانية. وثانيهما ما يتعلق بالملاحة في قناة السويس ومضائق تيران.
وفي هذا السياق، فإن المعلومات المنشورة على صفحات بعض الصحف الإسرائيلية قبل أيام، كصحيفة (كالكاليت) الاقتصادية، أشارت إلى أن أكثر من نصف استهلاك "إسرائيل" من الغاز الطبيعي مصدره مصر، وأن محطات توليد الكهرباء في "إسرائيل" تعتمد بشكل شبه كلي على الغاز المصري، وأن "إسرائيل" ومصر ملتزمتان معاً باتفاقات لشراء الغاز المصري حتى العام 2030، وبموجب هذه الاتفاقات فإن (الشركة الإسرائيلية المصرية) والمعروفة بـ (إي أم جي) تعمل على سحب الغاز المصري وفق الكمية المتفق عليها وبالسعر الزهيد المعروف. لكنها أشارت بالمقابل إلى أن وزارة "البنى التحتية في إسرائيل" أجرت مناورات استعداداً (لحالة طوارئ) في حال انقطاع إمدادات الغاز المصرية، فيما دعا وزير البنى التحتية (عوزي لاندو) "للتحرك لضمان أمن الطاقة لدينا من دون الاتكال على الآخرين".
إن الوجه الآخر للهلع "الإسرائيلي" تجاه ما يحدث في مصر، يعود أيضاً إلى المخاوف الكبرى التي تنتاب "إسرائيل" حال الانتقال في الحالة المصرية من نظام الحزب الواحد والفرد الواحد إلى نظام ديمقراطي تعددي يستند إلى صندوق الانتخابات قولاً وعملاً.
فالتقديرات "الإسرائيلية" تشير إلى أن الإخوان المسلمون يشكلون حزباً عريقاً، بعد أن بنوا أنفسهم على مدى ثمانين عاماً، وقد أصبحوا القوة الأكبر في مصر حضوراً وتأثيراً وفعلاً في الشارع المصري، وهو ما يعزز الفرص الكبيرة أمامهم للفوز في أي انتخابات ديمقراطية حقيقية، ليكونوا الجهة المقررة في صناعة وإدارة دفة القرار المصري في المستقبل القادم.
إن "إسرائيل" التي لا يهمها على الإطلاق أن ترى حياة ديمقراطية في أي بلد عربي، يهمها بالدرجة الأولى إدامة بقاء الأنظمة العربية ذات الطبيعة التسلطية، وهو ما عبر عنه رئيس "شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية" الأسبق الجنرال (أهارون زئيفي فركش) للإذاعة الاسرائيلية: "إنني لا أفهم تصرف الولايات المتحدة ودول أوروبا ومطالبتهم بالديمقراطية في مصر". الذي أضاف القول بأن "الحديث هذه المرة عن عنصر حيوي في خريطة الشرق الأوسط ستؤثر ضعضعته تأثيراً مباشراً في خطط الإدارة الأميركية للخروج هذا العام من العراق وأفغانستان".
ويسترجع الجنرال (زئيفي) المثال الإيراني لتعزيز موقفه بقوله "إن الخروج الأميركي من الشرق الأوسط عندما ينتقل الأمر إلى أيد متطرفة سيكون عملاً غير مسؤول على نحو ظاهر... ويحسن بنا أن نتذكر الرئيس أوباما ما حدث للرئيس جيمي كارتر الذي مكن من سقوط الشاه الفارسي ودفع ثمن ذلك لا كرسيه فحسب بل ثمن تغيير بعيد المدى في وجه الشرق الأوسط. وبالتالي لا يجوز له أن يكرر ذلك الخطأ".
إن الفرضيات والسيناريوهات "الإسرائيلية" لمرحلة ما بعد نظام مبارك، وحسب ما تسرب عن مختلف المصادر القيادية فيها، تنحو باتجاه رسم حلول وخرائط حذرة، تفرض على "إسرائيل" أمرين اثنين، أولهما أن تعيد تقييم استراتيجيتها، بما في ذلك إمكانية مواجهة واحد من الجيوش الحديثة في المنطقة، والمقصود الجيش المصري.
وثانيهما أن يعيد "الجيش الإسرائيلي" النظر في بنيته ونظام قواته. فمعاهدة كامب ديفيد جعلت "إسرائيل" تخفض نفقات "دفاعها" من (23%) من إجمالي الناتج القومي في السبعينيات إلى (9%) اليوم وكذلك تخفيضات كبيرة في جيشها، وهو ما جعل من "الجيش الإسرائيلي" يخفض من عديد قواته بصورة تدريجية وخفض سن الإعفاء من الخدمة العسكرية الاحتياطية وتحويل موارد كبيرة إلى أهداف اقتصادية واجتماعية. كما أن التدريبات والمناورات التي كان وما زال يجريها "الجيش الإسرائيلي" تحاكي محاربة حزب الله اللبناني وقوى المقاومة الفلسطينية من حركة حماس إلى آخر تنظيم فلسطيني مقاوم، وتحاكي حرب مع سوريا.

نقلا عن المركز الفلسطيني